موسكو تشدد على «أهمية باخموت» في معركتها بدونباس

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لدبابة «تي-90» تطلق النار في أوكرانيا (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لدبابة «تي-90» تطلق النار في أوكرانيا (إ.ب.أ)
TT

موسكو تشدد على «أهمية باخموت» في معركتها بدونباس

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لدبابة «تي-90» تطلق النار في أوكرانيا (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لدبابة «تي-90» تطلق النار في أوكرانيا (إ.ب.أ)

صعَّدت روسيا أمس من أهمية معركة مدينة باخموت الأوكرانية، وأكَّدت على لسان وزير دفاعها، سيرغي شويغو، أهمية السيطرة عليها، لشن مزيد من الهجمات في منطقة دونيتسك.
وقال شويغو، خلال اجتماع لمسؤولين عسكريين نقله التلفزيون: «تشكل هذه المدينة مركزاً دفاعياً مهماً للقوات الأوكرانية في منطقة دونباس. السيطرة عليها ستسمح بهجمات إضافية في عمق خطوط دفاع القوات المسلحة الأوكرانية».
في المقابل؛ كان الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قد أعلن في رسالته المصورة اليومية، مساء الاثنين، أنَّه أبلغ رئيس أركان الجيش بوجوب إرسال تعزيزات للقوات التي تدافع عن باخموت، مجدداً تأكيد «عدم التخلي عن أي جزء من أوكرانيا» لروسيا.
إلى ذلك؛ يزور الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أوكرانيا اليوم الأربعاء، للقاء الرئيس زيلينسكي في كييف؛ «لمناقشة استمرار (مبادرة البحر الأسود للحبوب) بعناصرها جميعاً، بالإضافة إلى قضايا أخرى ذات صلة». وينص اتفاق تصدير الحبوب، الذي ينتهي في منتصف مارس (آذار) الحالي، على أنَّه يمكن تمديد العمل به؛ ما لم يخطر أحد الأطراف الآخرين بنية تعديله أو إلغائه.
من جهة أخرى، أفادت تقارير إعلامية أميركية بأنَّ معلومات استخبارية جديدة تشير إلى احتمال وقوف «جماعة موالية لأوكرانيا» وراء الهجوم الذي استهدف خط أنابيب الغاز الروسي «نورد ستريم» العام الماضي. وتأتي هذه المعلومات وسط سعي لتحديد المسؤولية عن هذا العمل التخريبي، الذي أربك المحققين في أوروبا والولايات المتحدة أشهراً عدة. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين قولهم إنَّه ليس لديهم دليل على تورط الرئيس الأوكراني زيلينسكي أو كبار مساعديه في العملية، أو أنَّ الجناة كانوا يتصرفون بتوجيه من أي مسؤول حكومي أوكراني.
موسكو: السيطرة على باخموت «أساسية» لمزيد من الهجمات


مقالات ذات صلة

من إيران إلى موسكو... هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟

الولايات المتحدة​ ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

من إيران إلى موسكو... هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟

هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟... تحذر موسكو سراً من اختبار الحلف، بينما تناقش علناً تقليص وجودها العسكري في أوروبا.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا أحد عناصر الإطفاء خلال مكافحة حريق شب جراء قصف روسي على كييف (هيئة الطوارئ الأوكرانية - رويترز) p-circle

مقتل 37 شخصاً بانفجار جراء ضربة روسية على مستودع في كييف

قال مسؤولون إن ما لا يقل عن 37 شخصاً لقوا حتفهم بعد أن تسبب هجوم روسي بطائرة مسيرة على مستودع في منطقة كييف في وقوع انفجار.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا طالب يشارك في تدريب على الأسلحة خلال تمرين ميداني لمدة يومين بروسيا عام 2014 (رويترز)

التدريب العسكري في صميم التعليم الروسي مع انطلاق العام الدراسي الجديد

سيكتشف الطلاب الذين يعودون إلى المدارس الروسية الأسبوع المقبل تغييراً طرأ على مقررات التربية المدنية التي تضع التدريب العسكري في قلب الدروس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

ترمب: روسيا لن تهاجم أراضي «الناتو»

دحض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على مهاجمة دول أوروبية، مؤكداً أنه أجرى «محادثات جيّدة» مع نظيره الروسي فلاديمير

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي: أمرت الجيش بإطلاق 1000 مسيّرة يومياً على روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه أمر الجيش بزيادة هجماته بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى على روسيا إلى 1000 هجوم يومياً، ارتفاعاً من نحو 300 في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ليبيا: تهديدات بالتصعيد ضد منشآت نفطية بسبب انقطاع الكهرباء

رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا: تهديدات بالتصعيد ضد منشآت نفطية بسبب انقطاع الكهرباء

رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

تزايدت في غرب ليبيا التهديدات باستهداف أو إغلاق منشآت نفطية، على خلفية تفاقم أزمة انقطاع الكهرباء وطول ساعات طرح الأحمال، فيما شهدت عدة مدن احتجاجات وإغلاق طرق رئيسية، وسط تحركات حكومية لمعالجة الأعطال وزيادة قدرات التوليد.

ومنذ الجمعة لم تنقطع التهديدات، إذ لوّح أهالي منطقة مشروع الهضبة جنوب العاصمة طرابلس، مساء الجمعة، بتصعيد وقفاتهم الاحتجاجية أمام المنشآت النفطية، بما فيها «شركة البريقة لتسويق النفط»، إذا استمر طرح الأحمال من دون نظام عادل. وقالوا إنهم «تواصلوا مراراً مع الجهات المعنية في الشركة العامة للكهرباء من دون تنفيذ الوعود التي تلقوها».

وفي منطقة أبو سليم بالعاصمة، وجه الأهالي ما وصفوه بـ«الإنذار الأخير» إلى الشركة العامة للكهرباء، رافضين تحميل شبكتهم المتهالكة أحمال مناطق أخرى، مهددين بالتصعيد وتنظيم اعتصامات سلمية مفتوحة أمام «شركة البريقة لتسويق النفط» وشركات الاتصالات.

وتأتي هذه التحركات في ظل موجة احتجاجات متصاعدة في غرب ليبيا، للمطالبة بعدالة توزيع الأحمال وتحسين الخدمات الأساسية.

وفي مدينة صرمان، غرب طرابلس، أغلق محتجون، مساء الجمعة، الطريق الساحلي احتجاجاً على انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، بينما شهدت مدينة الزاوية إغلاقاً مماثلاً للطريق نفسه بسبب الانقطاعات المتكررة.

وفي قصر الأخيار، أمهل أهالي وشباب البلدية الشركة العامة للكهرباء والجهات المختصة 24 ساعة لمعالجة الأزمة، مهددين، الجمعة، بإغلاق الطريق الساحلي ومقر المجلس البلدي. وطالبوا بعدم فصل التيار عن مناطقهم، وتحقيق المساواة في توزيع الأحمال، ووضع جدول واضح للانقطاعات.

رئيس حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وتفاقمت أزمة الكهرباء خلال الأسابيع الماضية بسبب نقص القدرة التوليدية، وأضرار لحقت بشبكة التوزيع جراء اشتباكات سابقة في الساحل الغربي، إضافة إلى استهداف محطات تحويل في الزاوية بطائرات مسيرة، ما أدى إلى انقطاعات طويلة في عدد من المناطق.

وزادت حدة الأزمة بعد أنباء عن انفجار داخل محطة كهرباء الحي الصناعي في منطقة سوق الخميس إمسيحل جنوب طرابلس، السبت، من دون معلومات رسمية عن أسبابه أو حجم الخسائر. كما أعلنت هيئة السلامة الوطنية السيطرة على حريق اندلع في محول كهرباء بمنطقة قصر بن غشير.

وحذرت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» من تداعيات استمرار انقطاع الكهرباء على السكان، خصوصاً المرضى والمسنين والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، معتبرة أن الأزمة تعطل الأعمال والحياة اليومية، وتتزامن مع غلاء الأسعار والتضخم ونقص الوقود والسيولة النقدية.

في المقابل، أعلنت الشركة العامة للكهرباء أن مجلس إدارتها يواصل بدعم ومتابعة من رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، معالجة اختناقات الشبكة وتعزيز قدرات التوليد، مشيرة إلى تنفيذ «الإشعال الأول» للوحدة الغازية الأولى في مشروع محطة جنوب طرابلس، تمهيداً لإدخالها تدريجياً إلى الشبكة العامة.

وفي محاولة للحد من الاستهلاك، دعت بلدية سوق الجمعة الجهات الحكومية والمدارس والمصارف والمؤسسات إلى ترشيد استخدام الكهرباء وفصل الأجهزة غير الضرورية بعد انتهاء الدوام، مع تكليف الحرس البلدي والشرطة الكهربائية بمتابعة الالتزام.

وتزامنت أزمة الكهرباء مع صعوبات في توفير الوقود، إذ رصدت وسائل إعلام محلية طوابير طويلة أمام محطات الوقود في الزاوية وجنزور، حيث انتظر مواطنون ساعات للحصول على البنزين وسط درجات حرارة مرتفعة.

وتواجه ليبيا منذ سنوات أزمة مزمنة في قطاع الكهرباء، بسبب تداخل نقص الإنتاج وتهالك الشبكات مع الأزمات السياسية والأمنية، فيما تحولت الانقطاعات المتكررة إلى أحد أبرز مصادر الاستياء الشعبي، خصوصاً خلال أشهر الصيف وارتفاع الطلب على الطاقة.

Your Premium trial has ended


لماذا تفشل نيجيريا في مواجهة اقتصاد الفدية؟

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)
عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)
TT

لماذا تفشل نيجيريا في مواجهة اقتصاد الفدية؟

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)
عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

حصلت الجماعات المسلحة في نيجيريا على نحو 6 ملايين دولار أميركي خلال عام واحد، على شكل فدية للإفراج عن ضحايا عمليات خطف جماعي في مناطق واسعة من شمال ووسط البلد الأكثر كثافة سكانية في أفريقيا.

جاء ذلك في دراسة أجرتها شركة الاستشارات «إس بي إم إنتليجنس»، ومقرها في مدينة لاغوس العاصمة الاقتصادية لنيجيريا؛ حيث أكدت أن تنظيمات إرهابية وإجرامية حصلت على نحو 6 ملايين دولار على شكل فديات، خلال الفترة ما بين يوليو (تموز) 2025 ويونيو (حزيران) 2026.

وقالت الشركة في الدراسة المنشورة الأربعاء، إن المبلغ يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ المسجل خلال الفترة نفسها من العام السابق، مؤكدة أن عمليتي اختطاف نُسبتا إلى جماعة «بوكو حرام» حققتا وحدهما أكثر من 5.2 مليون دولار من أموال الفدية، وهو ما يمثل نحو 90 في المائة من إجمالي المبلغ المدفوع خلال الفترة المشمولة بالتقرير.

اقتصاد الفدية

قال الخبير في الجماعات المسلحة في منطقة غرب أفريقيا والساحل حمادي جالو، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن عائدات الخطف الجماعي وما يجري دفعه من فديات أصبحت تمثل نسبة مهمة من تمويل الجماعات المسلحة في نيجيريا.

وأوضح جالو أن «هذه المبالغ تسهم في تمويل أنشطة الجماعات المسلحة؛ حيث تمكنها من اكتتاب عناصر جديدة، ومن دفع الرواتب للخاطفين والمنسقين والوسطاء المحليين»، مشيراً إلى أن جميع التنظيمات المسلحة في نيجيريا تمارس الخطف الجماعي، بما في ذلك جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الإرهابيان، بالإضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة وقطاع الطرق.

وتابع أن حصول أحد فروع «بوكو حرام» على 90 في المائة من عائدات الفدية «ليس مفاجئاً» بسبب خبرتها وتاريخها الطويل في المنطقة، مشيراً إلى أن أغلب هذه الأموال «تصرف في اقتناء الأسلحة وتمويل المصاريف المتعلقة بالنقل والاتصالات والتنسيق وأحياناً الرشاوى».

جريمة مستمرة

قالت شركة الاستشارات «إس بي إم إنتليجنس» إن «الخطف لم يعد مجرد صناعة إجرامية، بل أصبح آلية تمويل للجماعات التي تهدد استقرار الدولة»، واقترحت الشركة «قطع التدفقات المالية التي تمول التمرد، ومعالجة اليأس الاقتصادي الذي يغذي التجنيد».

من جانبه، أكد كيندي غيوا، أحد المحللين الأمنيين في الشركة لـ«وكالة أسوشييتد برس»: «كل فدية تُدفع في حادث خطف تولّد حادث خطف آخر»، ثم أضاف أن «نيجيريا لا تربح الحرب. هناك نحو 21 حادث خطف يومياً».

وبالفعل، يجرم القانون في نيجيريا دفع الفدية للخاطفين؛ حيث صدّق مجلس الشيوخ في أبريل (نيسان) الماضي على تعديل قانون مكافحة الإرهاب من أجل إضافة مواد تمنع دفع الفدية، ومحاربة شبكات غسل الأموال التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية.

«لا خيار سوى الدفع»

ولكن ذلك لم يمنع دفع الفدية؛ حيث بقي القانون حبراً على ورق، على حد وصف الخبراء والمحللين.

وفي هذا السياق، يقول حمادي جالو إن «أغلب هذه الفديات تدفعها عائلات، وأحياناً منظمات أهلية، لأن الدولة لا توفر البديل، ولا تستطيع أن تعيد المخطوفين، وبالتالي يبقى الخيار الوحيد للعائلات هو الدفع».

وأوضح جالو أن «الخاطفين يعتصمون في جبال وغابات يصعب الوصول إليها، ونعلم أن في نيجيريا الكثير من الأراضي خارج السيطرة العسكرية للدولة، وإن كانت الإدارة والدولة المدنية موجودة فيها. ولكن الجيش من الصعب عليه البقاء في هذه المناطق بسبب الهجمات التي تعرضت لها».

ويشير جالو إلى أن هناك مطالب بالاقتباس من تجارب أخرى ناجحة، مثل ما حدث في الصومال وكولومبيا، ولكنه يشير إلى أن «نيجيريا تواجه مشكلة انتشار الفساد في المنظومة الأمنية والعسكرية، وبالتالي أحياناً يتهم أفراد في الجيش وفي الاستخبارات بالتواطؤ مع الخاطفين».


من إيران إلى موسكو... هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

من إيران إلى موسكو... هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

تتجاوز دلالة الزيارة غير المعلنة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، تفاصيل الاجتماعات والرسائل التي حملها؛ فهي جاءت عند تقاطع 3 أزمات: حرب أوكرانيا التي تراوح مكانها، والمخاوف من استغلال روسيا الشكوك المحيطة بالتزام واشنطن تجاه أوروبا، والاستنزاف الذي أصاب جانباً من القدرات الأميركية خلال حرب إيران. ولا تكشف الزيارة انقلاباً في سياسة إدارة دونالد ترمب، لكنها تعكس إدراكاً بأن الضغط على الحلفاء قد يتحول إلى ثغرة في الردع إذا فهمه الخصوم تراجعاً أميركياً.

زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب)

ومن هنا تحاول واشنطن التوفيق بين إعادة توزيع المسؤوليات داخل حلف شمال الأطلسي، ومنع موسكو من اختبار تماسكه بينما تتوزع القوة الأميركية على جبهات عدة.

رسالة عبر الاستخبارات

حمل راتكليف إلى المسؤولين الروس تقييماً قاتماً لمسار الحرب في أوكرانيا، ودعوة إلى مفاوضات جدية قبل تفاقم الخسائر العسكرية والاقتصادية. وبحسب «رويترز» وصحف أميركية عدة، شملت الرسالة تحذيراً من توسيع الحرب أو اختبار دول «الناتو»، إلى جانب بحث الدعم الروسي لإيران. الأهم هو اختيار القناة؛ فاللجوء إلى مدير الـ«سي آي إيه»، بالتوازي مع قنوات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يمنح التحذير صدقية استخباراتية، وسط اعتقاد أن بوتين قد لا يتلقى صورة كاملة عن تكلفة الحرب، غير أن إيفانا سترادنر، الباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تلفت في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى المفارقة: واشنطن تحذر موسكو سراً من اختبار الحلف، بينما تناقش علناً تقليص وجودها العسكري في أوروبا، وبذلك يمثل المسار تغييراً في الأسلوب، لا سياسة متماسكة بعد.

سيارات تقف في طوابير للتزود بالوقود أمام محطة بموسكو يوم 17 أغسطس (رويترز)

موسكو تقرأ الإنهاك

سبقت الزيارة تقديرات استخباراتية نقلتها «واشنطن بوست»، تفيد بأن الكرملين يرى الولايات المتحدة أضعف نتيجة حرب إيران، وأن استنزاف الذخائر وتوزُّع الاهتمام الأميركي يتيحان لروسيا توسيع الضغط على أوكرانيا أو المصالح الغربية في أوروبا. ويأتي ذلك رغم نفي مسؤولين أميركيين وجود نقص خطير يهدد الجاهزية العسكرية، لكن الضعف الذي يراه بوتين نسبي؛ فروسيا نفسها لم تحقق اختراقاً حاسماً في أوكرانيا، وتكبدت خسائر كبيرة، بينما نقلت المسيّرات الأوكرانية جزءاً من تكلفة الحرب إلى عمق أراضيها، إلا أن الكرملين لا يحتاج إلى تفوق شامل؛ يكفي أن يعتقد أن خصمه منشغل، ومخزوناته تتراجع، واستعداده للتدخل موضع خلاف. وتقول سترادنر إن الرئيس الروسي يجيد استغلال نقاط الضعف وفق الأساليب التي رسختها خبرته الاستخباراتية، بينما يمنح تركيز الولايات المتحدة على إيران موسكو حافزاً للبحث عن ثغرة، خصوصاً في البلطيق.

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

وقد يأتي الاختبار عبر التخريب أو الهجمات الإلكترونية والاختراقات الجوية، بما يتيح قياس الرد الغربي من دون استدعاء فوري للدفاع الجماعي. وكانت وكالة «رويترز» قد ذكرت أن أجهزة غربية تراقب سيناريوهات «راية كاذبة» يصعب معها إثبات المسؤولية الروسية سريعاً. وفي المقابل، نقلت «بلومبرغ» عن مسؤولين أوروبيين أنهم لا يملكون أدلة على استعداد روسي راهن لهجوم تقليدي على دول البلطيق. وهذا لا يلغي الخطر، لكنه يضعه في إطاره الأدق: القلق يتعلق باحتمال استغلال موسكو الغموض والانقسام، لا بوجود حشود تشير إلى غزو وشيك.

الطائرة العسكرية «غلوبماستر» التي نقلت جون راتكليف إلى موسكو (أ.ف.ب)

ردع بصوتين

تكمن المشكلة، بحسب سترادنر، في التناقض بين مطالبة أوروبا بتحمل مسؤوليات أكبر والرسالة التي يُفترض أن تصل إلى موسكو. ففي الوقت الذي حذر فيه راتكليف روسيا من اختبار «الناتو»، تدفع وزارة الدفاع الحلفاء الأوروبيين إلى تولي قيادة الدفاع عن القارة، بالتزامن مع مراجعة قد تفضي إلى خفض الوجود العسكري الأميركي، وترى أنه إذا كانت واشنطن تعتقد فعلاً أن بوتين قد يختبر الحلف، فهذا هو أسوأ توقيت للغموض الاستراتيجي.

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

فأوروبا تحتاج إلى سماع أنها مطالبة بفعل المزيد، لكن بوتين يحتاج إلى رسالة أوضح مفادها أن الولايات المتحدة وحلفاءها يتحدثون بصوت واحد؛ فالردع يفشل عندما يعتقد الخصم بوجود فجوة بين ما تقوله الدولة وما هي مستعدة فعلاً لفعله. وظهرت هذه الفجوة بين مهمة راتكليف وكلام ترمب؛ فالرئيس أكد أن بوتين لن يهاجم «الناتو»، وقلل من استثنائية الزيارة. وربما أراد خفض التوتر، لكن ذلك قد يضعف أثر تحذير راتكليف؛ فالرسائل السرية لا تصنع الردع إذا لم تدعمها مواقف معلنة وقدرات قابلة للاستخدام.

الدخان يتصاعد في منطقة سكنية تعرضت لهجوم بالمسيرات الروسية السبت (رويترز)

أوروبا تعود إلى الحسابات

يتزامن هذا الالتباس مع مراجعة يجريها «البنتاغون» للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ودعوة وكيل وزير الدفاع لشؤون السياسات إلبريدج كولبي إلى أن يتولى الأوروبيون المسؤولية الرئيسية عن دفاعهم التقليدي. والسؤال ليس في تفاصيل الانتشار، بل في اتجاهه: هل تسعى واشنطن إلى حلف أكثر توازناً، أم إلى تقليص التزاماتها وربطها بدرجة انسجام كل دولة مع سياساتها؟ في هذا السياق، قد تدفع حرب إيران واشنطن في اتجاهين متعاكسين: تقليص الموارد المخصصة لأوروبا لمصلحة الشرق الأوسط وآسيا، أو إعادة اكتشاف قيمة التحالفات بوصفها مصدراً للقوة؛ فقد أظهرت الحرب أن القدرة الأميركية، مهما بلغت، لا تستطيع إدارة أزمات متزامنة بلا تكلفة، وأن الحلفاء والقواعد والمخزونات المشتركة توفر هامشاً لا تمنحه العمليات المنفردة.

ولا يعني ذلك أن إدارة ترمب تبنت مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس العلاقة مع أوروبا؛ فإصلاحها يحتاج إلى تفاهم حول التهديدات والأدوار، لكنه قد يكون أقل تكلفة من محاولة إعادة ترتيب الشرق الأوسط بالقوة. وتحذر سترادنر من أن روسيا والصين وإيران تراقب واشنطن وهي تناقش حدود التزامها؛ وإذا لم يقترن نقل الأعباء بوحدة سياسية، فسيبدو تراجعاً يمكن اختباره. أما إطلاع واشنطن كييف ووارسو على جانب من اتصالات موسكو، فيشير إلى محاولة للحد من قلق الحلفاء؛ فقد شكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الولايات المتحدة على «النبرة الضرورية» في الحديث مع روسيا، بينما قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن بلاده كانت على اتصال بقيادة الـ«سي آي إيه»، محذراً من أن الخريف والشتاء المقبلين قد يكونان حاسمين في تحديد اتجاه السلوك الروسي.

لذلك تكشف زيارة راتكليف بداية تصحيح في المقاربة، لا تحولاً استراتيجياً مكتملاً؛ فقد جمعت بين دفع موسكو إلى التفاوض، والتحذير من اختبار «الناتو»، ومحاولة الحد من دعمها لإيران، لكن نجاحها سيتوقف على توحيد واشنطن رسائلها، والحفاظ على صدقية الدفاع الجماعي، وتجنب إضعاف الجناح الشرقي قبل امتلاك الأوروبيين بدائل كافية.