هل سيسلّم صالح والمشري أوراق العملية السياسية للبعثة الأممية؟

المبعوث الأميركي لدى ليبيا يرى أن مبادرة باتيلي تستهدف «التحفيز»

جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
TT

هل سيسلّم صالح والمشري أوراق العملية السياسية للبعثة الأممية؟

جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)

أثارت المبادرة التي أعلنها عبد الله باتيلي، المبعوث الأممي لدى ليبيا، الأسبوع الماضي، بقصد تسهيل إجراء الانتخابات العامة قبل نهاية العام الحالي، أسئلة عديدة في الأوساط السياسية بالبلاد، بشأن كيفية تعامل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» معها، وهل سيسلّم رئيساهما عقيلة صالح وخالد المشري أوراق العملية السياسية برمتها للبعثة كي تتولى إدارتها؟
ومع تفاعل هذه التساؤلات بين أطياف الليبيين، سارعت سفارة الولايات المتحدة لدى البلاد - التي تتبنى بقوة المبادرة الأممية - للإجابة عن شواغل النخبة السياسية، معتبرة أن مقترح المبعوث الأممي يستهدف «تحفيز الجسم السياسي الليبي».
وقالت السفارة في تغريدة عبر حسابها على «تويتر» مساء (الخميس): «سوف يُبنى على التقدم الذي أحرزه كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى قاعدة قانونية للانتخابات».
رسالة الطمأنة التي بثتها السفارة الأميركية، سبقتها مخاوف عديدة من نواب وأعضاء من المجلسين، اعتبر مسؤول سياسي سابق بشرق ليبيا تحدث إلى «الشرق الأوسط»، أنها السبب وراء «مسارعة (الأعلى للدولة) برئاسة خالد المشري بالموافقة على تعديل الإعلان الدستوري، الذي أقره مجلس النواب، وهي الخطوة التي أشاد بها برلمانيون كانوا معارضين للمشري».
وتحدث المسؤول السياسي السابق، الذي رفض ذكر اسمه، عن حالة من «الرفض والغضب تدور داخل أروقة المجلسين بشأن دخول البعثة الأممية على خط الأزمة، بما يؤشر على تحييدهما وسحب ملف الانتخابات ومنحه للجنة التي تعتزم الأخيرة تشكيلها لإدارة الاستحقاق المنتظر».
ودلل المسؤول الليبي على حالة «الغضب» هذه بما نقلته وسائل إعلام محلية عن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي، الذي توعد «بحمل السلاح في وجه البعثة الأممية، إن تجاوزت مجلسه، وتعديله الدستوري».
وذهب إلى أن التأييد الدولي المتمثل في أميركا وبريطانيا للمبادرة الأممية «سيجبر صالح والمشري على التعامل معها، بشكل أو بآخر، لكن يظل رهانهما على البقاء في المشهد السياسي بطرق عدة».
وسعت السفارة الأميركية إلى تبديد مخاوف المجلسين، وقالت إنه «سوف يُبنى على التقدم الذي أحرزاه في التوصل إلى قاعدة قانونية للانتخابات»، وحضت «القادة الليبيين الرئيسيين على التعامل مع (مخطط) المبعوث الأممي بطريقة بناءة»، بل إنها اعتبرت أن «هذه اللحظة تمثل فرصة لهؤلاء القادة لإظهار أنهم فعلاً متفانون في خدمة احتياجات الشعب الليبي»، في إشارة إلى المجلسين.
ورداً على خطوة موافقة المجلس الأعلى للدولة على التعديل الدستوري، رأى عضو المجلس بلقاسم قزيط، أن هذه الموافقة ليست «لقطع الطريق على مبادرة المبعوث الأممي»، كما يتردد، وقال في تصريحات نقلها موقع «ليبيا 24»، إنه «من الممكن التعاون مع باتيلي، في الوصول إلى حل للأزمة الليبية».
وفيما قال إن المجلسين «قطعا خطوات على طريق إعداد القاعدة الدستورية، وعليهما الاستمرار»، مضى محذراً من أنه « يجب ألا يسلما جميع الأوراق للبعثة الأممية؛ لأنها رفضت دعم الخطة الليبية منذ البداية».
ونفت البعثة الأممية أن تكون قد أعاقت أي خطط اتخذها مجلسا النواب و«الدولة»، مشيرة إلى أنها عملت منذ تسلم باتيلي مهام عمله على تيسير التقارب بين الطرفين، دون تدخل منها في أعمالهما.
ويرى الباحث القانوني الليبي رمضان التويجر أنه «في حالَ توافق المجلسين حول المناصب السيادية فإن ذلك سيشكل تحدياً كبيراً لبعض القوة الدولية المتمسكة ببعض الشخصيات منذ ما يزيد على 10 سنوات».
وقال التويجر، في تصريح صحافي (الجمعة)، إن «هذه الخطوة إذا تمت ستكون خطوة أولى نحو تحرير القرار الليبي من الهيمنة الاستعمارية، والذهاب نحو السلام والاستقرار»، متابعاً: «هذه الخطوة لن تكون سهلة، بل (قد تكون مستحيلة) في ظل تعقد المشهد المحلي والدولي».
ودعت بريطانيا، التي وافقت على المبادرة الأممية فور طرحها في الجلسة الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، «الأطراف المعنية الليبية للاتفاق على الخطوات التالية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة»، وقالت في تغريدة عبر حسابها على «تويتر» (الجمعة): «يجب أن يتفق الجميع على شروط الانتخابات واحترام النتائج».
وتنص مبادرة باتيلي على تشكيل لجنة يناط بها تسيير الانتخابات الرئاسية والنيابية في ليبيا، وتضم ممثلين للمؤسسات والشخصيات السياسية والقبائل والمجتمع المدني والمرأة والشباب، تتولى اعتماد القانون الانتخابي، ووضع التدابير اللازمة لتنفيذ الاستحقاق الوطني الذي يترقبه الليبيون.
وكان عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة المؤقتة، استبق أعمال اللجنة المزمع تكوينها، وطالب رسمياً أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، بإرسال مراقبين دوليين للعملية الانتخابية، حتى الانتهاء منها واعتماد نتائجها النهائية، بالإضافة إلى فريق لتقييم الاحتياجات الخاصة بالانتخابات.


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).


مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)

لوَّح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بـ«اتخاذ إجراءات استثنائية (تدريجية) حال استمرار حرب إيران». وقال في تصريحات، السبت، إنه «حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا». وأوضح أن «هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب الإيرانية وعودة الأمور لطبيعتها».

بينما بعثت الحكومة برسائل طمأنة جديدة للمواطنين بشأن «توافر السلع في الأسواق رغم التحديات الراهنة». وأكدت أنها «تتبع (سياسة التدرج) في اتخاذ القرارات؛ لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان».

جاء حديث مدبولي خلال مؤتمر صحافي استعرض فيه مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية وتداعياتها على العالم ومصر.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء أنَّ «قرار (الإغلاق المبكر) للمحال العامة والمقاهي وقاعات الأفراج والمولات التجارية، كان ضرورياً في ظلِّ الوضع الحالي لخفض فاتورة الاستهلاك»، لافتاً إلى أن «جدوى القرار لا تقتصر على استهلاك الطاقة الكهربائية فحسب؛ بل يمتد ليشمل تقليل حركة المركبات التي يستخدمها المواطنون للذهاب لهذه الأماكن، مما يسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة استهلاك الوقود للدولة».

واستثنت الحكومة، الجمعة، المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، إلى جانب محال عامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة من قرار «الإغلاق المبكر».

وتؤكد حرصها على ضمان تقديم تجربة سياحية متكاملة وآمنة ومتميزة لجميع زائري المقصد المصري، بما يعكس المكانة الرائدة التي تحتلها مصر بوصفها إحدى أهم الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وحقَّقت مصر أرقاماً قياسية في استقبال السائحين من الخارج، ووصل عدد السائحين العام الماضي، 2025، إلى أكثر من 19 مليون سائح، بمعدل نمو يصل إلى 21 في المائة مقارنة بالعام السابق، 2024. وتستهدف استراتيجية وزارة السياحة والآثار المصرية الوصول بعدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

كما تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً؛ وذلك لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المُستخدَمة في توليد الطاقة؛ تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي».

وشدَّد مدبولي على أنَّ الحكومة بدأت بنفسها في تنفيذ إجراءات حازمة لخفض فاتورة استهلاك السولار والبنزين، حيث تمَّ الإعلان عن «الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين» لمدة شهرين على الأقل، وكذا التوجيه الفوري بخصم وتخفيض مخصصات الوقود للسيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30 في المائة.

وتحدَّث مدبولي، كذلك خلال المؤتمر الصحافي، السبت، عن الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة والوقود عالمياً خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن «الحكومة تتابع من كثب تطورات الأسواق الدولية». وأشار إلى أنَّ «الزيادات الأخيرة في الأسعار تمَّ احتسابها على أساس سعر إغلاق برميل البترول عند مستوى 105 دولارات، في حين سجَّلت الأسعار العالمية، الجمعة، نحو 112 دولاراً للبرميل عند الإغلاق، مما يعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة المنتجات».

وبحسب مدبولي فإنَّ الحكومة تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، لذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.

مصطفى مدبولي استعرض السبت مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية (مجلس الوزراء المصري)

أيضاً أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه تمَّ التوافق على بدء تفعيل «منظومة العمل عن بُعد»، يوم الأحد من كل أسبوع، اعتباراً من أول أبريل (نيسان) المقبل ولمدة شهر. وقال: «إن المنظومة ستُطبَّق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية»، موضحاً أنه «تمَّ التوافق على عدم تطبيق منظومة العمل عن بُعد في المدارس والجامعات؛ نظراً لأن الفترة المتبقية من العام الدراسي قصيرة وتُقدَّر بنحو شهر ونصف الشهر، ولتجنب أي تأثير سلبي على العملية التعليمية في هذه المرحلة».

ووفق مدبولي فإنَّ الدولة المصرية تعيش مرحلةً مغايرةً تماماً لما شهدته خلال عامَي 2023 و2024. ويفسر: «إننا (اليوم) في وضع مختلف كلياً عمّا واجهناه سابقاً؛ حيث كانت هناك أزمة حادة في العملة الصعبة أدت لتعذُّر تدبير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، أما (اليوم) فإن تأكيدات (اتحاد الغرف التجارية) و(اتحاد الصناعات) تشير إلى توافر مخزون من المواد الخام والمستلزمات يكفي لأشهر عدة مقبلة».

كما تحدَّث مدبولي عن الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة المصرية لإيقاف الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «مصر لا تتوانى عن بذل جميع الجهود الدبلوماسية الممكنة في سبيل إيقاف هذه الحرب».

وسلَّط الضوءَ على الجولة «شديدة الأهمية» التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي لدول الخليج العربي، والتي شملت المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، مؤكداً أن «هدف هذه الزيارات كان نقل دعم مصر الكامل - قيادة وحكومة وشعباً - للأشقاء في دول الخليج، ومساندتهم الكاملة في هذه الحرب، مع التعبير عن رفض مصر التام للاعتداءات التي تتم على هذه الدول»، والتأكيد على أن «أمن مصر يبدأ من أمن دول الخليج العربي».