زيدان مريبوط: فكر مالك بن نبي ألهم آيديولوجية «الووك»

يكشف في كتابه عن حيثيات المؤامرة التي استهدفت المفكر الجزائري وزوجته

مالك بن نبي - زيدان مريبوط
مالك بن نبي - زيدان مريبوط
TT

زيدان مريبوط: فكر مالك بن نبي ألهم آيديولوجية «الووك»

مالك بن نبي - زيدان مريبوط
مالك بن نبي - زيدان مريبوط

احتفلت الجزائر والكثير من الدوائر الثقافية العربية مؤخراً بذكرى ميلاد المفكر مالك بن نبي، الذي تناول بنظرياته التشخيصية عوامل تأخر الدول الإسلامية مستفيداً من دراسته للفكر الغربي وانفتاحه على المناهج الفلسفية. وبهذه المناسبة حاورنا الباحث الجزائري السويسري زيدان مريبوط الأستاذ بجامعة جنيف ومؤلف كتاب «مالك بن نبي: أب التيار الإسلامي العالمي؟ من الملفات السرية للمخابرات الفرنسية» (دار نشر إيريك بونيي)، للتحدث عن منظومته الفكرية وإسهاماته النظرية في تجديد الفكر الإسلامي، وأسباب نهوضه.
> أولاً هل يمكننا القول بأن أفكار مالك بن نبي وتصوراته كانت سابقة لعصرها؟
- فعلاً لقد طور مالك بن نبي فكراً متعدد الأوجه ومتنوعاً، وتناول بالدراسة مشكلات الحضارة وتحديث الإسلام، وكان بلا شك مفكراً طلائعياً ميز القرن العشرين بحيوية فكره ودعواته للحداثة من خلال انتقاده للفكر التقليدي والعقائدي لبعض الشخصيات الدينية والمجتمعات العربية التي قبلت بوضع ذليل. كان دائم الاستشهاد بالآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، كما كان يرى أن نهضة العالم الإسلامي لن تتحقق إلا من خلال رفض السبات والخرافات والجهل الذي يفسر تأخره، وبالتالي فقد اقترح على الجميع استجواب الذات، واعتماد التفكير النقدي والمساءلة الحضارية على أرضية متينة مبنية على التعليم وإشراك المرأة والالتحاق بالزخم المعرفي والتكنولوجي لتحقيق تنمية حديثة ومستدامة.
> بمن تأثر مالك بن نبي من مفكري العرب والغرب؟
- تأثرت أفكار مالك بن نبي وفكره بالإصلاحيين المسلمين والفلاسفة الألمان مثل إيمانويل كانط وفريدريك نيتشه. لكن على عكس نيتشه، لا يعتقد بن نبي أن الله والألوهية قد ماتا وعفا عليهما الزمن بالنظر إلى أسئلة الفكر الحديث، بل كان يرى أنه من الضروري العودة إلى الله وإلى النفس البشرية قبل البدء بالتفكير في القضايا الحضارية. ففي كتابه «شروط النهضة» (الوكالة الوطنية للنشر، الجزائر 2005) شرح لنا بالتفصيل كيف أن نزول الوحي كان نقطة انطلاق الحضارة الإسلامية، حيث كتب ما يلي: «من المعلوم أن جزيرة العرب مثلاً لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي، يذهب وقته هباء لا ينتفع به، لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح مكدسة لا تؤدي دوراً في التاريخ، حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء، كما تجلت من قبل في الوادي المقدس أو بمياه الأردن، نشأت من بين هذه العناصر الثلاثة حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة (اقرأ) التي أدهشت النبي الأمي، وأثارت معه وعليه العالم، فمن تلك اللحظة وثبت القبائل العربية على مسرح الأحداث، حيث ظلت قروناً طوالاً تحمل للعالم حضارة جديدة وتقوده إلى التمدن والرقي».
كما استخدم بن نبي بحكمة الأساليب العلمية المستعارة من فلاسفة التنوير، أمثال ديكارت وكونت ودوركايم. لا ننسى أن مؤلفنا نهل من الثقافة الغربية، وكان يجيد اللغات الألمانية والفرنسية والعربية، مما سهل بحثه وجعله أكثر «تعبيراً» عند الغربيين، ولا ننسى أيضاً تأثره بابن خلدون ومقدمته والفارابي ورفاعة الطهطاوي.
> في كتابه «شروط النهضة»، يتحدث مالك بن نبي عن مفهوم «القابلية للاستعمار»، الذي هُوجم كثيراً بسببه، فماذا كان يقصد؟ وهل يمكننا ربطه مثلاً بمفهوم «الغالب والمغلوب» عند ابن خلدون؟
- من خلال هذه الفكرة المعقدة أراد المفكر مالك بن نبي أن يزيل الغموض عن الاستعمار ويدينه، وفي الوقت نفسه يدعو الشعوب المُستعمرة إلى التخلص من الشلل الفكري والانحلال الروحي الذي يجعلها تخضع للاستعمار، وإن لم يكن المفكر مالك بن نبي أول من طور هذا المفهوم، حيث سبق إليه الكاتب إيميه سيزار، والمحلل النفسي الشهير أوكتاف مانيوني، إلا أنه كان أول من تناول بدقة هذا المفهوم موضحاً أن نبض الحضارة انتهى بالنسبة للمسلمين بعد دخولهم المرحلة الثالثة من حلقة الحضارة، حسب تصنيفه، التي اتصفت بالانحطاط الاجتماعي والفكري والروحي، وهي المرحلة التي حددها بعد سقوط دولة الموحدين مُسفرة عن مجتمعات ضعيفة عاجزة عن الإبداع والإنتاج خاضعة للهيمنة والاستعمار، ومن هنا جاء مفهوم «القابلية للاستعمار».
> يقال إن فكر مالك بن نبي قد أسيئ فهمه وتعذر إيصاله لعامة الناس، من حيث عمقه وأهميته. كما أنه لم يحصل على التقدير حتى بين أهله وذويه، فلماذا حسب رأيكم؟
- من الصعب فهم فكر مالك بن نبي عامة، فكل فكرة يطورها تحتاج إلى تفسير معمق وقراءة على ضوء المفاهيم الاجتماعية والفلسفية والقانونية، وهو أمر ليس في متناول عامة القراء. أفكاره التي عبر عنها ابتداء من الحرب العالمية الثانية حتى عام 1973 سابقة لعصرها ولم نفهمها إلا بعد الأزمة التي شهدها العالم العربي والإسلامي في أواخر السبعينات، إضافة إلى بعض الاختلافات مع مثقفين من بلاده (الجزائر) وأعضاء «جبهة التحرير الوطني»، وبهذا الخصوص أدعو قراءكم إلى الاطلاع على المقالات الممتازة للمؤرخ صادق سلام. السبب الآخر هو أن مالك بن نبي كان غالباً ما يكتب بالفرنسية، وأحياناً بالعربية، وهو ما حصر دائرة قرائه، على أن الأمور تغيرت بعد أن تمت ترجمة أعماله إلى الإنجليزية، بعدها بدأت أعماله تلاقي نجاحاً كبيراً في الأوساط الثقافية الأنجلوسكسونية أيضاً. وأضيف هنا بأن فلسفته حسب رأيي قد ألهمت آيديولوجية «الووك» السائدة الآن في أميركا وأوروبا، التي تهدف إلى تفكيك التهميش المبني على الثقافة والعرق والهيمنة الاستعمارية الجديدة.
>في كتابك «مالك بن نبي: أب التيار الإسلامي العالمي» الذي جاء نتيجة عمل بحثي في أرشيف الشرطة الفرنسية، تروي أحداث سجنه بتهمة التعاون مع النازيين، هل يمكن أن تخبرنا بما حدث؟
- بصفتي أستاذاً وباحثاً، أتيحت لي فرصة العمل على وثائق «مسجلة سرية» من قبل المخابرات الفرنسية، قسم منها تناول حيثيات سجن مالك بن نبي وزوجته الفرنسية بوليت خديجة بتهمة التعاون مع القوات النازية. أعدت فتح هذه الملفات ونشرت في الكتاب تقرير القضاء الفرنسي الذي خلُص بعد تحريات طويلة ودقيقة ومواجهة مع الشهود الذي تبين خطأهم تبرئته من كل التهم.
وقد جاء في التقرير ما يلي: «السيد مالك بن نبي احتجز بناء على تهم وهمية، لا يمكن قبول أي واحدة منها». وعن الدوافع وراء هذه المؤامرة الخبيثة نجد تحامل بعض الشخصيات النافذة آنذاك كشخصية موريس فيوليت، عمدة بلدة درو، التي كان يقيم فيها بن نبي وزوجته. فيوليت كان معروفاً بعنصريته وحقده على المفكر الجزائري، حيث وجدت في أبحاثي الرسائل التي كان يبعثها هذا الأخير لمصالح الشرطة في محاولة للإساءة له، كالتقرير الذي نقل فيه أن بن نبي رفض الإقرار بأن جنسيته فرنسية، وعوض ذلك كتب في الأوراق الرسمية الجنسية: عربية.
كل هذه التفاصيل وأخرى كثيرة منشورة في كتابي الصادر بالفرنسية وقريباً باللغة الإنجليزية أيضاً.
> مالك بن نبي كان كثير التنقل، عاش في الجزائر وباريس والقاهرة، كتب باللغتين العربية والفرنسية، ما هو تأثير ذلك على كتاباته وفكره؟
- إقامة بن نبي في كل هذه العواصم، إضافة إلى ألمانيا، وفي الدول الآسيوية، خصوصاً إندونيسيا، كانت لها تأثير كبير على فكره وكتاباته، حيث أظهر فضولاً كبيراً تجاه الفكر الشرقي والغربي على حد سواء حتى سُمي بـ«الموسوعة المتنقلة»، وكان يقرأ النصوص الفلسفية المعقدة لنيتشه وهايدغر باللغة الأصلية دون ترجمة، وكذلك النصوص الفرنسية والعربية. وللتذكير فقبل حصول بن نبي على شهادة الهندسة في فرنسا كان قد تلقى تعليمه في مدارس «جمعية العلماء المسلمين» العريقة بقسنطينة في شرق الجزائر.
> ماذا بقي من فكر مالك بن نبي اليوم؟
- لا تزال أعمال مالك بن نبي موضوع تحليل ودراسة بين جموع المثقفين، لا سيما في مراكز الأبحاث المخصصة للعالم العربي والإسلامي في أوروبا وأميركا. أعماله تُرجمت لعدة لغات، والملاحظ الاحترام الكبير الذي يكنه له المثقفون في أندونيسيا وماليزيا وباكستان، كما لا تزال أطروحات بن نبي حول العلاقة بين الهوية والثقافة والحضارة والدور الذي سيلعبه المثقفون المسلمون تلقى صدى واسعاً في أيامنا هذه، لا سيما في أوساط الشباب. نظريته حول «القابلية للاستعمار» والخضوع الطوعي لبعض المسلمين محل دراسات واسعة في مراكز دراسات «بعد الاستعمار».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».


«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.