ليلة «الست» على مسرح إثراء في الظهران

عرض «أم كلثوم والعصر الذهبي» يقدم في السعودية للمرة الأولى

جانب من مسرحية «أم كلثوم والعصر الذهبي» أثناء عرضها اللندني (المنتجة)
جانب من مسرحية «أم كلثوم والعصر الذهبي» أثناء عرضها اللندني (المنتجة)
TT

ليلة «الست» على مسرح إثراء في الظهران

جانب من مسرحية «أم كلثوم والعصر الذهبي» أثناء عرضها اللندني (المنتجة)
جانب من مسرحية «أم كلثوم والعصر الذهبي» أثناء عرضها اللندني (المنتجة)

في مارس (آذار) 2020 شهد مسرح البالاديوم بحي وست إند بلندن ليلة طربية عربية استثنائية، مسرح ممتلئ وجمهور متعطش ومسرحية غنائية حققت تفاعلاً هائلاً مع أفراد الجمهور. شهدت تلك الليلة لحظة ولادة المسرحية الغنائية «أم كلثوم والعصر الذهبي» التي كانت حلم المنتجة السعودية منى خاشقجي. ليلة واحدة من العرض على أحد أعرق المسارح اللندنية كانت كفيلة بنجاحها، لدفع خاشقجي للسعي من أجل عرض المسرحية في العالم العربي، وهو ما حدث في دبي أوبرا العام الماضي؛ حيث قدمت المسرحية في أيام عيد الفطر.
وهذا الأسبوع يتحقق حلم آخر لخاشقجي، وهو أن تعرض المسرحية في بلدها السعودية، عندما يحتضن مسرح مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران العرض بحلته الجديدة، ابتداءً من يوم 7 مارس الجاري وحتى 17 منه.

منى خاشقجي (أقصى اليسار) مع طاقم مسرحية «أم كلثوم والعصر الذهبي» أثناء البروفات في لندن (المنتجة)

- حلة جديدة
أتحدث مع خاشقجي مرة أخرى حول العرض الذي حوّل ليلة لندنية إلى ليلة كلثومية في عام 2020، وأسألها عن العرض الجديد وأبطاله، وما التغييرات التي سيشهدها. خاشقجي التي كانت في خضم البروفات والإعداد للعرض بدت متحمسة للعرض في «إثراء» الذي تعده بمثابة «متحف بمعنى الكلمة»، مشيدة بفريق العمل الذي سيقدمها للجمهور السعودي لأول مرة، مضيفة أن المسرح في «إثراء»، «معد بشكل كامل لأي عرض مسرحي».
تتحدث عن مسرحيتها وحلمها، وتشير إلى أنها أجرت تغييرات أثناء العرض في دبي، وتغييرات أخرى لعرض السعودية. ومن أهم التغييرات في عرض مركز «إثراء» شخصية المغنية الرئيسية ومقدمة شخصية أم كلثوم في نضوجها، وهو ما قدمته المغنية لبانا القنطار من قبل. تقول: «الفريق مختلف هذه المرة، فلدينا المطربة أجفان عفيفي من مصر التي ستؤدي شخصية أم كلثوم في مرحلة النضوج، وأيضاً المغنية جينيفر غراوت، وهي أميركية مسلمة درست تجويد القرآن واللغة العربية الفصحى، وستقوم بأداء دور المطربة منيرة المهدية وتقدم بعض أغاني أم كلثوم». وتنضم الممثلة مها خليفي لفريق العمل لتقدم دور والدة أم كلثوم، والممثل الأردني هاني دهشان، الذي سيقوم بأدوار الثلاثي محمد القصبجي والدكتور الحفناوي زوج أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب، والممثل وليد حماد في دوري أحمد رامي والشيخ أبو العلا محمد.
وتعلق خاشقجي بأن فريق العمل يتميز بأنه «مزيج من أنحاء العالم العربي، فعلى سبيل المثال ستقوم النجمة الصغيرة سارة المصري من السعودية بدور أم كلثوم في صباها، أما الموسيقيون فهم من مصر. أما فريق العمل من المخرجة (برونا لوغان) ومساعدها (غرانت مورفي) والتقنيين من إضاءة وتنسيق مناظر وصوت فكلهم من بريطانيا».
وتشيد خاشقجي بالمخرجة ومساعدها اللذين حرصا على التحقق من صحة التفاصيل المختلفة، ومطابقتها للمرحلة التاريخية، حيث قالت: «لقد اهتما بالجانب التاريخي بشكل كبير، وحرصا على التأكد من توافق الشخصيات والملابس والكثير من التفاصيل مع التاريخ. كل شيء مدروس، الحركة، اللبس، الشعر، الرقصة، كل شيء».
لاحظتُ أنها تحدثت عن دمج بعض الشخصيات وإسنادها لممثل واحد، فسألتها عن الاختلافات بين العرض الأول في لندن وعرضها المقبل في الظهران، فأجابت: «العرض في (إثراء) سيكون بفريق أصغر، في لندن كان لدينا نحو 25 شخصاً ما بين المغنين والراقصين والممثلين، وفي دبي كان عددنا 10، ولكننا رأينا أننا سنحتاج لعدد أكبر في (إثراء) خصوصاً أن العرض استعراضي في طبيعته، ويحتاج لمغنين وراقصين وممثلين ولهذا أضفنا اثنين من المؤدين المحترفين. وبالنسبة للفرقة الموسيقية فلدينا عشرة عازفين الآن، بالمقارنة مع 14 موسيقياً في عرض لندن». وبالنسبة للمناظر والديكور تشير خاشقجي إلى أن هناك إضافات في عرض (إثراء)، مثل الشاشة الضخمة التي ستعرض خلفيات من المناظر الطبيعية والأماكن التي تدور فيها الأحداث: «الديكور تغير قليلاً، وأعتقد أنه للأفضل، وبالنسبة لي أراه جميلاً».
وقد سألتها عن المغنية سناء نبيل، وهي حفيدة شقيقة أم كلثوم، والتي تألقت في العروض السابقة، فأجابت: «لن تستطيع الحضور معنا هذه المرة، حيث كانت تقدم فقرة بصفتها ضيفة على العرض، وقدمت عدداً من أغاني أم كلثوم، ولكنها اعتذرت بسبب دراستها الجامعية، واستعضنا عنها بجنيفير غراوت ومها خليفي، كذلك كان الوضع مع المغنية لبانا القنطار التي أدت دور أم كلثوم في نضجها في عروض لندن ودبي «اعتذرت لانشغالها».
أما الأغاني التي قدمها العرض من قبل فهي نفسها، وتتكون من مجموعة منتقاة من أغاني أم كلثوم الشهيرة، وأيضاً القصة لن تتغير تفاصيلها، وهي تتبع صعود أم كلثوم من طفلة تصحب والدها للغناء في الموالد، إلى أن أصبحت «سيدة الغناء العربي».

ملصق المسرحية   -    المغنية أجفان تتقمص شخصية أم كلثوم أثناء البروفات على مسرح إثراء بالظهران (المنتجة)    -     جانب من البروفات على مسرح إثراء بالظهران (المنتجة)
 
- قصة نجاح كلاسيكية
تحرص خاشقجي في حديثها على التأكيد أن العرض الذي كتبته لا يقدم موسيقى وأغاني خالدة فقط: «أطلقت على العرض عنوان (أم كلثوم والعصر الذهبي) لسبب هام؛ فقد أردت من خلاله الاحتفاء بعمالقة مثل محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب وتحية كاريوكا التي تظهر في العرض كشخصية امرأة قوية كان لها دور في الحياة الاجتماعية والسياسية في زمنها. كذلك شخصية المطربة منيرة المهدية، فهي ليست مغنية فقط، بل تمتعت بقوة الشخصية، وأسست مسرحاً خاصاً بها، وكان في منزلها مجلس للساسة والشخصيات الهامة والصحافيين. إنهن نساء قويات، وبالنسبة لي أحضرت للعرض نساءً ملهمات وقويات من ذلك الزمن، تحية كاريوكا كانت ممثلة ومناضلة، حيث كان لها دور في الحياة العامة في مصر. وأرى أن العرض أيضاً يتحدث عن تمكين المرأة، وعن كفاح نساء عظيمات». وبالعودة لنقطة الاختلافات بين لندن والظهران، تقول خاشقجي: «في العرض المقبل لن أستطيع الحفاظ على كل الشخصيات، فمثلاً السنباطي وزكريا أحمد، اضطررنا للاستغناء عن الممثلين اللذين قدما هاتين الشخصيتين من قبل، لكننا حافظنا على الأغنيات التي لحناها، وقدمنا أغاني للملحنين الكبيرين من ذلك الوقت كنوع من الإشادة بهما. أنا ركزت على شخصيتين بشكل أساسي وهما محمد القصبجي الذي ساعدها في بداياتها، والشاعر أحمد رامي الذي أفادها بدراسته الفرنسية في السوربون».
- تأثير أبعد
تذكر أن لأم كلثوم تأثيراً من نوع آخر في عصرها يتعلق بتأثير شخصيتها على النساء بأسلوب اللبس والأناقة، فتقول: «كانت أنيقة جداً، وتأثرت السيدات بها كثيراً في ملبسها وطريقتها، وحرصت على أن أبرز كل ذلك المسرحية من طريقة الكلام واللبس والأسلوب المتفرد لأم كلثوم الذي قلدتها فيه نساء عصرها». وتعد قصة أم كلثوم «قصة نجاح كلاسيكية، من الصفر للقمة، فقد أصبحت أعظم امرأة في زمنها، وبالطبع كان ذلك بمعاونة الرجال، ولكن العامل الأساسي كان ذكاءها، حيث كانت لها شخصية قوية وإسهامات قوية، فقد تولت رئاسة نقابة الموسيقيين، وتمتعت بأذن ذكية تنتقي الكلمات والألحان المناسبة لها. ويجب أن نذكر أيضاً أنها حفرت لنفسها مكانة خاصة، وعوملت كشخصية رفيعة، فقد كانت تُستقبل استقبال الشخصيات الهامة في كل بلد تصل له، وكان الملوك والرؤساء يحتفون بها».
وتستطرد خاشقجي قائلة: «قال لي كثيرون من الأجانب الذين عملت معهم (لا يوجد أي شخصية مماثلة من العالم الغربي، تستقبل كملكة، وموسيقاها لا تزال محبوبة). وقد اختيرت رقم 53 من 200 أسطورة حول العالم، وأشاد بها موسيقيون عالميون». تذكر أنها التقت بالمغنية الأميركية أليشيا كيز، التي قدمت حفلاً غنائياً في العلا العام الماضي، وتحدثت عن المسرحية معها، وأثار اسم أم كلثوم صيحات الإعجاب من المغنية كيز وزوجها: «عبرا عن إعجابهما بأم كلثوم، وقدرتها على التحكم في جمهورها، وقالا إنها تسحر جمهورها، وأشادا بصوتها القوي».
 

مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.