المسلسلات اللبنانية ـ السورية في رمضان: «عنصرية» ومطاردة وحب وحرية!

«وأخيراً»... «للموت 3»... «النار بالنار»... مع «الزند»

تيم حسن يخلع عباءة  شيخ الجبل في «الزند»      -       نادين نجيم وقصي خولي في قصة حب وحرية بمسلسل «وأخيراً»
تيم حسن يخلع عباءة شيخ الجبل في «الزند» - نادين نجيم وقصي خولي في قصة حب وحرية بمسلسل «وأخيراً»
TT

المسلسلات اللبنانية ـ السورية في رمضان: «عنصرية» ومطاردة وحب وحرية!

تيم حسن يخلع عباءة  شيخ الجبل في «الزند»      -       نادين نجيم وقصي خولي في قصة حب وحرية بمسلسل «وأخيراً»
تيم حسن يخلع عباءة شيخ الجبل في «الزند» - نادين نجيم وقصي خولي في قصة حب وحرية بمسلسل «وأخيراً»

طُرحت الـ«بوسترات» فأشعلت الحماسة. أبطال مسلسلات رمضان يشوّقون المنتظرين. جبين نادين نجيم على جبين قصي خولي في «قصة حب وحرية». هذا اختزالها لمسلسل «وأخيراً» من بطولتيهما. ماغي بوغصن ودانييلا رحمة تسبحان بصخب حياتهما. عودتهما في «للموت 3» مُنتظَرة، بعد تخبّط سيارتهما بالبحر. على «البوستر» يشير اللون الأزرق إلى الغرق. الوجوه الثلاثة المُشكّلة لبطولة مسلسل «النار بالنار»؛ عابد فهد، كاريس بشار، وجورج خباز، تنذر بجدلية متوقَّعة تُوقدها العلاقة الحسّاسة بين شعبيْ لبنان وسوريا.
ثلاثة أعمال مشتركة تطلّ بثقة على موسم رمضان 2023. وإن كان لا بدّ من حديث عن رابع، فهو «الزند» من بطولة تيم حسن. صحيح أنه سوري محض، ولا أسماء لبنانية تتلبّس شخصياته، لكنّ وقْع النجم بعد «الهيبة» يجعله طرفاً في الانتظار اللبناني، ويرفع التشويق حيال جديده «المُنسلخ» فيه عن «جبل شيخ الجبل».
يبقى لدراما رمضان مكانة خاصة؛ لارتباط المُشاهدة بالعادات والطقوس. منذ ثورة «شاهد»، والمسلسلات ترافق العام، لا تستريح ولا تضبط ساعتها على مزاج موسم. تدفقٌ طوال الوقت. ومع ذلك يؤرق شهر الصوم المنشغلين في الصناعة، يخططون ويسابقون الزمن للحاق بالقطار، ولا يفضّلون الخروج على سكّته. غياب شركة «الصبّاح أخوان» عن المنافسة الرمضانية على مستوى الدراما العربية المشتركة، في الموسم الفائت، تعوّضه بعملين مشتركين وثالث يوطّد ثنائية تيم حسن والمخرج سامر البرقاوي. جمال سنّان صاحب «إيغل فيلمز» يجدد رهانه على «للموت»، يراه «من أضخم الأعمال»، ويَعِد بـ«منافسة قوية ستجعله في الطليعة».

- «وأخيراً»: ماذا وراء القوة؟
كرَّس لقاء نادين نجيم وقصي خولي مسلسلُ «عشرين عشرين» (رمضان 2021) رغم اجتماعهما ومعتصم النهار في «خمسة ونص» (2019). وفي «أخيراً» يجددان الثنائية. المسلسل من 15 حلقة بعد حديث عن 30 حلقة كتبها بلال شحادات، فتغيّرت دفة القيادة بتسلُّم أسامة الناصر التأليف والإخراج، وتقلَّص العدد.
بالنسبة إلى نجيم، «صحيح أنها 15 حلقة لكنها تعادل الـ100». يتكلّم المنتج صادق الصبّاح عن «حلقات مكثفة» وهو يشير إلى «عمل مميز يتناول عالماً حقيقياً». تحمل بطلته اسم «خيال»، وبطله «ياقوت». ماضيها الأليم يحُول دون اكتمال الأشياء، وما القوة الخارجية لامرأة نافذة سوى قناع يخبّئ الندوب والعتم!
تشارك في البطولة منى واصف مع كميل سلامة، وغبريال يمّين، وسعيد سرحان، وبرناديت حديب... هنا الغاية تبرر الوسيلة، والحب الكبير يُسبب جرحاً أكبر. مسرح الأحداث إحدى ضواحي بيروت الشاهدة على تحولات المشاعر والأشخاص.
يقف قصي خولي للمرة الثانية أمام كاميرا أسامة الناصر بعد مسلسل «بارانويا» (2021). «الله وليّ التوفيق»، يدوّن جملته الشهيرة استعداداً لأداء دور «ياقوت»، بعد الإطلالة الأخيرة له بشخصية أستاذ الرياضيات «وليد» في مسلسل «من... إلى» (2022).

ماغي بوغصن ودانييلا رحمة  في «للموت 3»      -      ثلاثية «النار بالنار»، عابد فهد بين كاريس بشار وجورج خباز

- «للموت 3»: الحياة هي الخوف
يرفع المسلسل شعار الجزء الثالث: «ما تخاف من الموت... خاف من الحياة». لدى كاتبته نادين جابر ما تقوله بعد موسميْن، لثقتها بأن حكاية بطلتيها سحر (ماغي بوغصن) وريم (دانييلا رحمة) لم تنتهِ. وفق صنّاع المسلسل، «كل شيء جديد»، الأرضية والظروف وبعض الشخصيات.
«كأنه مسلسل آخر»، يُشوّقون. تُغني التركيبة أسماء تطلّ بعد غياب بطلَي الموسميْن باسم مغنية وأحمد الأحمد. يثير اسم فايز قزق الفضول عما سيقدّمه بعد شخصيته الجدلية في «كسر عضم» (رمضان الفائت). وإلى مهيار خضور ويامن الحجلي، تبرز ورد الخال بين الوجوه الجديدة. تُجدد وقوفها أمام كاميرا فيليب أسمر منذ اللقاء الأول بينهما في مسلسل «مدام كارمن» قبل أن تكرّ السبحة.
مع «للموت 3» (30 حلقة)، تعود الخال إلى دراما رمضان الغائبة عنها منذ عام 2019 (مسلسل «أسوَد»). دورها مُستفز يرتبط بمصير «سحر» و«ريم». تهوى الشخصية الشائكة وبراعتها في تحريك الأحداث. انضمامها إلى أسماء يألفها الناس؛ منها أحمد الزين ورندا كعدي وكارول عبود وفادي أبي سمرا... يُحلّي المُشاهدة.
في تونس، صُوِّر بعض مجرى الأحداث. تشهد أرض سيدي بوسعيد مطاردة البطلتين لاحتمال النجاة. بلال التونسي وفاطمة بن سعيدان يشاركان بلهجة بلديهما في المسلسل.

- «النار بالنار»: حقل ألغام
عمل يبرّر التداخل اللبناني السوري في مسلسل. ناره مستعرة، تُشعل أخذاً وردّاً بعد العرض. تناوُله العلاقات بين اللبنانيين واللاجئين السوريين في حيّ شعبي بيروتي، «عاصفة» لن تمرّ بهدوء. يلعب بالنار، واسمه يشهد!
البطولة لعابد فهد بدور «عمران» مع كاريس بشار بشخصية «مريم» المحجبة. بينهما جورج خباز بدور «عزيز» الناقم على اللجوء السوري. تخرج إلى العلن ما تتستّر عليه المسلسلات: إشكالية «العنصرية» ضدّ اللاجئين السوريين. الانهيار الاقتصادي في لبنان يفاقم واقعية التجاوز الأخلاقي والتجارة غير المشروعة. يبقى الحب هو الخلاص، فيغسل أحقاداً ويُهدّئ نفوساً.
المسلسل يسير في حقل ألغام؛ تأليف رامي كوسا، وإخراج محمد عبد العزيز، مع طوني عيسى، وزينة مكي، وفيفيان أنطونيوس، وأنجو ريحان، وطارق تميم، وساشا دحدوح... سبقت «LBCI» المحطات اللبنانية بإعلان عرضه، وهو من 30 حلقة. تتوجّه الأنظار إلى «النوايا» وكيفية المعالجة.

- «الزند»: وداع «جبل»
بشاربيْن عريضين ولحية خفيفة، يطلّ تيم حسن بشخصية «عاصي الزند». المسلسل سوري، كتابة المسرحي عمر أبو سعدة، وإخراج سامر البرقاوي، «نُقحمه» هنا؛ لكون بطله ممن ينتظر اللبنانيون جديده بعد 5 مواسم من «الهيبة» وفيلمها.
ارتباط العمل بحوض نهر العاصي والقرى المحيطة به، يفرض هوية مشروع يمتد على 60 حلقة تنقسم بين موسمين رمضانييْن. يوضح صنّاعه أنه ليس مسلسلاً تاريخياً رغم أن الأحداث تجري في القرن التاسع عشر، وشخصياته لا تتكلم بالفصحى. إنه «قصصنا وحكاياتنا ونسيجنا الاجتماعي»، من بطولة دانا مارديني، وفايز قزق، وأنس طيارة، وريهام قصار. مثيرٌ انتظار وداع «جبل» إلى الأبد.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.