الصين تعزز ميزانيتها الدفاعية وتضع هدفاً «حذراً» للنمو الاقتصادي

الجلسة البرلمانية السنوية لتمديد ولاية شي الرئاسية

جانب من افتتاح الجلسة البرلمانية في بكين أمس (إ.ب.أ)
جانب من افتتاح الجلسة البرلمانية في بكين أمس (إ.ب.أ)
TT

الصين تعزز ميزانيتها الدفاعية وتضع هدفاً «حذراً» للنمو الاقتصادي

جانب من افتتاح الجلسة البرلمانية في بكين أمس (إ.ب.أ)
جانب من افتتاح الجلسة البرلمانية في بكين أمس (إ.ب.أ)

كشفت الصين، أمس، عن هدف حذر للنمو في 2023 وزيادة في الإنفاق الدفاعي، وذلك في افتتاح الدورة البرلمانية السنوية التي ستسمح لشي جينبينغ بالبقاء في الرئاسة خمس سنوات أخرى.
وسترتفع ميزانية الدفاع، الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، بنسبة 7.2 في المائة هذا العام لتبلغ 1553.7 مليار يوان (225 مليار دولار)، في أكبر زيادة لها منذ 2019. وأمام نحو ثلاثة آلاف نائب من المؤتمر الوطني لنواب الشعب مجتمعين في قصر الشعب في بكين، أكد رئيس الوزراء المنتهية ولايته لي كه تشيانغ أن «محاولات الاحتواء القادمة من الخارج تتكثف بلا توقف». ودعا إلى «تكثيف» تدريب الجيش وإلى «الاستعداد للقتال»، بينما يتصاعد التوتر الصيني الأميركي خصوصا حول مسألة تايوان. وقال لي إنه بعد ثلاث سنوات من التباطؤ بسبب القيود المفروضة على مكافحة «كوفيد - 19»، «يشهد الاقتصاد الصيني انتعاشا متينا».
رغم ذلك، فإن هدف النمو الاقتصادي المعلن لعام 2023، والبالغ «نحو 5 في المائة»، يعتبر منخفضا نسبيا بالنسبة للاقتصاد الصيني.
- تعزيز النمو
في 2022 سجل الناتج المحلي الإجمالي للصين نموا نسبته 3 في المائة فقط، على خلفية تباطؤ الاقتصاد العالمي، وجائحة «كوفيد - 19» وإجراءات العزل وأزمة العقارات. وقال لي كه تشيانغ أمس إن «التنمية الاقتصادية في الصين واجهت عوامل عدة غير متوقعة في الداخل والخارج مثل الوباء». وأضاف أنه «تحت القيادة القوية للّجنة المركزية للحزب، نسقنا بفاعلية الوقاية من المرض والسيطرة عليه والتنمية الاقتصادية والاجتماعية».
وستقرر الجلسة البرلمانية التي تستمر تسعة أيام تجديد ولاية شي جينبينغ (69 عاما) على رأس الدولة لخمس سنوات. وكان الرئيس قد ثُبّت في منصبه كرئيس للحزب في أكتوبر (تشرين الأول).
وكما هي الحال في كل عام، لا يُتوقع حدوث مفاجآت خلال هذا الحدث المنظم بدقة والذي يسافر خلاله آلاف السياسيين من مقاطعات مختلفة إلى بكين للتصويت من دون معارضة تقريبا على النصوص التي وافق عليها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم مسبقا، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
لكن شي جينبينغ واجه بعض التحديات في الأشهر الأخيرة، إذ نُظّمت مظاهرات نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) ضد سياسة «صفر كوفيد»، ثم سجلت موجة وفيات بعد التخلي عن هذه الاستراتيجية الصحية المنتقدة.
- مخرجات الجلسة
إلى جانب تكريس شي رئيسا لولاية ثالثة، من المتوقع أن تعيّن الجلسة البرلمانية لي كه تشيانغ، المقرب من الرئيس الصيني والرئيس السابق للحزب الشيوعي الصيني في شنغهاي رئيسا جديدا للوزراء. وتم تشديد الإجراءات الأمنية في بكين في الأيام الأخيرة تحسباً للحدث، مع فرض عمليات تفتيش عند مدخل العاصمة، وانتشار عناصر أمن على أطراف الشوارع وكذلك قرب الجسور.
وقال ألفريد مولوان وو، الأستاذ في جامعة سنغافورة الوطنية، إنه رغم تحدي «صفر كوفيد»، يتمتع شي جينبينغ بمكانة «قوية إلى حد ما» في قمة الحزب. أما ستيف تسانغ، من فرع الصين في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، فرأى أن شي جينبينغ لديه فرصة خلال هذه الجلسة البرلمانية للإشادة بإدارته للاستياء الشعبي نهاية نوفمبر. وقال المحلل لوكالة الصحافة الفرنسية إن شي «تصرف بشكل حاسم عندما كانت هناك دعوات خلال المظاهرات تطالبه والحزب الشيوعي الصيني بالرحيل»، معتبرا أنه أزال سبب الغضب. وتابع أنه «يمكنه أن يقدم نفسه كقائد لا كشخص مضطر للرد».
وسيناقش النواب أيضاً عدداً كبيراً من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مثل زيادة معدل المواليد والتحرش عبر الإنترنت.
- تعزيز ميزانية الدفاع
أعلنت الصين، أمس، زيادة ميزانيتها للدفاع للعام 2023 في ظل التوتر مع الدول الآسيوية المجاورة، والولايات المتحدة، وحتى حلف شمال الأطلسي على خلفية تصاعد نفوذها. وستزداد ميزانية الدفاع الصينية بنسبة 7.2 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ 2019، في تسارع طفيف عن العام الماضي (7.1 في المائة)، وفق تقرير لوزارة المالية نشر خلال الدورة السنوية للبرلمان الصيني. وستخصص الصين 1553.7 مليار يوان (أي ما يعادل 225 مليار دولار) لنفقات الدفاع، وهي ثاني أعلى ميزانية في العالم بعد الولايات المتحدة التي تزيد عنها بنحو ثلاثة أضعاف.
ويرجح خبراء غربيون أن تتجاوز النفقات العسكرية إطار ميزانية الدفاع. وأوضح نيكلاس سفانستروم، مدير معهد سياسات الأمن والتنمية في استوكهولم، لوكالة الصحافة الفرنسية أن «قسما كبيرا من أبحاث (الصين) العسكرية، مثل الصواريخ والدفاع الإلكتروني، غير مدرجة في نفقاتها العسكرية، بل تعتبر من فئة البحث والتنمية المدنيين».
وفيما تبقى زيادة الميزانية الدفاعية الصينية دون 10 في المائة للعام الثامن على التوالي، إلا أنها تثير ريبة الدول المجاورة التي تقوم نزاعات جغرافية بينها وبين الصين. ومن هذه الدول الهند التي تندلع أحيانا كثيرة اشتباكات على طول حدودها المشتركة مع الصين في منطقة الهيمالايا، واليابان التي تتنازع مع الصين السيطرة على جزر سنكاكو، أو دياويو بحسب تسميتها الصينية، والفلبين التي تشهد بانتظام حوادث مع الصين حول السيادة على جزر في بحر الصين الجنوبي.
- تصاعد التوتر
تشهد علاقة بكين وعواصم غربية توترا على خلفية تزايد نفوذ الصين في آسيا والعالم.
واتهم مسؤولون أميركيون كبار مؤخرا الصين بأنها تخطط لاجتياح تايوان بعد بضع سنوات، لاعتبارها الجزيرة جزءا من أراضيها، كما اتهمتها واشنطن بإرسال «أسطول» من المناطيد العسكرية للتجسس على العالم. حتى الحلف الأطلسي الذي تتركز جهوده تقليديا في أوروبا، يعتبر منذ العام الماضي أن العملاق الآسيوي أصبح يطرح «تحديا» لـ«مصالح» دوله. غير أن الصين تنفي أن ذلك يشكل تهديدا، مؤكدة أن جيشها «دفاعي»، ومشيرة إلى أنها لا تملك سوى قاعدة عسكرية واحدة في الخارج في جيبوتي، فيما تقيم الولايات المتحدة مئات القواعد في العالم. كما أن نفقاتها العسكرية تبقى دون 2 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، بالمقارنة مع نحو 3 في المائة بالنسبة لواشنطن.
وأوضح جيمس شار، خبير الجيش الصيني في جامعة التكنولوجيا في «نانيانغ» بسنغافورة، أن ميزانية الدفاع في الصين «تستخدم لزيادة رواتب العسكريين، وتمويل شروط تدريب أفضل، والحصول على معدات أكثر تطورا». كما لفت نيكلاس سفانستروم إلى أن «الصين تستثمر في قدرتها على السيطرة على تايوان، وإبقاء الولايات المتحدة خارج المنطقة».ومع تشديد بكين الضغط على تايوان، زادت الطائرات العسكرية الصينية عمليات خرق منطقة تحديد الدفاع الجوي للجزيرة بنحو الضعف العام الماضي. وتندد بكين بإرسال الولايات المتحدة سفنا وطائرات عسكرية إلى المنطقة للتصدي للطموحات الصينية فيها، وتبدي مخاوف حيال تعزيز واشنطن في الأشهر الأخيرة تعاونها العسكري مع أستراليا واليابان والفلبين وتايوان.
- سباق تسلح
يخشى مراقبون أن تدخل القوى الغربية وحلفاؤها في سباق تسلح مع الصين مع تصاعد التوتر. ورأى سفانستروم أن «شمال شرقي آسيا يشهد سباق تسلح، يشكل تعزيز القدرات الصينية محرّكه». وفي هذا السياق، زادت دول أخرى من المنطقة ميزانياتها العسكرية للعام 2023 على غرار كوريا الجنوبية (4.4 في المائة)، والهند (13 في المائة). كما تعتزم اليابان التي عدلت مؤخرا عقيدتها العسكرية الدفاعية، مضاعفة ميزانيتها الدفاعية لتصل إلى 2 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي بحلول 2027؛ ردا على الصين خصوصا.
وقال جيمس شار إن «الصين تشكل تحديا للغرب والنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكنه أضاف أنه «من المؤكد على الصعيد العسكري، أقله على المديين القريب والمتوسط، أنها غير مستعدة لتحدي وضع واشنطن بصفتها القوة العسكرية الأولى في العالم»، مشيرا إلى أن الجيش الصيني «سيواصل على الأرجح القيام بعمليات عسكرية لكن دون عتبة الحرب».وشدد المعهد الدولي للبحث حول السلام في استوكهولم على أن الولايات المتحدة هي الدولة التي تخصص أكبر نفقات عسكرية في العالم، بلغت 801 مليار دولار عام 2021، بحسب آخر الأرقام المتوافرة. وبعد الولايات المتحدة تأتي الصين (293)، فالهند (76.6)، والمملكة المتحدة (68.4)، وروسيا (65.9)، وفرنسا (56.6).


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.