كتاب «الطموحات الخفية»... إيران تسعى لضمان أمنها بالحصول على السلاح النووي

المؤلف توماس غومارت: «النفط والنووي» سلاح طهران لإثبات الوجود

غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
TT

كتاب «الطموحات الخفية»... إيران تسعى لضمان أمنها بالحصول على السلاح النووي

غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت
غلاف كتاب «الطموحات الخفية» للكاتب الفرنسي توماس غومارت

عاد الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث العالمية بعد أن أخذ يلوح في الأفق شبح «إيران نووية» عقب تسريبات من تقرير أخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن العثور في موقع «فوردو» بالغ التحصين، على يورانيوم مخصب بنسبة 83.7 في المائة القريبة جداً من النسبة المطلوبة للحصول على سلاح نووي. ثم صدر تقرير آخر صادر عن «معهد العلوم والأمن» في واشنطن مفاده، أن إيران قادرة على إنتاج خمس قنابل نووية باستخدام مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 و20 في المائة، وذلك خلال شهر واحد، وأنها قادرة على إنتاج أول قنبلة بعد 12 يوماً مما يسمى «بدء الاختراق» (Breakout). وجاءت زيارة مدير عام الوكالة الدولية رافاييل غروسي إلى طهران مستبقاً اجتماع مجلس المحافظين الدوري في فيينا، لتعيد الملف النووي إلى دائرة الضوء بعد أن كشفه دور إيران في الحرب الروسية على أوكرانيا والقمع الداخلي الأعمى الذي أوقع مئات الضحايا وأدخل إلى سجون النظام آلاف المحتجين. وبغض النظر عما ستؤول إليه عملياً زيارة غروسي أو ما سيصدر عن مجلس محافظي الوكالة الدولية، فإن الأسئلة الأهم تتناول موقع النووي في الاستراتيجية الإيرانية الشاملة وأهداف السياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً والحيرة ربطاً بالعقوبات التي تضرب الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.
وبكلام آخر، ما هو المكسب الاستراتيجي الذي تتوقعه السلطات الإيرانية الثيوقراطية التي جاءت إلى الحكم مع ثورة الخميني والثمن الذي تبدو أنها مستعدة لدفعه لتطوير برنامجها النووي الذي تؤكد أنه سلمي الطابع من غير أن تتمكن من إقناع العالم به؟
هذه الأسئلة وغيرها يتناولها توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والباحث الاستراتيجي المعروف في كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «الطموحات الخفية» للقوى العالمية الكبرى، الذي خصص منه فصلاً موسعاً لإيران، إلى جانب فصول أخرى تتناول الولايات المتحدة، والصين، والهند، والسعودية وتركيا.
منذ السطور الأولى، يشدد الكاتب على أن الجمهورية الإسلامية «نهضت على المواجهة الأساسية مع الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ العام 1979 خرجت من الحضن الأميركي لترتمي في الحضن الصيني مع العمل على التمكن من التأثير المباشر على التوازنات الإقليمية. ولتحقيق هذا الغرض، فإنها تستخدم إمكاناتها العسكرية والميليشاوية في إطار استراتيجية توسعية وصولاً إلى ضفاف المتوسط وتطور برنامجاً نووياً من أجل فرض نفسها كقوة (إقليمية)، وتحولها إلى قلعة حصينة» بمعنى ألا تجرؤ قوة أخرى على مهاجمتها بفعل ما يمثله الردع النووي، علماً بأن إيران تدأب منذ سنوات على تأكيد أن «برنامجها سلمي محض ولا تسعى أبداً للتحول إلى قوة نووية».
ويؤكد الكاتب، أن الرئيس الإيراني الحالي إبراهيم رئيسي بعكس عدد من الذين سبقوه «لا يرى حاجة إلى انخراط إيران في الاقتصاد المعولم، بل يفضل أن تفرض نفسها على محيطها الإقليمي من خلال تصاعد تأثيرها على بلدان مثل العراق، وسوريا، ولبنان واليمن؛ الأمر الذي يعد أفضل وسيلة لتعزيز (الحرس الثوري)».
يرى توماس غومارت، أن طهران تنظر إلى النفط وإلى القدرات النووية على أنهما الرافعتان الرئيسيتان لقوتها ولتمكنها من التفوق والهيمنة، ويسرد تاريخ انطلاق البرنامج النووي مع الشاه والأطراف التي تم التعاون معها «الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا وأخيراً روسيا»، ويذكر بأن الطيران الإيراني حاول في سبتمبر (أيلول) من العام 1980 تدمير مفاعل «إوزيراك» العراقي. إلا أنه فشل في ذلك في حين نجح الطيران الإسرائيلي في إزالته في العام التالي. ويؤكد الكاتب، أن طهران سعت منذ العام 1990 لإعادة إطلاق برنامجها النووي لـ«تخوفها من وجود برنامج نووي عراقي سري» وليس بسبب أن إسرائيل قوة نووية في المنطقة.
ولأن السلطات الإيرانية تعتبر نفسها في حالة حصار دائمة إقليمياً ودولياً، فإنها منذ العام 2012 وبحثاً عن المحافظة على «إرثها الثوري»، فإنها تسخر لذلك أربع أدوات: المجموعات الميليشياوية المرتبطة بها والتي تغذيها في مناطق نفوذها وبرامجها الصاروخية - الباليستية والمسيّرات وعملياتها البحرية، وأخيراً الحرب السيبرانية. وفيما خص الأداة الأولى، يشير الكاتب إلى أن إيران خصصت 16 مليار دولار لتدخلها في العراق واليمن ولبنان في السنوات العشر الأخيرة و10 مليارات لسوريا التي أمدتها بديون تصل إلى 20 مليار دولار.
أما في لبنان، فإن طهران توفر لـ«حزب الله» 700 مليون دولار في العام، وبذلك ومن خلال نفوذها في الدول الأربع المشار إليها فإنها تحقق هدفاً رئيسياً، وهو أن مواجهتها مع واشنطن «تحصل في المسرح الخارجي وليس على الأراضي الإيرانية».
إقليمياً، تسعى إيران من خلال التدخل المباشر وغير المباشر إلى تحقيق مجموعة أهداف: ففي اليمن، تسعى «لحرمان المملكة السعودية من عمقها الاستراتيجي ومد نفوذها إلى البحر الأحمر وخليج عدن».
بالمقابل، فإن تدخلها في العراق وسوريا ولبنان غرضه «الاستحصال على بعد استراتيجي يوصلها إلى شرق المتوسط لممارسة ضغوط مباشرة على إسرائيل». وفي حين تنظر طهران إلى العراق على أنه «مشكلة داخلية إيرانية»، فإن الحرب في سوريا مكّنتها من قلب المعادلة بين النظام و«حزب الله» لصالح الأخير الذي «يتمتع بالسيطرة على مساحات واسعة من القرار اللبناني».
يؤكد المؤلف، أن موجة الاحتجاجات اتي ضربت إيران عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في شهر سبتمبر الماضي طرحت جدياً مصير النظام الراهن وقدرته على البقاء، ويكشف عن أن دبلوماسيين في وزارة الخارجية الأميركية التقاهم الخريف الماضي، أكدوا له أن «أيام النظام أصبحت معدودة». والسبب الرئيسي في ذلك، كما نقل عنهم، أن النظام «غير قادر على التطور»، وأنه «يفتقد لغورباتشوف إيراني».
من هذا المنطلق، يؤكد الكاتب، أن ثمة ثلاث أولويات رئيسية للمرشد الإيراني علي خامنئي في الوقت الحاضر: الأولى، ضمان بقاء النظام التيوقراطي والاستمرار في فرض خطاب ثوري لمواصلة السيطرة على الجماهير كما هو الحال منذ أربعين عاماً، مفضلاً بذلك الهيمنة على الأذهان على التنمية الاقتصادية.
والثانية، ضمان أمن إيران ومعها النظام من خلال الحصول على السلاح النووي. ويضيف الكاتب «لا نرى اليوم سبباً لتخلي إيران عن هذا الهدف بعد التضحيات التي قدمتها في العقود الماضية والتي جعلتها تنقطع عن العالم الغربي». ويضيف المؤلف «أن (خيار) الصبر الاستراتيجي الذي التزمت به سيفضي في النهاية إلى نتيجة». أما إذا تم التوصل إلى اتفاق نووي «جديد»، فإنه سيعني رفع العقوبات الاقتصادية عنها. بيد أنه «لن يزيح إيران عن هدفها الأبعد وهو تحولها إلى قلعة حصينة» لن يجرؤ أحد على مهاجمتها، وأن أي قيادة «ستبقى مقتنعة أن السلاح النووي هو الضمانة الأمنية الأكثر وثوقاً» للمستقبل.
تبقى الأولوية الثالثة التي يسعى النظام الإيراني إلى تحقيقها رغم الصعوبات المترتبة عن خياراته وهي التنمية الاقتصادية التي تعيقها العقوبات الغربية وسياسات النظام.
ويؤكد الكاتب، أن إيران تتمتع بإمكانات كبيرة وبموقع جغرافي متميز ما يفترض بها أن تضع نفسها مجدداً على خريطة العولمة الاقتصادية والتجارية. ويذكّر الكاتب، بأن لإيران حدوداً يبلغ طولها 8731 كلم، منها 2700 كلم بحرية، وأن لها حدوداً مشتركة مع 15 دولة. وتقع على محور شمال - جنوب بين منطقة بحر قزوين وعلى محور شرق - غرب، تحتل فيه موقعاً وسطياً بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى مع مساحة تصل إلى 1.68 مليون كلم مربع.
بيد أن المؤلف يسارع للتأكيد أن أمراً كهذا سيكون «مستحيلاً» بالنظر لتركيبية الحكم الراهن الذي رمى بنفسه في الحضن «الشرقي»، خصوصاً الصيني «بشكل رئيسي» ولكن أيضاً الروسي والهندي؛ الأمر الذي تبينه الإحصائيات المتوافرة عن المبادلات التجارية، ولكن أيضاً الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها طهران وبكين في المصاف الأول.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».