كتاب «الطموحات الخفية»... إيران تسعى لضمان أمنها بالحصول على السلاح النووي

المؤلف توماس غومارت: «النفط والنووي» سلاح طهران لإثبات الوجود

غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
TT

كتاب «الطموحات الخفية»... إيران تسعى لضمان أمنها بالحصول على السلاح النووي

غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت

عاد الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث العالمية بعد أن أخذ يلوح في الأفق شبح «إيران نووية» عقب تسريبات من تقرير أخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن العثور في موقع «فوردو» بالغ التحصين، على يورانيوم مخصب بنسبة 83.7 في المائة القريبة جداً من النسبة المطلوبة للحصول على سلاح نووي. ثم صدر تقرير آخر صادر عن «معهد العلوم والأمن» في واشنطن مفاده، أن إيران قادرة على إنتاج خمس قنابل نووية باستخدام مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 و20 في المائة، وذلك خلال شهر واحد، وأنها قادرة على إنتاج أول قنبلة بعد 12 يوماً مما يسمى «بدء الاختراق» (Breakout). وجاءت زيارة مدير عام الوكالة الدولية رافاييل غروسي إلى طهران مستبقاً اجتماع مجلس المحافظين الدوري في فيينا، لتعيد الملف النووي إلى دائرة الضوء بعد أن كشفه دور إيران في الحرب الروسية على أوكرانيا والقمع الداخلي الأعمى الذي أوقع مئات الضحايا وأدخل إلى سجون النظام آلاف المحتجين. وبغض النظر عما ستؤول إليه عملياً زيارة غروسي أو ما سيصدر عن مجلس محافظي الوكالة الدولية، فإن الأسئلة الأهم تتناول موقع النووي في الاستراتيجية الإيرانية الشاملة وأهداف السياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً والحيرة ربطاً بالعقوبات التي تضرب الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.
وبكلام آخر، ما هو المكسب الاستراتيجي الذي تتوقعه السلطات الإيرانية الثيوقراطية التي جاءت إلى الحكم مع ثورة الخميني والثمن الذي تبدو أنها مستعدة لدفعه لتطوير برنامجها النووي الذي تؤكد أنه سلمي الطابع من غير أن تتمكن من إقناع العالم به؟
هذه الأسئلة وغيرها يتناولها توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والباحث الاستراتيجي المعروف في كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «الطموحات الخفية» للقوى العالمية الكبرى، الذي خصص منه فصلاً موسعاً لإيران، إلى جانب فصول أخرى تتناول الولايات المتحدة، والصين، والهند، والسعودية وتركيا.
منذ السطور الأولى، يشدد الكاتب على أن الجمهورية الإسلامية «نهضت على المواجهة الأساسية مع الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ العام 1979 خرجت من الحضن الأميركي لترتمي في الحضن الصيني مع العمل على التمكن من التأثير المباشر على التوازنات الإقليمية. ولتحقيق هذا الغرض، فإنها تستخدم إمكاناتها العسكرية والميليشاوية في إطار استراتيجية توسعية وصولاً إلى ضفاف المتوسط وتطور برنامجاً نووياً من أجل فرض نفسها كقوة (إقليمية)، وتحولها إلى قلعة حصينة» بمعنى ألا تجرؤ قوة أخرى على مهاجمتها بفعل ما يمثله الردع النووي، علماً بأن إيران تدأب منذ سنوات على تأكيد أن «برنامجها سلمي محض ولا تسعى أبداً للتحول إلى قوة نووية».
ويؤكد الكاتب، أن الرئيس الإيراني الحالي إبراهيم رئيسي بعكس عدد من الذين سبقوه «لا يرى حاجة إلى انخراط إيران في الاقتصاد المعولم، بل يفضل أن تفرض نفسها على محيطها الإقليمي من خلال تصاعد تأثيرها على بلدان مثل العراق، وسوريا، ولبنان واليمن؛ الأمر الذي يعد أفضل وسيلة لتعزيز (الحرس الثوري)».
يرى توماس غومارت، أن طهران تنظر إلى النفط وإلى القدرات النووية على أنهما الرافعتان الرئيسيتان لقوتها ولتمكنها من التفوق والهيمنة، ويسرد تاريخ انطلاق البرنامج النووي مع الشاه والأطراف التي تم التعاون معها «الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا وأخيراً روسيا»، ويذكر بأن الطيران الإيراني حاول في سبتمبر (أيلول) من العام 1980 تدمير مفاعل «إوزيراك» العراقي. إلا أنه فشل في ذلك في حين نجح الطيران الإسرائيلي في إزالته في العام التالي. ويؤكد الكاتب، أن طهران سعت منذ العام 1990 لإعادة إطلاق برنامجها النووي لـ«تخوفها من وجود برنامج نووي عراقي سري» وليس بسبب أن إسرائيل قوة نووية في المنطقة.
ولأن السلطات الإيرانية تعتبر نفسها في حالة حصار دائمة إقليمياً ودولياً، فإنها منذ العام 2012 وبحثاً عن المحافظة على «إرثها الثوري»، فإنها تسخر لذلك أربع أدوات: المجموعات الميليشياوية المرتبطة بها والتي تغذيها في مناطق نفوذها وبرامجها الصاروخية - الباليستية والمسيّرات وعملياتها البحرية، وأخيراً الحرب السيبرانية. وفيما خص الأداة الأولى، يشير الكاتب إلى أن إيران خصصت 16 مليار دولار لتدخلها في العراق واليمن ولبنان في السنوات العشر الأخيرة و10 مليارات لسوريا التي أمدتها بديون تصل إلى 20 مليار دولار.
أما في لبنان، فإن طهران توفر لـ«حزب الله» 700 مليون دولار في العام، وبذلك ومن خلال نفوذها في الدول الأربع المشار إليها فإنها تحقق هدفاً رئيسياً، وهو أن مواجهتها مع واشنطن «تحصل في المسرح الخارجي وليس على الأراضي الإيرانية».
إقليمياً، تسعى إيران من خلال التدخل المباشر وغير المباشر إلى تحقيق مجموعة أهداف: ففي اليمن، تسعى «لحرمان المملكة السعودية من عمقها الاستراتيجي ومد نفوذها إلى البحر الأحمر وخليج عدن».
بالمقابل، فإن تدخلها في العراق وسوريا ولبنان غرضه «الاستحصال على بعد استراتيجي يوصلها إلى شرق المتوسط لممارسة ضغوط مباشرة على إسرائيل». وفي حين تنظر طهران إلى العراق على أنه «مشكلة داخلية إيرانية»، فإن الحرب في سوريا مكّنتها من قلب المعادلة بين النظام و«حزب الله» لصالح الأخير الذي «يتمتع بالسيطرة على مساحات واسعة من القرار اللبناني».
يؤكد المؤلف، أن موجة الاحتجاجات اتي ضربت إيران عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في شهر سبتمبر الماضي طرحت جدياً مصير النظام الراهن وقدرته على البقاء، ويكشف عن أن دبلوماسيين في وزارة الخارجية الأميركية التقاهم الخريف الماضي، أكدوا له أن «أيام النظام أصبحت معدودة». والسبب الرئيسي في ذلك، كما نقل عنهم، أن النظام «غير قادر على التطور»، وأنه «يفتقد لغورباتشوف إيراني».
من هذا المنطلق، يؤكد الكاتب، أن ثمة ثلاث أولويات رئيسية للمرشد الإيراني علي خامنئي في الوقت الحاضر: الأولى، ضمان بقاء النظام التيوقراطي والاستمرار في فرض خطاب ثوري لمواصلة السيطرة على الجماهير كما هو الحال منذ أربعين عاماً، مفضلاً بذلك الهيمنة على الأذهان على التنمية الاقتصادية.
والثانية، ضمان أمن إيران ومعها النظام من خلال الحصول على السلاح النووي. ويضيف الكاتب «لا نرى اليوم سبباً لتخلي إيران عن هذا الهدف بعد التضحيات التي قدمتها في العقود الماضية والتي جعلتها تنقطع عن العالم الغربي». ويضيف المؤلف «أن (خيار) الصبر الاستراتيجي الذي التزمت به سيفضي في النهاية إلى نتيجة». أما إذا تم التوصل إلى اتفاق نووي «جديد»، فإنه سيعني رفع العقوبات الاقتصادية عنها. بيد أنه «لن يزيح إيران عن هدفها الأبعد وهو تحولها إلى قلعة حصينة» لن يجرؤ أحد على مهاجمتها، وأن أي قيادة «ستبقى مقتنعة أن السلاح النووي هو الضمانة الأمنية الأكثر وثوقاً» للمستقبل.
تبقى الأولوية الثالثة التي يسعى النظام الإيراني إلى تحقيقها رغم الصعوبات المترتبة عن خياراته وهي التنمية الاقتصادية التي تعيقها العقوبات الغربية وسياسات النظام.
ويؤكد الكاتب، أن إيران تتمتع بإمكانات كبيرة وبموقع جغرافي متميز ما يفترض بها أن تضع نفسها مجدداً على خريطة العولمة الاقتصادية والتجارية. ويذكّر الكاتب، بأن لإيران حدوداً يبلغ طولها 8731 كلم، منها 2700 كلم بحرية، وأن لها حدوداً مشتركة مع 15 دولة. وتقع على محور شمال - جنوب بين منطقة بحر قزوين وعلى محور شرق - غرب، تحتل فيه موقعاً وسطياً بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى مع مساحة تصل إلى 1.68 مليون كلم مربع.
بيد أن المؤلف يسارع للتأكيد أن أمراً كهذا سيكون «مستحيلاً» بالنظر لتركيبية الحكم الراهن الذي رمى بنفسه في الحضن «الشرقي»، خصوصاً الصيني «بشكل رئيسي» ولكن أيضاً الروسي والهندي؛ الأمر الذي تبينه الإحصائيات المتوافرة عن المبادلات التجارية، ولكن أيضاً الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها طهران وبكين في المصاف الأول.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
TT

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التزام بلاده بأداء دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وذلك خلال اتصال، السبت، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء زيارة كانت مرتقبة لمبعوثَيه إلى إسلام آباد.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وكتب شريف، في منشور على منصة «إكس»: «أجريت اتصالاً هاتفياً ودياً وبنّاء هذا المساء بأخي الرئيس مسعود بزشكيان بشأن تطورات الوضع الإقليمي. أعربت عن تقديري لانخراط إيران المتواصل، بما في ذلك عبر الوفد رفيع المستوى» الذي زار إسلام آباد برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي.

وتابع: «جددت التأكيد أنه بدعم من الأصدقاء والشركاء، تبقى باكستان ملتزمة بأن تكون وسيطاً نزيهاً وصادقاً، وتعمل بلا كلل للدفع قدماً بسلام مستدام واستقرار دائم في المنطقة».


بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»