ليبيا تترقب نتائج «الخطة الأممية» الجديدة

وسط ضغوط دولية على الساسة لـ«تقديم تنازلات»

مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
TT

ليبيا تترقب نتائج «الخطة الأممية» الجديدة

مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي

تحركت المياه الراكدة في بحر السياسة الليبية قليلاً، باتجاه «الخطة الأممية» الجديدة، التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية قُبيل نهاية العام الجاري، إلا أن حالة من الخوف والترقب اتسعت حول طرح عبد الله باتيلي، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم بالبلاد (أونسميل)، خصوصاً ما قد يُقدم عليه الدبلوماسي السنغالي، من إجراءات، ربما تهدد بقاء بعض الساسة في المشهد العام. الخطة الأممية، التي لم يُبدِ «المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا رأيه فيها حتى الآن، ورفضتها غالبية أعضاء مجلس النواب (البرلمان)، تقضي بتشكيل لجنة توجيهية رفيعة المستوى تجمع كل أصحاب المصلحة، والمؤسسات، والشخصيات، وزعماء القبائل، وتكون مهمتها الوصول بالبلاد إلى الانتخابات العامة المنتظرة.
ينظر ساسة ليبيون إلى أهمية «الخطة الأممية» المنتظرة، كونها تأتي عقب عام ونيف، من فشل الاستحقاق السابق نهاية عام 2021. وهو ما أدى إلى جمود العملية السياسية، في ظل عجز «مجلس الدولة» والبرلمان عن تجاوز خلافاتهما، بإنجاز قوانين الانتخابات المنتظرة. ويرى عدد من هؤلاء أن أمام المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، فرصة لاستغلال تزايد الزخم الدولي المتعاطي مع مبادرته، بالمسارعة في إعلان تشكيلها، رغم الانقسام والمخاوف الاستباقية بشأنها.

عبد الله باتيلي

فقدان شرعية المؤسسات
المبعوث الأممي، الذي تسلّم مهامه في طرابلس العاصمة منذ قرابة 5 أشهر، فضّل أن يُمهّد لمبادرته من زاوية أن «النخبة السياسية في ليبيا تعيش أزمة شرعية حقيقية». وأفاد في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي في 27 فبراير (شباط) الماضي، بأن «غالبية مؤسسات الدولة فقدت شرعيتها منذ سنوات. ولا بد أن يتصدر حل أزمة الشرعية هذه أولويات الفاعلين السياسيين الراغبين في تغيير الوضع القائم».
رؤية باتيلي تتمثل في أن أمد العملية السياسية طال أكثر من اللازم، ولم تعد تلبي تطلعات الليبيين الساعين إلى انتخاب مَن يقودهم، وإلى بث الروح في مؤسساتهم السياسية؛ لذا لخص الدبلوماسي المخضرم بالقول إن «صبر الليبيين قد نفد، وباتوا اليوم يشككون في إرادة ورغبة الفاعلين السياسيين الانتقاليين في إجراء انتخابات شاملة وشفافة في 2023».

عبد الحميد الدبيبة

غسان سلامة

برناردينو ليون

وفق متابعين، فإن باتيلي لم يأبه لمعاداة النخبة السياسية له - كما حصل مع أسلاف له - بعدما وصفها بأنها «تعيش أزمة شرعية»، بقدر ما سعى إلى وضع الجميع أمام مسؤولياته؛ لذا شدد على أن تنفيذ الانتخابات يتطلب «توافقاً وطنياً واسعاً؛ ينطوي على التأييد والمشاركة الفاعليْن لطيفٍ أوسع من الأطراف المعنية، بما في ذلك المؤسسات الوطنية، والشخصيات السياسية، والأطراف الأمنية، وزعماء القبائل (...)». كذلك رد المبعوث على مخاوف البعض بشأن ماهية اللجنة المرتقب الإعلان عنها، وقال: «إن الآلية المقترحة ستعمل على الجمع بين مختلف الأطراف الليبية المعنية؛ للدفع قدماً بالتوافق حول الأمور ذات الصلة، مثل تأمين الانتخابات، واعتماد ميثاق شرف للمرشحين جميعاً، بالإضافة إلى تيسير اعتماد إطار قانوني وجدول زمني ملزم لإجراء الانتخابات في 2023».
عصام الجهاني، عضو مجلس النواب، يرى أن مجلسه «هو المعني وحده بإصدار التشريعات بالاستشارة مع (المجلس الأعلى للدولة)، وأن الوضع الراهن يتطلب إرادة صلبة من أجل تعزيز التوافق الداخلي».

وأضاف الجهاني، في تصريحات صحافية، أن بعض الأطراف الدولية والمحلية «تعمل على عدم التقدم نحو الانتخابات بعد التوافق الليبي بين المجلسين أخيراً»، وعزا ذلك لـ«الخلاف الدولي المنعكس بصورة كبيرة على الملف الليبي».
ما يذكر أن باتيلي، انتهز فرصة تقديم إحاطته لمجلس الأمن، للقول إن المجلسين لم ينجحا لتاريخه في التوافق على قاعدة دستورية للانتخابات. لكن البرلمان رد على كلام المبعوث، واصفاً إحاطته بأنها «تضمنت مغالطات». والواقع أن ما لمح إليه باتيلي، عن «فقدان شرعية أغلب المؤسسات الليبية منذ سنوات»، سبقته مطالبة لستيفاني وليامز، المستشارة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، بحثِّ النخبة السياسية الليبية على وقف «لعبة الكراسي الموسيقية للبقاء في السلطة»، مذكّرة حينذاك بـ«انتهاء مدة التفويض للمجلسين بموجب انتخابهما».
البرلمان و«المجلس الأعلى»
من جهة ثانية، وعلى الرغم مع أن الخطة الأممية، لم تثمر لليوم شيئاً ملموساً على أرض الواقع، فإنها نجحت في تحريك موقف «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة خالد المشري، في التعاطي مع التعديل الـ13 للإعلان الدستوري، الذي من المرجح أن يُمهد لإجراء الانتخابات. وهذا أرجعه متابعون إلى «مخاوفه من سحب التحرك الأممي البساط من تحت أقدامه وأقدام مجلسه». غير أن المشري، قال إن مجلسه «لم يرفض مبادرة باتيلي، حتى الآن»، بل «يمكن المواءمة» بينها والتعديل الدستوري الـ13، الذي وافق عليه بغالبية الحضور.
وامتداداً لحالة الرفض للتعديل الدستوري، وخصوصاً في غرب البلاد، وجه الحبيب الأمين، وزير الثقافة الليبي الأسبق والقيادي في مصراتة، انتقادات للمشري؛ بسبب موافقته على «التعديل الدستوري». وغمز الأمين من قناة المشري بوصفه قيادياً إخوانياً قائلاً: «لو راجعنا قائمة الداعمين لك، ومن وافقوا على التعديل لعرفنا أن الإرادة الإخوانية تقف وراء كل ما تهرول نحوه؛ للتمترس بالسلطة باعتبارها جماعة مُعطلة للإرادة الوطنية».
من جانبه، وسع المشري - الذي حرص خلال الفترة الماضية على الاقتراب من عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب - هوة التباعد مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وتمسّك بموقفه الرافض أيضاً للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي». وتكلم عن إمكانية «وضع نص قانوني يمنع مَن تعهّدوا في ملتقى جنيف من الترشح للانتخابات المقبلة»، في إشارة إلى الدبيبة.
وأردف أن مجلسه «لن يقبل أي قوانين انتخابية إلا بالتوافق بين لجنتي مجلسي النواب و(الدولة) المنصوص عليهما في التعديل الدستوري». ولفت إلى أن باتيلي «يوافقه الرأي في فكرة عدم ترشح مزدوجي الجنسية للرئاسة، لكنه يقول إنهم يجب أن يُمنحوا فرصة للترشح».
بالمثل، انتقد مجلس النواب، إحاطة باتيلي بحجة تجاهلها تعطيل انعقاد جلسة مجلس الدولة من قبل القوى «التي أفشلت الانتخابات عام 2021»، وكونها لم تشر لـ«الفشل الذي لحق بباقي المؤسسات المنوط بها مهام جسام لإنجاح أي عملية انتخابية وسياسية». وبينما رحب بدعم المجتمع الدولي حق الشعب الليبي في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وثمّن دور البعثة الأممية، فإنه أكد الملكية الليبية للعملية السياسية.
الدبيبة والحكم العسكري
أما عن الدبيبة، الذي غالباً ما يردّد رغبته في إجراء انتخابات ليبية، فيتهمه معارضوه «بوضع العراقيل في طريقها». وكان الدبيبة قد استبق إحاطة باتيلي فوجه خطاباً رسمياً إلى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، دعاه فيه لتقديم المساعدة التقنية والفنية إلى حكومته لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي. وطالبه أيضاً بإرسال فريق لتقييم الاحتياجات الخاصة بالانتخابات، ومراقبين دوليين للعملية الانتخابية حتى الانتهاء منها واعتماد نتائجها النهائية، والتنسيق مع حكومته لإنجاح الاستحقاق المنتظر.
هذا، وعقب إعلان مبادرة باتيلي، سارع الدبيبة إلى إبداء تمسكه «بطرح أي قاعدة دستورية للاستفتاء الشعبي». وأبدى استعداده للتخلي عن منصبه إذا تم الاتفاق على قوانين الانتخابات. ولم ينسَ أن يشير إلى رفضه «عودة الحكم العسكري»، معتبراً أن «ليبيا ضيّعت سنوات في الأحكام العسكرية... وأي عسكري يريد الحكم يجب أن يخلع بدلته العسكرية قبل دخول الانتخابات»، في إشارة إلى حفتر.
مع هذا رأى بلقاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن «قائمة الشروط واللاءات التي أعلنها الدبيبة تؤكد فقط استمرار تمسكه بالبقاء في السلطة. إنه يريد أن يبقى في السلطة أطول مدة ممكنة». وتابع أن مجلسه «يقبل بأي توافق يوصل إلى انتخابات... والمواطن سئم من الجميع سواء الحكومة أو البرلمان أو مجلس الدولة». واختتم بأن خطاب الدبيبة «ليس بجديد، لكنه حالياً لا يحمل أي قيمة سياسية أو قانونية له».
أما الجهاني، عضو البرلمان، فتطرق إلى أن «الجوانب التشريعية وإعداد خريطة الطريق هما من اختصاص البرلمان ومجلس الدولة الاستشاري»، وأن الأخير «أعلن موافقته على القاعدة، ما يعني أنها أصبحت جاهزة للتنفيذ».
حكومة «موحدة»... أم «مصغرة»؟
في أية حال، أمام المتغيرات الدولية الجديدة، بدا المشهد في ليبيا أكثر تسارعاً وارتباكاً عن ذي قبل، فالمبعوث الأممي عاد من جولته الخارجية ليطلع السلطة التنفيذية في طرابلس، على لقاءاته ومباحثاته الأخيرة بشأن ليبيا، بينما استبق ريتشارد نورلاند المبعوث الأميركي الخاص، وليزلي أوردمان القائم بالأعمال الأميركي في ليبيا، زيارتهما إلى طرابلس بلقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في بنغازي. وأظهر صالح تجاوباً إزاء المتغير الحاصل، وقال إن مجلسه «أوفى بالتشريعات اللازمة كافة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من خلال التعديل الدستوري الـ13»، لكنه أكد أيضاً «استعداد المجلس للتعديل اللازم لها إذا ما اقتضت الحاجة لذلك». واللافت أن صالح شدد على ضرورة وجود حكومة «موحدة» في أنحاء البلاد كافة لتنظيم الانتخابات.
وفي وقت سابق دعا المشري إلى تشكيل «حكومة وحدة مصغرة بمدة محددة»، لإجراء الانتخابات.
وعودة إلى باتيلي، فقد التقى أيضاً كلاً من عبد الحميد الدبيبة، ومحمد المنفّي رئيس المجلس الرئاسي، في لقاءين منفصلين أحاطهما خلالهما بما أسفرت عنه لقاءاته الخارجية، في أعقاب الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن.
وانتهز الدبيبة الفرصة ليؤكد «جاهزية حكومته وأدواتها التنفيذية لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ودعمها الإجراءات المتخذة من طرف البعثة»، التي وصفها بأنها «تعمل بشكل جاد ومتواصل مع الأطراف الدولية للوصول إلى انتخابات، وتشكيل فريق يسهم في استكمال وتحديث القاعدة الدستورية لتكون جاهزة لاستكمال حلم الليبيين».
وقبل أن ينتهي أسبوع حافل بضغوط دولية على «الأطراف الفاعلة» بالبلاد لتحريك المياه الراكدة في بحر السياسة، حث السفراء والمبعوثون الخاصون إلى ليبيا لكل من أميركا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا القادة الليبيين، عقب لقائهم الدبيبة، بالعاصمة طرابلس، الأربعاء الماضي، على تقديم التنازلات اللازمة لإجراء الانتخابات وتمكين الشعب الليبي من اختيار قيادته.
وبجانب الضغط الدولي، تدفع أطراف ليبية باتجاه ضرورة إجراء الاستحقاق المرتقب وفقاً للتوجه الأممي، وفي هذا الإطار تمسك 51 حزباً ومكوناً سياسياً بحق مشاركتها في إيجاد حل سياسي يفضي إلى إجراء الانتخابات، وإقامة نظام تعددي وديمقراطي. ووجهت الأحزاب، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن الدولي، ضمنوها إفادات بأن الأجسام السياسية الحاكمة حالياً «فاقدة للشرعية»، وذهبت إلى أن «في ليبيا وخارجها مَن يسعى لبقاء الانسداد السياسي الحالي؛ لضمان بقاء مصالحهم ومكتسباتهم».

القاهرة... ومرجعية «الصخيرات»

> وسط تباين المواقف الدولية حيال «الخطة الأممية» لليبيا، بين مؤيد ومتحفظ ورافض، جاء الموقف المصري، الذي عبر عنه سامح شكري وزير الخارجية، ليؤكد دعم القاهرة الكامل لمسار الحل الليبي - الليبي، ورفضها «أي إملاءات خارجية تتجاوز دور المؤسسات الليبية».
شكري، الذي تكلم لدى تسلمه رئاسة الدورة الـ159 لمجلس وزراء الخارجية للجامعة العربية، أعاد تأكيد مرجعية «اتفاق الصخيرات»، ودعوة الأطراف المنخرطة في الأزمة الليبية جميعاً إلى الالتزام بهذه الأسس والمحددات، التي قال إنه «لا بديل عنها». وهو التوجه الذي يُنظر إليه على أنه يدعم مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» في مواجهة أي تغير قد ينتج عن الخطة الأممية.
ودلل شكري على هذا التوجه بأن «محاولات اختلاق آليات مستحدثة تهدف إلى إرباك المشهد من أجل تكريس الوضع القائم». ووصف إصدار مجلس النواب التعديل الدستوري الثالث عشر للإعلان الدستوري، وموافقة المجلس الأعلى للدولة عليه، بـ«التطور المهم والجوهري».
ورأى الوزير المصري، أن «التعديل يسهم في استيفاء الإطار الدستوري والقانوني اللازم لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، في أقرب وقت تحت إشراف (حكومة محايدة) تُعلى المصالح العليا لدولة ليبيا».

المبادرات الأممية... محاولات متكررة لتفكيك الأزمة الليبية
> منذ تفشي الفوضى الأمنية في ليبيا عقب «الثورة» التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، تسعى الأمم المتحدة عبر مبادرات عدة، لإيجاد مخرج ينهي الصراع ويعيد أفرقاء السياسة إلى طاولة الحوار بدلاً من الاحتكام للاقتتال.
منذ ذلك التاريخ تقريباً، والأمم المتحدة تدفع بمبعوثيها، بداية من عبد الإله الخطيب وزير الخارجية الأردني الأسبق، وحتى عبد الله باتيلي، المبعوث الحالي، إلى ليبيا أملاً في تفكيك المعضلة السياسية. وفيما يلي أهم المبادرات والتحركات الأممية:
- تلخصت فترة عبد الإله الخطيب، الذي عينه الأمين العام للأمم المتحدة (آنذاك)، بان كي مون في السادس من أبريل (نيسان) عام 2011، في إجراء مشاورات عاجلة، بينما كانت الدماء لا تزال ساخنة في ليبيا، لكن الخطيب لم يبق في مهمته أكثر من 4 أشهر.
- أيضاً فترتا المبعوثين التاليين إيان مارتن (بريطاني) وطارق متري (لبناني)، لم تشهدا خوضاً عميقاً في عمليات التسوية السياسية لأسباب عدة، منها أن المجتمع الدولي لم يكن قد أبدى اهتماماً بالأوضاع المتردية بالبلاد.
- الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون تسلّم مهامه في أغسطس (آب) 2014، وأسهم في جمع غالبية الأطراف المعنية بالأزمة لتوقيع الاتفاق السياسي بمنتجع الصخيرات في المغرب خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. ووُصفت فترة عمل ليون بأنها «الأصعب»، إذ كان الاقتتال وتسلّط الميليشيات المسلحة على أشده، لكنه غادر منصبه تاركاً وراءه حالة من الغضب بسبب ما وُصف بـ«التقسيمات» التي أحدثها «اتفاق الصخيرات».
- في منتصف مايو (أيار) 2017 أعلن المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر (ألماني)، أن الأمم المتحدة بصدد التحضير «خريطة طريق» لجمع الأفرقاء كافة على طاولة الحوار للتوصل إلى حل. ووُصفت مهمة كوبلر، بأنها «محددة»، وتتمثل في تطبيق «اتفاق الصخيرات» الذي أسفر عن تعيين المجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج، التي أنيطت بها قيادة مرحلة انتقالية من سنتين، تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية، إلا أن التجاذبات السياسية لم تمكّن كوبلر من العمل على تطبيق «اتفاق الصخيرات»، على الرغم من تجاربه السابقة في العراق وأفغانستان والكونغو الديمقراطية.
- يعتبر ساسة ليبيون أن الأزمة الليبية شهدت بعض الحلحلة بعد تعيين اللبناني غسان سلامة مبعوثاً في يونيو (حزيران) 2017. وبعد قرابة 3 أشهر من اللقاءات والمشاورات وجلسات الاستماع مع الأطراف السياسية والمؤسسات المجتمعية في معظم المدن الليبية، طرح سلامة «خريطة طريق» لحل الأزمة في ليبيا. وتكوّنت تلك الخريطة من 3 مراحل، تبدأ بتعديل «اتفاق الصخيرات»، ثم عقد «مؤتمر وطني جامع» تحت رعاية أممية لفتح الباب أمام الذين استُبعدوا أو همّشوا أنفسهم، والأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية. وفي الرابع من أبريل 2019 شنّ المشير خليفة حفتر عملية عسكرية على العاصمة طرابلس، وأُفشلت مبادرة سلامة، التي لم تسلم من الاعتراض والانقسام حولها.
- نجح «ملتقى الحوار السياسي» الذي رعته البعثة الأممية في جنيف في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة في فبراير 2022 مكونة من «المجلس الرئاسي» بقيادة محمد المنفّي، و«حكومة الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مهمتها تجهيز البلاد لإجراء انتخابات عامة. وتعطلت العملية السياسية الرامية لحل الصراع منذ انهيار الاستحقاق الذي كان مقرراً إجراؤه قبل نهاية عام 2021، بسبب خلافات قواعدية وتنظيمية.
- يوم 7 مارس (آذار) 2022، اقترحت المستشارة الأممية حينها ستيفاني وليامز (أميركية)، تشكيل لجنة من 6 أعضاء من مجلس النواب ومثلهم من «المجلس الأعلى للدولة»، على أن تجتمع في أي مكان يتم التوافق عليه، للعمل لمدة أسبوعين على وضع «قاعدة دستورية» تفتح الطريق نحو إجراء الانتخابات. بعد اجتماعات عدة فشلت اللجنة، فدخلت البلاد، ولا تزال، حالة جمود سياسي.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

الجزائر تستعد لتمرير «نسخة مخفّفة» من قانون يُجرّم الاستعمار

من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
TT

الجزائر تستعد لتمرير «نسخة مخفّفة» من قانون يُجرّم الاستعمار

من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)
من اجتماع اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان الجزائري (البرلمان الجزائري)

يبحث البرلمان الجزائري بغرفتيه، حالياً، الصيغة الأنسب لنص «قانون تجريم الاستعمار الفرنسي» الذي صُودق عليه بنهاية عام 2025، غير أن «مجلس الأمة» تحفّظ على بعض مواده، في خطوة تهدف إلى فتح قنوات لعودة العلاقات بفرنسا، خصوصاً أن الأسابيع الماضية شهدت انفراجة بين البلدين بعد أن بلغا حافة القطيعة الدبلوماسية.

أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» لدى تصويتهم على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» في 24 ديسمبر الماضي (البرلمان الجزائري)

وكان «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى) صدّق بالأغلبية على القانون في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025، في ذروة التوتر مع فرنسا. وبعد شهر رفض «مجلس الأمة» (الغرفة العليا) المواد التي تتناول «اعتذار فرنسا عن جرائم الاستعمار» و«دفع التعويضات». وأمام عدم التفاهم، كان لزاماً الاحتكام إلى «لجنة متساوية العدد في الأعضاء» للتوصل إلى حل يرضي أعضاء الغرفتين، وهي آلية دستورية يُلجأ إليها في حال وقوع خلاف بين الغرفتين بشأن نص تشريعي. ومن المرتقب التصديق على تقرير عمل اللجنة المشتركة يوم 9 مارس (آذار) المقبل، وفق أجندة نشاط «المجلس الوطني»، حيث سيتضمن التقرير الصياغة التوافقية التي ستُرفع إلى جلسة للتصويت بحضور أعضاء الغرفتين. وفي خطوة نهائية، سيحال النص المصدَّق عليه إلى رئيس الجمهورية للتوقيع ليصبح قانوناً نهائياً ونافذاً. وعقدت «اللجنة» أول اجتماع لها يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وذلك بعد التصديق على «نظامها الداخلي»، الذي حدّد عدد أعضائها بـ8 أعضاء موزعين بالتساوي بين غرفتي البرلمان.

رئيس مجلس الأمة الجزائري عزوز ناصري (البرلمان)

قانون ضد إرث الاستعمار

ويوم الاجتماع أكد رئيس «مجلس الأمة»، عزوز ناصري، أن تفعيل «اللجنة متساوية العدد في الأعضاء» جاء بطلب من الوزير الأول «من أجل اقتراح صيغة توافقية للنص المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والذي يشهد خلافا بين غرفتي البرلمان»، مشدداً على «ضرورة الارتقاء به إلى مصاف نص تشريعي مرجعي محكم البنية، قائم على أسس قانونية صارمة، ويعكس ثوابت الدولة الجزائرية». ودعا إلى «إعداد قانون مرجعي نموذجي يتجاوز الإطار الوطني ليشكّل سابقة تشريعية رائدة على المستوى الأفريقي، ويكرس مقاربة قانونية واضحة في معالجة جرائم الاستعمار».

ووفق مصدر من «اللجنة»، فإن عملها ينصب حالياً على تعديل وتوحيد نص قانون تجريم الاستعمار عبر إعادة صياغة المواد المتنازع عليها بين المجلسين لتحقيق توافق دستوري وسياسي قبل اعتماده رسمياً. ورجّح المصدر تثبيت تحفظات «مجلس الأمة» على القانون، بدعوى أنها «تستجيب لإرادة السلطات العليا في البلاد».

يذكر أن «مجلس الأمة» لا يملك صلاحية تعديل النصوص المصدّق عليها؛ ولهذا شُكّلت «اللجنة المشتركة» لاقتراح نص توافقي يضمن «الانسجام مع المواقف الرسمية الثابتة للدولة».

أحد التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر (الأرشيف الجزائري)

نسخة أصلية متشددة

ويتضمن قانون تجريم الاستعمار، المصدّق عليه في نهاية 2025، وصفاً واسعاً للجرائم التي ارتكبت، بينها القتل العمد، والمجازر، والإعدامات خارج القانون، واستخدام القوة المفرطة، والأسلحة المحرمة، والتجارب النووية، والنهب المنهجي للثروات، والتعذيب الجسدي والنفسي، والتمييز العنصري، والاغتصاب، والإخفاء القسري والتهجير والنفي، وإنشاء المحتشدات، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وطمس الهوية الوطنية، وتدنيس دور العبادة، والاعتداء على حرمة الموتى واحتجاز رفاتهم. ويعدّ التعاون مع سلطات الاحتلال، بمن في ذلك «الحَرْكَى» (جزائريون تعاونوا مع الاستعمار)، «خيانة عظمى»، وتعدّ هذه الجرائم غير قابلة للتقادم، وفق النص.

كما يُحمّل القانونُ الدولةَ الفرنسية المسؤوليةَ الكاملة عن ماضيها الاستعماري، ويُلزم الدولة الجزائرية بالسعي إلى الحصول على «اعتراف واعتذار رسميين»، والمطالبة بتعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تنظيف مواقع التجارب النووية، وتسليم خرائط التجارب والألغام، وتعويض الضحايا وذويهم، واسترجاع الأموال المنهوبة والأرشيف الوطني والممتلكات المنقولة، واستعادة رفات رموز المقاومة والثورة. ويُجرّم القانون كل «أشكال تمجيد أو تبرير الاستعمار الفرنسي»، ويضع عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية على من ينكر طبيعته الإجرامية، أو يشيد بالمتعاونين معه، أو يمس برموز المقاومة والثورة، أو يستخدم ألقاباً استعمارية مهينة، مع تشديد العقوبات في حال العود أو إذا ارتكبت الأفعال من موظفين عموميين أو داخل المؤسسات التعليمية أو الإعلامية. ويؤكد القانون على مشاركة المجتمع المدني في حفظ الذاكرة الوطنية ونقلها للأجيال المقبلة.

وجاء تصديق «مجلس الأمة» على القانون، في 22 يناير 2026، مشروطاً بطلب إعادة صياغة 13 مادة محل خلاف، حيث أكد مقرر «لجنة الدفاع الوطني»، فيصل بوسدراية، في تصريح رسمي، أن التحفظات تركزت على بنود «التعويضات والاعتذارات»، عادّاً إياها «لا تتماشى والتوجه الوطني» الذي حدده الرئيس عبد المجيد تبون.

الرئيسان الجزائري والفرنسي خلال لقائهما يوم 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«لا للتخلي عن الذاكرة»

ويأتي هذا التباين البرلماني ليعيد تكريس المقاربة التي أعلنها الرئيس تبون أواخر 2024 أمام البرلمان، حين قال: «لن أتخلى عن الذاكرة... لسنا طامعين في المال ولا في اليورو أو الدولار؛ نحن نطالب باعتراف صريح بالجرائم المرتكبة، ولا أطلب تعويضاً مالياً».

وعلى الضفة الأخرى، أثار القانون ردود فعل غاضبة في باريس؛ حيث وصفت وزارة الخارجية الفرنسية هذه الخطوة التشريعية بـ«المبادرة العدائية»، عادّةً أنها «تقوض إرادة استئناف الحوار بين البلدين وتعطل العمل الهادئ بشأن ملف الذاكرة المشترك».

رئيس «المجلس الشعبي» مع أعضاء لجنة صياغة «مشروع قانون تجريم الاستعمار» في 20 ديسمبر الماضي (البرلمان)

ويُقرأ توجه الجزائر نحو إجراء مراجعة استراتيجية لقانون «تجريم الاستعمار»، وفق الصحافة والأوساط السياسية، على أنه بادرة «حسن نية» صريحة من السلطات العليا تجاه فرنسا. ومن خلال التخلي عن شَرطَيْ «الاعتذار» و«التعويضات»، تسعى الجزائر إلى سحب فتيل التوتر وتوفير أرضية ملائمة لترميم العلاقات التي دخلت أزمة غير مسبوقة منذ اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

ويُنظر إلى هذه المناورة على أنها خطوة استراتيجية تهدف إلى خفض سقف المطالب القانونية الملزمة، لمصلحة تركيز الجهود على «الاعتراف التاريخي» بجرائم الاستعمار. ووفق مراقبين، فإن هذه المقاربة تهدف إلى «تطهير» ملف «الذاكرة» من الحسابات المادية المباشرة؛ مما يمنح الدبلوماسية هامش مناورة أوسع لتجاوز العقد التاريخية وبناء شراكة قائمة على المصالح المشتركة.

وتأتي هذه المراجعة لضمان وجود «خطوط عودة» دبلوماسية قوية، وتجنب تحويل القانون إلى حجر عثرة قد يعوق جهود تبديد سحب التوتر بين الجزائر وباريس.


محافظو مصر الجدد أمام اختبار «رضا المواطنين»

جانب من اجتماع «مجلس المحافظين» برئاسة مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع «مجلس المحافظين» برئاسة مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)
TT

محافظو مصر الجدد أمام اختبار «رضا المواطنين»

جانب من اجتماع «مجلس المحافظين» برئاسة مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع «مجلس المحافظين» برئاسة مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

«رضا المواطنين» سيكون محور اختبار أمام محافظي مصر الجدد خلال الفترة المقبلة، وسط حديث حكومي عن «استطلاعات للرأي ومؤشرات أداء شهرية لكل محافظة». وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، إن «تقييم أداء المحافظين يعتمد على استطلاعات رأي يجريها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (تابع لمجلس الوزراء) لقياس مستوى رضا المواطنين عن الخدمات، ومعدلات التحسن في الملفات ذات الأولوية، ومؤشرات الأداء التنفيذي بكل محافظة».

لكنه أوضح في تصريحات متلفزة، الأحد، أن «عملية تقييم أداء المحافظين ليست جديدة، لكنها ستُفعّل بصورة أكثر انتظاماً ودقةً خلال المرحلة المقبلة».

وأدى 20 محافظاً جديداً و12 نائباً للمحافظين اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتصف الشهر الحالي، ضمن حركة تغيير في الإدارة المحلية، بعد أيام من إعادة تشكيل الحكومة برئاسة مصطفى مدبولي الذي ‌يشغل المنصب ‌منذ عام 2018. وطالب الرئيس المصري حينها المحافظين الجدد بـ«دراسة شكاوى وطلبات المواطنين بجدية».

كان مدبولي قد تحدث خلال اجتماع «مجلس المحافظين»، السبت، عن أن «حكومته في سباق مع الوقت، والمواطن ينتظر أثراً مباشراً على الأرض، لذلك سيكون معيارنا الأساسي هو ما يتحقق فعلياً، لا ما يُعرض على الورق».

وأكد أن «المرحلة المقبلة سوف تدار بمنطق الأولويات والنتائج؛ فكل محافظ مطالب بتحديد أهم ثلاثة ملفات عاجلة في محافظته، مع وضع خطة تحرك واضحة وجدول زمني مختصر».

الحمصاني ذكر، الأحد، أن اجتماع «مجلس المحافظين» بتشكيله الجديد، ركّز على تفعيل توجيهات الرئيس السيسي بوضع آليات واضحة لرفع كفاءة الأداء بالمحافظات، لا سيما فيما يتعلق بالخدمات الأساسية وملف التعديات على الأراضي الزراعية.

المحافظون الجدد ونوابهم في صورة تذكارية مع الرئيس السيسي عقب أداء اليمين الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)

وأشار خبير الإدارة المحلية ومحافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق، رضا فرحات، إلى أن «تكليف الرئيس السيسي لرئيس مجلس الوزراء أخيراً هو أن تعمل كل وزارة على ملفات محددة، ويكون لها مؤشرات لقياس الأداء للتحقق من مدى نجاح كل مسؤول في تحقيق الأهداف الخاصة بالحكومة أم لا».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «التكليف الرئاسي انعكس أيضاً على تكليفات رئيس مجلس الوزراء للمحافظين الجدد، وهي منحصرة في اعتقادي بملفات (كبح جماح التضخم) وارتفاع الأسعار وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، وكذا النظافة والبيئة، فضلاً عن مواجهة مخالفات البناء وتسريع ملفات التصالح، حتى يحدث انضباطٌ في الشارع». ويفسر أن «جميع هذه الملفات ستكون محل تقييم من الحكومة للمحافظين الجدد».

وحسب فرحات، فإن «نجاح الحكومة أو فشلها يحددهما مدى رضا المواطن». لكنه يرى أن «المواطن لا تهمه مؤشرات أداء المسؤولين؛ بل يهمه توافر السلع الأساسية، وأن يكون الحد الأدنى للأجور مناسباً له، ومعيشته جيدة، والمرافق الأساسية متوفرة».

وكانت تكليفات مدبولي للمحافظين الجدد واضحة، قائلاً إن «المحافظ هو المسؤول الأول في المحافظة، وأتطلع أن نشهد معاً أداءً تنفيذياً قوياً قائماً على العمل الميداني، والالتزام بالمستهدفات، وتحقيق نتائج ملموسة في مختلف الملفات الخدمية والتنموية».

مصطفى مدبولي دعا المحافظين إلى مضاعفة الجهد الميداني بالأسواق خلال شهر رمضان لمتابعة توافر السلع (مجلس الوزراء المصري)

ودعا مدبولي المحافظين إلى «مضاعفة الجهد الميداني خلال شهر رمضان، سواء عبر متابعة توافر السلع وضبط الأسواق ومنع أي ممارسات احتكارية، أو الوجود المباشر بين المواطنين»، مؤكداً «أهمية القيام بالجولات الميدانية المفاجئة، والتعامل السريع مع أي اختناقات، بما يضمن شعور المواطن بحضور الدولة وفاعلية أجهزتها خلال شهر رمضان».

وتشكو قطاعات من المصريين من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية. وشهدت مصر خلال السنوات الماضية، خصوصاً منذ عام 2016، حزمة إجراءات اقتصادية قاسية كجزء من برنامج إصلاح مدعوم من «صندوق النقد الدولي»، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه عدة مرات، وخفض الدعم عن الوقود والكهرباء والسلع الأساسية.

ووجه مدبولي المحافظين الجدد أيضاً بضرورة الحفاظ على تحقيق الانضباط الإداري داخل دواوين المحافظات، وتعزيز التواصل مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ (غرفتي البرلمان) في إطار الشراكة الإيجابية والتكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وسبق أن أدى الوزراء الجدد، وعددهم 14 وزيراً، إلى جانب عدد من نواب الوزراء في حكومة مدبولي، اليمين الدستورية، الشهر الحالي، أمام الرئيس السيسي.

مسؤولون مصريون خلال جولة داخل معرض للسلع الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقال مدبولي في أول اجتماع لحكومته إن الأولويات الرئيسية تتمثل في «الاقتراب بشكل أكبر من المواطن من أجل تخفيف أي أعباء معيشية يتحملها، وتحسين الأداء الحكومي».

بشأن دور التقييمات واستطلاعات الرأي في تسريع العمل بالمحافظات المصرية، أجاب فرحات بأن «لها دوراً كبيراً، لأنه عندما تجد الحكومة تراجعاً في مؤشر أداء إحدى الملفات، سوف تبدأ في التركيز عليه لتحقيق معدل إنجاز أفضل، وكذا المسؤول أو المحافظ عندما يشعر أن هناك متابعةً للأداء، سيحاول إنجاز ملفاته بشكل جيد من أجل استمراره في منصبه».

مدبولي في هذا الصدد وجه، السبت، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية، لتوزيع نشرات دورية لكل محافظة، تتضمن مستوى الخدمات الحكومية، ونتائج استطلاعات الرأي، وحجم وطبيعة الشكاوى، إلى جانب مؤشرات الأداء التنفيذي ونقاط القوة ومناطق القصور، بما يتيح لكل محافظ تكوين صورة دقيقة ومتكاملة عن واقع محافظته وتحديد أولويات التدخل منذ الأيام الأولى.

وشدد على أنه سيتم إتاحة نتائج مؤشر الخدمات الحكومية بالمحافظات، ومؤشر تنافسية المحافظات المصرية باعتبارهما أداتين داعمتين لصانع القرار، تقيسان جودة الخدمات وكفاءة الأداء الاقتصادي والاجتماعي، وتوضحان الموقع النسبي لكل محافظة مقارنةً بباقي الجمهورية، بما يمكّن من إعداد خطط تنفيذية مستهدفة.

رئيس الوزراء المصري شدد على المحافظين أهمية القيام بجولات ميدانية مفاجئة (مجلس الوزراء المصري)

عن إمكانية مُحاسبة الحكومة للمحافظين المُقصرين، يؤكد خبير الإدارة المحلية ومحافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق أن «الحكومة مُصرة خلال الفترة المقبلة على تفعيل التقييمات الخاصة بأداء المحافظين».

ويعتقد أن «المسؤول الذي لن يثبت كفاءته قد يتم استبعاده». ويرجع ذلك إلى أن «المواطن المصري يحتاج أن يشعر بتحسن في ظروفه الاقتصادية وأحواله المعيشية»، ويشير إلى أن «استطلاعات الرأي والتقييمات جميعها للوصول إلى الرضا الكامل من المواطنين».

وأعلنت الحكومة المصرية، في فبراير (شباط) الحالي، تطبيق حزمة حماية اجتماعية جديدة مع بداية رمضان، وذلك لدعم الفئات الأَولى بالرعاية و«الأقل دخلاً» بتكلفة إجمالية تبلغ 40.3 مليار جنيه (864.8 مليون دولار).


مقترح «ممفيس» يُنعش الحديث عن طبيعة عاصمة مصر الإدارية

مقترح مصري بتغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة ومنحها وضعاً تشريعياً خاصاً (العاصمة الإدارية)
مقترح مصري بتغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة ومنحها وضعاً تشريعياً خاصاً (العاصمة الإدارية)
TT

مقترح «ممفيس» يُنعش الحديث عن طبيعة عاصمة مصر الإدارية

مقترح مصري بتغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة ومنحها وضعاً تشريعياً خاصاً (العاصمة الإدارية)
مقترح مصري بتغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة ومنحها وضعاً تشريعياً خاصاً (العاصمة الإدارية)

أثار مشروع قانون جديد في مصر لـ«الإدارة المحلية» نقاشاً حول طبيعة «العاصمة الإدارية الجديدة»، وما إذا كانت بديلاً مستقبلياً عن عاصمة مصر التقليدية القاهرة؛ إذ يحمل المقترح وضعاً تشريعياً خاصاً للمدينة، التي باتت مركزاً فعلياً للحكم، مع نقل مقر الحكومة ومجلس النواب (البرلمان) إليها.

وتعود فكرة تدشين العاصمة الإدارية لتصبح «مقراً سياسياً وإدارياً للدولة» إلى عام 2015. وانتقلت الوزارات الحكومية كافة، والعديد من الهيئات القضائية والإدارية والاستثمارية، إلى العاصمة الإدارية منذ يناير (كانون الثاني) 2024 داخل «الحي الحكومي».

القصر الرئاسي المصري في العاصمة الإدارية (رئاسة الجمهورية)

وأحال مجلس النواب، الأسبوع الماضي، مشروع قانون «الإدارة المحلية» إلى اللجنة المختصة لمناقشته، تمهيداً لعرضه على المجلس في جلسة عامة. ويتضمن مشروع القانون الذي قدمه وكيل لجنة «الإدارة المحلية» النائب محمد عطية الفيومي، اقتراحاً بجعل العاصمة الإدارية الجديدة «مقاطعة» يترأسها رئيس يُعينه رئيس الجمهورية بدرجة وزير، ويتولى إدارة المدينة مع مجلس أمناء. ويقترح النائب تغيير اسم العاصمة الإدارية إلى «ممفيس».

وأثار المقترح البرلماني الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء ما يتعلق بالفكرة نفسها أو الاسم المقترح. ورفض البعض تمييز العاصمة الإدارية بوضع قانوني خاص، ومنحها استقلالية، باعتبار أن ذلك يحمل تهديداً لـ«وحدة الدولة»، ويفتح باباً للتفرقة، في حين رحب آخرون بالفكرة باعتبار أن العاصمة الإدارية تحتاج إلى وضع تشريعي يتلاءم مع طبيعة دورها.

واقترح البعض أسماءً أخرى مثل «منف» اختصاراً لـ«ممفيس»، في حين فضّل آخرون الاستعانة بأسماء عربية ذات دلالة مباشرة على مصر مثل «المحروسة»، وهو المقترح الذي ذهبت إليه الكاتبة الصحافية وعضوة مجلس النواب السابقة فريدة الشوباشي، قائلة: «لمَ لا نسميها (المحروسة) أو (بهية)؟».

وأضافت الشوباشي لـ«الشرق الأوسط» أنها تتحفظ على أن يحدث أي تغيير مستقبلي في عاصمة مصر بدلاً من القاهرة، العاصمة الحالية، لكنها ترحب بتمييز العاصمة الإدارية ومنحها اعتبارها، في ظل طبيعتها المميزة، وتنظيمها الذكي وحداثتها، مشيرة إلى أن «حاجة هذا الوضع إلى تشريع قانوني من عدمها أمر يمكن البحث فيه وتدارسه وفق الضرورة».

وسبق أن وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي «العاصمة الإدارية» خلال إطلاقه «منصة مصر الرقمية» عام 2022، بأنها بمنزلة «ميلاد دولة وجمهورية جديدة».

دار الأوبرا الجديدة في العاصمة الإدارية (شركة العاصمة - فيسبوك)

وفسّر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيد، التوجه الأخير بتمييز العاصمة الإدارية قانونياً، وجعلها «مقاطعة»، بأنه مخرج للوضع القائم حالياً، والذي يمنع جعل العاصمة الإدارية عاصمة مصر بدلاً من القاهرة، في ظل نص دستوري يسمي محافظة القاهرة عاصمة لمصر، وفي نفس الوقت صعوبة استمرار الوضع كما هو عليه، من حيث تبعيتها إدارياً لمحافظ القاهرة.

وأضاف السيد، الذي كان واحداً من رافضي تدشين العاصمة الإدارية باعتبارها ليست ذات أولوية، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الوضع التشريعي المقترح للعاصمة يجعل إدارتها أيسر من حيث تبعيتها المباشرة للرئيس، من خلال جعلها تدار من قبل رئيس بدرجة وزير يتبع رئيس الجمهورية، في حين أن الوضع الحالي يجعل متابعتها تتم إما من خلال وزير التنمية المحلية أو محافظ القاهرة».

وينص الدستور المصري في مادته 222 على أن «مدينة القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية».

ولم يبدِ عضو مجلس النواب إيهاب منصور قبولاً أو رفضاً للمقترح من حيث المبدأ، قائلاً إن المشروع لم يعرض للنقاش في جلسة عامة حتى نطلع على مواده، وفلسفة هذا الاقتراح الخاص بالعاصمة، ولافتاً إلى أن «بعض الأفكار قد تكون جيدة، لكنها تواجه إشكالية قانونية عند التطبيق».

وأضاف منصور لـ«الشرق الأوسط» أن وضع العاصمة في ذاته يعد إشكالياً مع صعوبة جعلها محافظة مستقلة؛ لأن ذلك سيخلق معضلة دستورية؛ إذ ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في القاهرة، وفي الوقت نفسه لا تعد العاصمة جغرافياً تابعة للقاهرة بشكل مباشر، بل امتداد عمراني لها.

واعتبر النائب البرلماني أن «النقاش المثار حالياً حول العاصمة الإدارية، من حيث وضعها التشريعي، وطبيعتها، خصوصاً أن جعلها العاصمة لمصر يحتاج إلى تعديل دستوري».

مسجد الفتاح العليم داخل العاصمة الإدارية (العاصمة الإدارية)

وكانت شركة العاصمة الإدارية المسؤولة عن تدشين المدينة، قررت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تعديل اسمها إلى «العاصمة الجديدة»، بدلاً من «العاصمة الإدارية الجديدة» في كافة البيانات والمعاملات الرسمية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية أن الجدل مستمر في مصر حول «العاصمة الإدارية»، سواء فيما يتعلق بأولويات إنشائها، أو موقعها الجغرافي، أو تمويلها، خصوصاً أنها لم تخضع لحوار قبل تدشينها، سواء مع متخصصين أو حوار مجتمعي.

وأعاد الحديث المثار حول اسم والطبيعة التشريعية للعاصمة مؤخراً، تلك الأحاديث إلى الواجهة؛ إذ عزز المقترح مخاوف البعض من «عزل العاصمة»، وجعلها مدينة للنخبة دون عامة الشعب. في المقابل، رأى آخرون أن وضع إطار تشريعي خاص بالعاصمة أمر ضروري في ظل حاجة العاصمة لموارد لصيانتها، نظراً لحداثتها واعتمادها على التكنولوجيا بشكل رئيسي.