قاعدة «العند».. مرتكز الانتصار في حروب اليمن

أسسها البريطانيون في الستينات واستخدمها السوفيات في الحرب الباردة والأميركيون ضد الإرهابيين

قاعدة «العند».. مرتكز الانتصار في حروب اليمن
TT

قاعدة «العند».. مرتكز الانتصار في حروب اليمن

قاعدة «العند».. مرتكز الانتصار في حروب اليمن

تكتسي قاعدة العند الجوية التي تسعى المقاومة الشعبية الموالية للشرعية في اليمن استعادتها من المتمردين الحوثيين وحلفائهم الموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح، أهمية سياسية وعسكرية بالغة. وتسعى المقاومة الشعبية لدخول هذه القاعدة، الواقعة في محافظة لحج والبعيدة نحو 60 كيلومترًا شمال عدن، لتعزز انتصاراتها الأخيرة في الجنوب اليمني، وتؤمن عبرها الانتقال شمالاً لتحرير باقي البلدات والمدن اليمنية.
وهذه القاعدة الجوية، التي تتربع على مساحة 15 كيلومترًا مربعًا، أنشئت في منتصف الستينات من القرن العشرين من قبل الاستعمار البريطاني، كمركز متقدم لدعم وإمداد الجيش البريطاني المرابط وقتها في المناطق الحدودية مثل الضالع وكرش وردفان والصبيحة، وهي مناطق كانت تعرف حينها بالمحميات الغربية.
وبعد استقلال جنوب اليمن عن بريطانيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 1967، زادت أهمية القاعدة العسكرية لدى النظام اليساري التقدمي الحاكم للجنوب، إذ شرع النظام الوطني ببناء وتطوير القاعدة، بحيث مقرًا يستقبل آلاف المجندين وضباط الصف سنويًا لتلقي التدريبات. وكان آلاف المجندين من خريجي المدارس الثانوية، يخضعون لفترة تعلم وتدريب أولية وأساسية في المعسكر قبل أن يتم توزيعهم على عموم وحدات القوات المسلحة وبعد أن يتلقوا العلوم النظرية والتطبيقية في كل التخصصات القتالية، وكذلك صف الضباط الذين تتم ترقياتهم إلى مصاف الضباط بعد ستة أشهر من التدريب والتعليم في المدارس المختلفة.
وإلى جانب مدارس التدريب والتأهيل لآلاف المجندين وضباط الصف، وُسعت القاعدة العسكرية بحيث باتت مساحتها الشمالية معسكرًا لقيادة المحور الغربي الذي ضم لواءً قتاليًا وكتائب ملحقة مرابطة في المكان، علاوة على قيادته لألوية القتالية المنتشرة طوال الحدود الدولية التي وضعها الإنجليز والأتراك مطلع القرن العشرين، فيما الجهة الجنوبية عبارة عن قاعدة جوية للواء طيران تشكيلاته من مقاتلات حربية من نوعي الميغ والسوخوي الروسية إلى جانب إقامة أحياء سكنية لعائلات الضباط والجنود في المعسكر، وكذا لعائلات الخبراء والمستشارين السوفيات حينها.
بعد الوحدة بين الجنوب والشمال سنة 1990، دخلت القاعدة العسكرية مرحلة من النسيان، إلى أن جاءت الأزمة السياسية بين شركاء الوحدة. وبعد أول انتخابات برلمانية يوم 27 أبريل (نيسان) 1993، وعودة نائب الرئيس علي سالم البيض واعتكافه في عدن، عاد الاهتمام بقاعدة العند، فحاولت القيادات السياسية والعسكرية الجنوبية إعادة الحياة للقاعدة المهملة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت القاعدة إلى منطلق لتنظيم عمليات ضد تنظيم القاعدة في اليمن؛ إذ منذ عامين تقريبًا وقوات المارينز الأميركية ترابط في قاعدة العند العسكرية، متخذة منها مستقرًا لجنودها وقواتها المحاربة للإرهاب، إلى أن انحدرت الأوضاع ووقع الانقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية، وأجبر القوات الأميركية (المارينز) على الرحيل.
وعلاوة على ذلك، تعد قاعدة العند بمثابة نقطة ارتكاز تلتقي فيه إمدادات محافظات تعز والضالع ولحج وعدن، فالعند يمثل منفذًا اقتصاديًا وتجاريًا وحيويًا نظرًا لموقعه المشرف على أهم شريان بري يتمثل في الطريق الواصلة بين هذه المحافظات المحاصرة حاليًا نتيجة سيطرة الميليشيات على الطريف الحيوي المار بمحاذاة القاعدة من الجهة الشرقية. وهذا العامل يعد، في نظر المقاومة، سببًا محفزًا للتعجيل بمسألة «تحرير القاعدة».
اليوم، يتكرر سيناريو الأمس وإن بطريقة مغايرة؛ فالميليشيات الحوثية وقوات الرئيس المخلوع صالح ما زالت مستميتة في القاعدة العسكرية المهمة والمحورية في معادلة الصراع العسكري. وفي المقابل، هناك مقاومة صاعدة مسنودة بقوات موالية للرئيس هادي تحظى بدعم جوي من دول التحالف العربي، وفوق ذلك بشعبية جماهيرية، وبيئة أقل ما يقال إنها حاضنة للمقاومة ونابذة للقوات المتمردة الانقلابية.
توجد في القاعدة الجوية الآن قوات موالية للحوثي وصالح، لكنها قوات مخلخلة ومحاصرة من كل الجهات الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، وفضلاً عن وضعها العسكري البائس والحصار المفروض عليها من المقاومة وقوات الجيش المتخلقة من رحم الحاجة والواقع والمصلحة الوطنية؛ لا يوجد لهذه القوات المبرر السياسي والمجتمعي الذي يمكنه إطالة عمر المعركة على قاعدة العند. فأيًا تكن العدة والعتاد لدى كتائب الحوثي وصالح، ففي النهاية ستدخل المقاومة وقوات الجيش الجديد، قاعدة العند، حسبما يرى متابعون للشأن العسكري في اليمن. ويرى هؤلاء أنه مثلما كانت العند بوابة لعبور قوات الرئيس المخلوع نحو لحج وعدن، فإنها (القاعدة العسكرية) ستكون أيضًا في قادم الأيام مقدمة لسقوط قوات صالح والحوثي وفي كل الجبهات الأخرى.
وقال الخبير في الشؤون العسكرية العميد ركن عباس صالح مقبل لـ«الشرق الأوسط»، إن قاعدة العند تعد أكبر وأهم القواعد الجوية الاستراتيجية التاريخية، إذ تم إنشاؤها في عام 1964 من قبل بريطانيا خدمة آنذاك لمصالحها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ونظرًا لموقعها المهم المحاذي لخليج عدن والبحر الأحمر. وأضاف: «قاعدة العند ليست قاعدة جوية فحسب، بل هي جوية وبرية وتوجد فيها وحدات للدبابات والمدفعية ومركز تدريب، وهي ممتلئة بالأسلحة والذخائر، ويوجد بها لواء للقوات البرية وآخر للطيران ومدرسة لتخريج الضباط والطيارين، ومرابض للطائرات، والقاعدة أشبه بمدينة متكاملة فيها مساكن للضباط ومستشفى ومدارس». ويضيف الخبير العسكري، أن القاعدة تمتد على مساحة واسعة خالية من السكان، وهي قريبة من ساحل البحر مما يسهل لها عملية الإنزال لإمداد المقاومين بالسلاح والانسحاب منها عن طريق البحر. ولفت إلى أن موقعها ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻲ القريب من مدن الجنوب جعلها تحظى بأهمية بالغة من جهة تأمين الطريق إلى محافظات عدن ولحج وأبين، فضلاً عن أنها تشكل منطلقًا لكل العمليات العسكرية باتجاه هذه المحافظات، ولذلك فإن السيطرة على القاعدة ستقطع الإمدادات القادمة من صنعاء، على حد تعبير صالح مقبل. ونوه الخبير العسكري بأن القاعدة كانت مركزًا لمراقبة متطورة أثناء الحرب الباردة، إذ تم استخدامها من قبل الاتحاد السوفياتي منذ مطلع السبعينات وحتى نهاية الثمانينات.
وفي عام 2012، استخدمت كمنطلق للطائرات من دون طيار من قبل الولايات المتحدة الأميركية، لاستهداف عناصر الجماعات الإرهابية. لكن بعد المواجهات الأخيرة في مارس (آذار) 2015، تم إجلاء الجنود الأميركيين وسيطر عليها الحوثيون وأتباع الرئيس السابق.
بدوره، قال قائد نصر المتحدث عن الجبهة القتالية للمقاومة في العند لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية القاعدة العسكرية تكمن في كونها تتربع على مساحة جغرافية هامة، وفي كونها تؤمن السيطرة على طريقين حيويين يصلان لمدينتي عدن والحوطة جنوبا، كما تؤمن التواصل بين تعز شمالاً ولحج جنوبًا. واكتسبت القاعدة اسمها من محورها العسكري الشهير، محور العند، ذي المساحات المترامية الأطراف شمال وشرق الحوطة باتجاه ردفان وكرش.
وأضاف قائد المقاومة في المنطقة: «نحن نتجه اليوم لاستعادة هذه البقعة العسكرية والقاعدة الاستراتيجية المطلة على عدن ولحج بأي ثمن، ومن دون شك ستكون معركتنا مع ميليشيات الحوثي والمخلوع في العند حاسمة؛ فمتى استعدنا العند سيحدث بعدها سقوط كلي وانهيار شللي للميليشيات في كل الجنوب؛ لأن وجودها سيكون عبثيًا بغير العند». وأردف: «ستكون المعارك في العند تاريخية للبلد ككل وستوازي معاركنا مجتمعة. نحن ماضون لتحديد ساعة الزحف على العند تنسيقيًا بين جبهة العند بقيادة جواس شرقًا وجبهة أبناء الصبيحة غرب القاعدة تزامنا مع وصول طلائع زملائنا من عدن عبر الحوطة».
لكن المقاومة أبدت في الآونة الأخيرة ترددًا في شن هجوم على القاعدة بسبب وجود نحو ألفي معتقل وأسير فيها تحتجزهم قوات الحوثي وصالح. وقال قائد جبهة المقاومة في المنطقة: «نحن نضع ألف حساب لأماكن وجود أسرانا الذين جعلتهم الميليشيات دروعًا بشرية في قاعدة العند والذين يبلغ عددهم ألفي أسير».



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».