حكايات عن جنون جمع الكتب

التاريخ الأدبي بوصفه ظاهرة حية

حكايات عن جنون جمع الكتب
TT

حكايات عن جنون جمع الكتب

حكايات عن جنون جمع الكتب

الهوس بجمع الكُتب ظاهرة موجودة بشكل أو بآخر، ومهما جادل المهووسون بالكلمة المطبوعة؛ فإنه أمر يكاد يكون عبثاً محضاً؛ إذ إن مراكمة كمية هائلة من المجلدات لمطلق متعة امتلاكها يبدو على الأقل في شكله المتطرف نوعاً من عُصاب الوسواس القهري؛ وإن كانت جمعيات الطب النفسي لم تُدرجه بعد على قوائمها بوصفه مرضاً معترفاً به. وتتعدد الأشكال الذي يأخذها هذا الهوس: جمع الطبعات الأولى، أو الموقعة من المؤلف، أو الأعمال المصورة، أو الكتب الممنوعة، أو النادرة، أو المطبوعة في وقت معين، أو المخطوطات الأصلية للكتب المشهورة... وغيرها من «الأعراض» الممكنة التي يعود أول نص مكتوب في وصفها إلى عام 1809 في كتاب «جنون الكتب» الذي وضعه القس توماس فروجنال.
أحدث الإضافات في تسجيل حكايات الهوس بالكتب جاءت بقلم أستاذة الإنسانيات بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، دينيس جيجانت، التي وضعت نصاً جاداً كثيفاً ممتعاً عن ظاهرة جنون جمع الكتب في «أميركا القرن التاسع عشر»، انطلقت فيه من لحظة عرض محتويات مكتبة الكاتب الأميركي تشارلز لامب للبيع، لتنقل لنا أجواء أولئك المهووسين على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وكيف تحولت عند بعضهم إلى «طريقة حياة»، وتأثيرهم العميق - شئنا أم أبينا - على مجمل الحالة الثقافية في الولايات المتحدة في زمن تحولات كبيرة، كما دورهم في إثارة الاهتمام العام بالكتب والمكتبات العامة والجامعية.
أما تشارلز لامب، الذي جعلت الأستاذة جيجانت من بيع محتويات مكتبته خيطاً ذهبياً يجمع حكايات جنون الكتب في قرن، فقد كان كاتباً بريطانياً - أميركياً مشهوراً في وقته (توفي عام 1834) رغم أنه شبه مجهول الآن، وقد كان لهوسه بالكتب القديمة وفلسفته الخاصة في ذلك تأثير الوباء في نشر اهتمام غير مسبوق بجمع المجلدات على جانبي المحيط الأطلسي. «الكتب الحقيقية» بالنسبة له كانت «كتباً ذات ماض». وقد يشمل ذلك نسخاً امتلكها أدباء معروفون وتحمل آثار قراءتهم لها من فتات الخبز والجبن، أو التي تم قطع ملازمها الملتصقة بسكين زبدة «مستعمل»، أو تعشقت بدخان التبغ، أو انسكب على صفحات منها شراب كحولي، أو سقطت عليها قطرات من الشمع، أو قُطعت منها رسوم توضيحية محددة، أو دُبجت على جوانبها ملاحظات من القراء. هواة جمع الكتب التقليديون على البر الأوروبي كانوا يعدّون أشياء مثل تلك عيوباً تنقص من قيمة النسخة، لكن فلسفة لامب التي تربط بين نُسخ الكتب والأشخاص في علاقة عاطفية خاصة، تحولت إلى مزاج واسع بين جمهور القراءة في «أميركا النصف الأول من القرن الثامن عشر»، وتحول الرجل إلى نسق من قديس للكتب يؤمن به الملايين، مما يفسر الضجة الكبيرة في عام 1848 التي رافقت عرض بعض محتويات مكتبته للبيع في مدينة نيويورك؛ إذ تصدرت أخبارها عناوين صحف الولايات المتحدة حينذاك بعد أن تنافس الأثرياء على اقتناء 60 عنواناً امتلكها لامب، وحقق بعضها أرقاماً فلكية بمقاييس أسعار ذلك الزمان.
وفق جيجانت؛ في كتابها الذي عنونته «جنون الكتب: قصة جامعي الكتب في أميركا»، فإن حمى لامب كانت جزءاً من مزاج عام يملأه الحماس لبناء المكتبات وجمع الكتب ساد أميركا الشمالية مع ازدهار ونزوع بين النخب نحو الاهتمام بالثقافة عموماً، وهو مزاج كان مدفوعاً جزئياً بشعور المنافسة مع أوروبا القديمة بعد الاستقلال عن التاج البريطاني، وتوسع الطبقة الوسطى المرتاحة التي كانت تكرس وقت فراغها للقراءة، والبحبوحة الاقتصادية التي شهدتها مرحلة منتصف القرن التاسع عشر وفرت أموالاً طائلة لكثير من رجال الأعمال الذين صاروا يتفننون في طرق إنفاقها. مثلت الكتب وقتها أداة عصرية لادعاء الثقافة والاستعراض، وأصبح بناء مكتبة خاصة، أو المساعدة في إنشاء مكتبة عامة هائلة ليس مدعاة للتفاخر الشخصي فقط؛ بل كان يتوافق مع الطموح لإظهار النضج الثقافي لأميركا الصاعدة.
تتتبع جيجانت بصبر عجيب مصائر كثير من كتب لامب تلك، وتقودنا في خضم تعقيدات هائلة بسبب عدد الشخصيات المعنية وتعدد الكتب وأشكال الهوس بها؛ بداية من الناشرين، إلى علماء الآثار، مروراً بالأثرياء والتجار الصغار والصحافيين، والمحررين، وكتاب المراجع، وأمناء المكتبات، والممثلين المشهورين، والسياسيين، والشعراء، ورجال الدين، والمحسنين... هناك مثلاً جورج ليفرمور، الذي كان تاجر صوف في بوسطن وتخصص في جمع طبعات الكتاب المقدس، فكان يمتلك المئات منها ويتفاخر بمعرفته تاريخ كل منها بتفاصيله. أيضاً توماس داوز، الذي حقق ثروة صغيرة من صناعة الدباغة وجمع مكتبة من المجلدات الفاخرة بلغ تعدادها نحو 5 آلاف، وقضي سنوات تقاعده محتاراً فيمن يجب أن يرثها عنه.
ونتعرف كذلك على جيمس لينوكس؛ الذي أصبحت مجموعة كتبه الضخمة جزءاً من مكتبة نيويورك العامة، وتصفه جيجانت بأنه كان مهووساً خجولاً كرس جل وقته لتجميع الكتب، و«كانت له عين الصقر في صيد النادر منها، وقد ملأ قصره في قلب نيويورك بالمجلدات لدرجة أنه تخلى عن وضعها على الرفوف، وشرع في تكديس بعضها فوق بعض على الأرض، وكلما امتلأت غرفة بها حتى السقف أغلق عليها الباب وانتقل للتكديس في غرفة أخرى، حتى احتلت الكتب كل أرجاء القصر الكبير. وقد كان كثيراً ما يعجز عن تحديد مكان مُؤلف معين يحتاج إليه، مما قد يبرر وجود نسخ عدة من كثير من العناوين ضمن مجموعته. لكن درة قلبه كانت نسخة تامة ومثالية من (إنجيل غوتنبرغ) الشهير؛ أول كتاب مطبوع في العالم الغربي كله، تمكن هنري ستيفز وكيله من شرائها بعد بحث مضن استمر لسنوات، ليتفوق بذلك حتى على ليفرمور المختص في طبعات الكتاب المقدس والذي امتلك نسخة غير مكتملة من الطبعة النادرة ذاتها».
هناك أيضاً جورج سترونغ؛ وهو محام ثري كان معروفاً في أجواء نخبة نيويورك، وكان تعهد لرفاقه عندما كان مراهقاً بتجميع مكتبة من 12 ألف كتاب مطبوع وألف مخطوطة. ورغم أن انشغاله لاحقاً بعمله، وزواجه، منعاه من تحقيق حلمه كاملاً، فإنه امتلك مجموعة ضخمة من «الكتب ذات الماضي» على صيغة لامب، بما فيها 6 من كتب من مجموعة لامب الخاصة.
وتشير جيجانت إلى أن الهوس بجمع الكتب في «أميركا القرن التاسع عشر» لم يقتصر على هواة التجميع الشخصي؛ بل كان هناك آخرون مثل جوزيف كوجسويل؛ البطل الحقيقي وراء مجموعة «مكتبة أستور» الشهيرة المنسوبة إلى جون جاكوب أستور؛ تاجر الفراء الثري للغاية وقطب العقارات في نيويورك. لم يكن الأخير برجل ثقافة وكتب، لكنه امتلك طموحاً لترك شيء لا يُنسى باسمه، وقد جمعته الأقدار مع كوجسويل الذي كان مثقفاً محبطاً؛ لكنه خبير بالكتب والمعارف، وتوافقا على تأسيس مكتبة عامة، أنفق أستور عليها ماله، وكوجسويل سنواته رغم الراتب الضئيل. ويبدو أن العجوز الثري توقف لاحقاً عن إنفاق الأموال، وتوفي في 1848، لكن كوجسويل استمر بعدها لسنوات مهووساً بمطاردة الكتب، وكان يقضي أيامه في رصد كتالوغاتها وزيارة متاجرها، ومتابعة مزاداتها، ويقضي لياليه بين أكداس منها تصل إلى السقف. لكن إنجازه بعد 20 عاماً كان يثير الإعجاب: لقد أنشأ أفضل وأكبر مكتبة في الولايات المتحدة في زمنها؛ احتوت ما يزيد على مائة ألف مجلد توزعت على نحو 3 كيلومترات من الأرفف. وتقول جيجانت إن من بين مقتنيات «مكتبة أستور» 6 كتب من مجموعة لامب العتيدة.
تعدّ جيجانت أن نصها ليس حول الهوس المرضي بالكتب، بقدر ما هو «تجربة سردية في التاريخ الأدبي الجمعوي الذي ينظر إلى الأدب بعيون محبي الكتب»؛ أي «كظاهرة حية»، توسعت في وقت محدد في أميركا انعكاساً لتطور الحياة الفكرية والثقافة لمجتمع كان يتأهب ليصبح دولة العالم العظمى، وجانباً مهماً من المناخ الذي هيأ لذلك الصعود. لقد كان هؤلاء المهووسون وصيادو الكتب بشكل ما رواداً ضحوا بوقتهم وأموالهم؛ وأحياناً بحياتهم الاجتماعية، لكن جهودهم عادت بالفائدة على أجيال متتابعة.

«جنون الكتب: قصة جامعي الكتب في أميركا» Book Madness
المؤلفة: دينيس جيجانت
Denise Gigante


مقالات ذات صلة

مؤرخ يهوديّ يفكك مفهوم «معاداة السامية»

كتب مارك مازور

مؤرخ يهوديّ يفكك مفهوم «معاداة السامية»

في خضم الصراعات السياسية والثقافية المحتدمة التي شهدها الغرب على هامش الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، يبدو مصطلح «معاداة السامية» وكأنه فقد حدوده التعريفية.

ندى حطيط
كتب كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية

كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية

برغم الحضور البارز لهُوية القرية العُمانية في رواية «الرّوع» للروائي والشاعر العماني زهران القاسمي، فإن البناء النفسي لبطلها «محجان» يبدو هو المحرّك الأعمق للسر

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب بوابة إلى عالم أفريقيا

بوابة إلى عالم أفريقيا

يكاد الأدب الأفريقي يكون مجهولاً للقارئ العربي، ليس بسبب غيابه، بل بسبب قلة الترجمات من هذا الأدب، إذا ما استثنينا تلك الترجمات للأعمال التي تفوز بجوائز عالمية.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق جانب من الإقبال الكبير الذي شهده «معرض جدة للكتاب» الموسم الماضي (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

جدة تستقبل معرضها للكتاب الخميس ببرنامج ثقافي حافل

تشهد جدة، الخميس، انطلاق فعاليات «معرض الكتاب»، الذي يمنح الزائر مزيجاً غنياً من المعرفة والإبداع يستكشف فيه أحدث الإصدارات الأدبية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
ثقافة وفنون جين اوستن

«عزيزتي كاسندرا»... نافذة على الحياة الخاصة لجين أوستن

بمناسبة مرور 250 عاماً على ميلاد الكاتبة البريطانية جين أوستن، أصدرت دار نشر «فينيتيود» الفرنسية كتاباً جديداً بعنوان: «عزيزتي كاسندرا».

أنيسة مخالدي (باريس)

«يوميات سجين» يكشف عن العالم الخفيّ داخل زنزانة ساركوزي

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
TT

«يوميات سجين» يكشف عن العالم الخفيّ داخل زنزانة ساركوزي

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)
رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)

عاد نيكولا ساركوزي إلى صدارة المشهد الفرنسي بقوة غير متوقعة مع صدور كتابه الجديد «يوميات سجين»، الذي يسرد فيه تفاصيل واحد وعشرين يوماً أمضاها داخل سجن لا سانتي. وفي أول ظهور علني له بعد نشر كتابه، احتشد المئات من معجبيه في إحدى مكتبات باريس الكبرى، حيث وقّع نسخ الكتاب بابتسامة امتزج فيها شيء من الاعتزاز بشيء من التأثر. كان واضحاً أن الرجل الذي عاش ثلاثة أسابيع خلف الجدران، يخرج اليوم ليلتقي جمهوراً لم يبتعد عنه رغم كل العواصف القضائية والسياسية التي مر بها.

وصول الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى مكتبه في باريس 10 ديسمبر 2025 لتوقيع نسخ من مذكراته «يوميات سجين» (رويترز)

يستعيد ساركوزي في الكتاب اللحظة الأولى التي أُغلق فيها باب الزنزانة خلفه. كانت الغرفة الضيقة، ذات الألوان الرمادية المتراكمة، بمثابة عالم يبتلع كل ما حمله معه من ماضي السلطة والأضواء. السرير المعدني والطاولة الخشبية البسيطة والجدران الباردة بدت كأنها تحاصر روحه قبل جسده، وتجرده من الهيبة التي التصقت به طوال عقود. كان عليه أن يواجه حقيقة لم يتوقعها قط: أن الرجل الذي حكم فرنسا يوماً، أصبح الآن سجيناً في اثني عشر متراً مربعاً لا يكاد يتنفس فيها.

رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)

في هذا الفراغ القاتل، وجد ساركوزي نفسه يلجأ إلى الإيمان، يركع للصلاة كما لو أن السجود كان الطريق الوحيد للحفاظ على تماسكه. ويعترف بأن لقاءاته مع قسّ السجن كانت متنفساً يمنحه شيئاً من السكينة وسط بحر من القلق. أما الزيارات العائلية، فكانت أشبه بجرعة حياة يعود بها إلى نفسه، خصوصاً حين كانت زوجته كارلا بروني وابنه جان يزورانه. يقول إن تلك اللحظات أعادته من حافة الانهيار.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وهو يشارك في جلسة توقيع كتابه «يوميات سجين» في يوم صدوره في مكتبة لامارتين بباريس في 10 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لم تكن الأيام داخل السجن متشابهة. بعضها كان يمر ببطء خانق، وبعضها يتسم بمفاجآت غير متوقعة، مثل اليوم الذي أخبرته فيه مديرة شابة بأن نائبين من حزب «فرنسا الأبية» يتجولان في السجن برفقة صحافي ومصور. فهم على الفور أن وجودهم لم يكن لغاية إنسانية، بل كان خطوة سياسية هدفها التقاط صورة له أو إثارة الجدل حول ظروف احتجازه. آثر البقاء في زنزانته احتراماً لكرامته، رافضاً المساهمة في مشهد أراد البعض تحويله إلى مادة إعلامية. ويصرّ في كتابه على أن زنزانته لم تكن تحظى بأي امتياز، بل كانت أبوابها مغلقة دائماً، على عكس بعض السجناء الآخرين.

علاقته بماكرون

ولم تكن علاقته بالرئيس إيمانويل ماكرون بعيدة عن هذا السرد. يكتب بصراحة أن الصمت الذي واجهه من الإليزيه كان علامة على توتر عميق، وأن غياب أي تواصل من ماكرون خلال تلك الفترة شكّل له خيبة شخصية أكثر مما شكّل له خيبة سياسية. وفي المقابل، تلقّى دعماً مفاجئاً من مارين لوبان وشخصيات من اليمين المتطرف، وهو ما شكّل مفارقة سياسية لافتة لم يتردد في ذكرها، لأنها – كما يقول – جزء من الحقيقة التي تعرّت له خلال تلك التجربة.

دعم غير متوقّع... مارين لوبان وأصوات من اليمين المتطرف

ومع أن علاقته بماكرون اتسمت بالبرود الذي ازداد خلال محنته، فإن المفاجأة جاءت من جهة لم يكن يتوقعها. ففي واحدة من أكثر لحظات الكتاب إثارة للجدل، يكشف ساركوزي عن اتصالات دعم وصلته من مارين لوبان وقياديين في حزب التجمع الوطني. لم يخفِ أنه فوجئ بتعاطف اليمين المتطرف معه، وأن هذا الدعم غير المتوقع أعاد إلى ذهنه أسئلة أعمق حول مستقبل اليمين الفرنسي وتحوّلاته. لقد فتح هذا الاعتراف باباً واسعاً للنقاش، فعدّ البعض أن ساركوزي يعيد رسم موقعه داخل الخريطة السياسية، بينما رأى آخرون أنه يلمّح إلى قناعة جديدة بضرورة إعادة التفكير في حدود التحالفات بين يمين الوسط واليمين القومي. كان لهذا المقطع وقع الصدمة في أوساط الجمهوريين، لأنّه يكشف عن مستويات من إعادة التموضع السياسي لم تكن مطروحة بهذه الجرأة من قبل.

الملك محمد السادس... مكالمة تهزّ القلب

ولا يكتمل السرد دون الإشارة إلى واحدة من أكثر اللحظات إنسانية التي تضمنها الكتاب، وهي الاتصال الذي تلقّاه من الملك محمد السادس. يروي ساركوزي أن العاهل المغربي كان من أوائل من هاتفوه قبل سجنه وبعده، وأن صوته كان يحمل تأثراً حقيقياً وهو يتحدث عن محنته. يقول إنه شعر بصدق عاطفي لا يصدر إلا عن قلوب كبار القادة، وإن العلاقة التي تربطه بملك المغرب علاقة تقدير متبادل لم تتأثر بتبدل المناصب ولا بالأزمات.

وعلى امتداد الصفحات، يؤكد ساركوزي أن ما عاشه في السجن لم يبدّد إصراره على البراءة، بل جعله أكثر تشبثاً بالدفاع عن نفسه. يرى أن ملف التمويل الليبي هشّ، وأن الحكم الذي صدر بحقه كان قاسياً، وأنه واثق من أن العدالة ستصحّح المسار في مرحلة الاستئناف.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يشارك في جلسة توقيع لكتابه «يوميات سجين» في مكتبة لامارتين بباريس يوم صدوره في 10 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

اختبار البراءة... معركة مع القضاء والوقت

وفي جانب آخر من الكتاب، يَظهر إدراك واضح بأن محنته لم تكن معزولة عن سياق سياسي وقضائي أكبر. يهاجم النظام القضائي الفرنسي بنبرة حادة، ويصف تجربته داخل السجن بأنها جزء من «عملية تهدف لإضعافه سياسياً وتشويه تاريخه». ويشير إلى أن الحكم الصادر بحقه في قضية التمويل الليبي كان في رأيه «قاسياً وغير قائم على أدلة دامغة»، عادّاً أن بعض القضاة أصبحوا، في نظره، طرفاً لا يقف على الحياد، بل جزءاً من صراع سياسي يتجاوز حدود الملفات القضائية. ويذهب أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن خصومه السياسيين كانوا ينتظرون سقوطه بفارغ الصبر، وأن بعضهم ساهم في خلق مناخ ضاغط دفع القضاء إلى التشدد في التعامل معه.

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يوقع نسخة من كتابه «يوميات سجين» لأحد القراء في يوم صدوره في مكتبة لامارتين بباريس في 10 ديسمبر2025 (أ.ف.ب)

خروج من السجن... وبداية هدوء مختلف

خرج ساركوزي من السجن رجلاً تغيّر كثيراً. كان يقول إنه شعر بأن الهواء خارج الجدران مختلف، وأن شيئاً في داخله قد انكسر، لكن شيئاً آخر أقوى قد تولّد من رحم المحنة. ولهذا بدا مشهد توقيع الكتاب اليوم في باريس أشبه بالعودة الرمزية إلى الحياة العامة، عودة يختلط فيها الألم بالفخر، والصدمة بالرغبة في النهوض مجدداً. لقد كانت الوجوه التي احتشدت أمامه، والعيون التي تابعت كلماته وهو يكتب الإهداءات، دليلاً على أن الرجل الذي عاش واحداً وعشرين يوماً في العالم الرمادي، يعود اليوم إلى الضوء ومعه روايته الخاصة، رواية قد تغيّر موقعه، وقد تغيّر معه مستقبل اليمين الفرنسي نفسه.


مؤرخ يهوديّ يفكك مفهوم «معاداة السامية»

مارك مازور
مارك مازور
TT

مؤرخ يهوديّ يفكك مفهوم «معاداة السامية»

مارك مازور
مارك مازور

في خضم الصراعات السياسية والثقافية المحتدمة التي شهدها الغرب على هامش الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، يبدو مصطلح «معاداة السامية» وكأنه فقد حدوده التعريفية الواضحة، وتحول إلى ساحة معركة دلالية مسيّسة بأكثر مما هو توصيف لظاهرة تاريخية. كتاب المؤرخ البريطاني البارز وأستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، مارك مازور، «عن معاداة السامية: تأريخ للمصطلح» محاولة تفكيكية جريئة للمفهوم، لا يكتفي فيه بسرد تاريخ كراهية اليهود، وإنما يغوص في تاريخ «الكلمة» نفسها، وكيف تحولت من توصيف لحركة سياسية أوروبية في القرن التاسع عشر، إلى سلاح جيوسياسي في القرن الحادي والعشرين يُستخدم لخدمة سياسات دولة إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب.

ينقسم «عن معاداة السامية» إلى قسمين رئيسيين يعكسان التحولات الجذرية للمفهوم: الأول يتناول صعود وسقوط معاداة السامية كحركة سياسية أوروبية، بينما يعالج الثاني «النموذج المفاهيمي الجديد» الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً منذ سبعينات القرن الماضي.

ينطلق مازور من تمييز جوهري وحاسم بين كراهية اليهود كظاهرة قديمة قدم التاريخ الديني في أوروبا، ومصطلح «معاداة السامية»، الاختراع الحديث نسبياً، الذي تم صكه في أواخر القرن التاسع عشر في ألمانيا، مع التشديد على خطورة الخلط غير البريء بين العداء الديني التقليدي والظاهرة الحديثة. ويرى أن معاداة السامية «الكلاسيكية» نشأت كحركة سياسية مضادة للحداثة، وجاءت كرد فعل مباشر على عصر التحرر الذي منح اليهود حقوق المواطنة المتساوية في الدول الأوروبية. هدف هذه الحركة تجاوز مستوى ترويج صور نمطية سلبية عن السكان اليهود، وسعت إلى إقناع الجمهور بأنهم أقلية تشكل تهديداً وجودياً يمس القضايا الاجتماعية والسياسية الجوهرية للدولة القومية الصاعدة.

في تلك الحقبة، تداخل المفهوم مع النظريات القومية والعرقية الزائفة التي سادت القارة القديمة، لتبلغ هذه الحركة ذروتها مع صعود النازية إلى السلطة في ألمانيا. وهنا يطرح مازور فكرة لافتة: إن هزيمة أدولف هتلر لم تنهِ التحيز ضد اليهود، وإنما أدت إلى «نزع الشرعية عن معاداة السامية كبرنامج سياسي إيجابي». بمعنى آخر، لم يتوقف الناس عن كراهية اليهود بعد عام 1945، لكن التباهي العلني بذلك والترويج له كمنصة انتخابية أصبح أمراً منبوذاً رسمياً وأخلاقياً في الغرب.

القسم الثاني، والأكثر إثارة للجدل، يتفرغ لمعالجة المعضلة المعاصرة، ويجادل بأن العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد تأسيس إسرائيل عام 1948 وحرب 1967، شهدت تحولاً جذرياً في معنى ووظيفة المصطلح. ففي السابق، كان اليهود يُعرّفون بوصفهم أقلية مضطهدة في الشتات الأوروبي، لكن مع تأسيس دولة إسرائيل وانتقال مركز الثقل اليهودي إلى الولايات المتحدة وتل أبيب، بدأت عملية إعادة تشكيل للمفهوم. ويوضح مازور كيف تمت «صهينة» الحياة اليهودية الأميركية، بحيث أصبحت إسرائيل ركيزة أساسية للهوية اليهودية العلمانية. هذا الاندماج أدى إلى ولادة ما يُسمى «معاداة السامية الجديدة» في السبعينات، وهو نموذج مفاهيمي موتور ساوى بين «معاداة السامية» و«معاداة الصهيونية» أو النقد الجذري للدولة العبرية.

يوفر النص تحليلاً دقيقاً لهذا الانزلاق الدلالي، فيتحدث عن جهود مؤسسية، قادتها منظمات يهودية أميركية والحكومة الإسرائيلية، لترسيخ فكرة أن أي عداء لإسرائيل هو بالضرورة نابع من كراهية أزلية لليهود، ويشير أيضاً إلى دور لعبه الاتحاد السوفياتي في نشر «معاداة الصهيونية» كغطاء لمعاداة السامية التقليدية في الكتلة الشرقية، مما زاد المشهد تعقيداً، لكنه يرفض السردية التي تقول إن العداء العربي لإسرائيل هو مجرد امتداد لمعاداة السامية الأوروبية، ويستشهد باعترافات خاصة لديفيد بن غوريون، مؤسس إسرائيل، الذي أقر بأن العداء العربي نابع من نزاع على الأرض («لقد جئنا وسرقنا بلدهم»)، وليس من كراهية عرقية، رغم استغلال بعض النخب العربية أحياناً لنظريات المؤامرة الأوروبية في معرض تبريرها للهزائم العسكرية.

في «عن معاداة السامية» مساحة مهمة لنقد «الأرثوذكسية الجديدة» التي هيمنت على الخطاب الغربي في القرن الحادي والعشرين. هذه الأرثوذكسية، المدعومة بوزارات الخارجية الغربية، تسعى لتعقب معاداة السامية اعتماداً على تعريفات فضفاضة، أبرزها تعريف «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» (IHRA). الذي ينتقده مازور بشدة، عادّاً إياه أداة إدارية غامضة أكثر منه تعريفاً علمياً دقيقاً، ويرى خطورته في كونه شاملاً وغير دقيق، ما يسمح باستخدامه لقمع الخطاب السياسي المشروع.

وبالفعل، وبدلاً من حماية اليهود من العنصرية الحقيقية، تحول المصطلح إلى وسيلة لحماية دولة إسرائيل من النقد السياسي. وللمفارقة تقوم أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا (التي جددت تراث الفاشية) واليمين المسيحي في أميركا بتبني مواقف داعمة لإسرائيل بشدة، ما يسمح لهم، وهم مُعادو السامية التقليديين، بغسل سمعتهم عبر توجيه تهمة معاداة السامية نحو اليسار والنشطاء الحقوقيين والطلاب الذين ينتقدون السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. لقد أصبح اتهام الجامعات الأميركية بأنها «بؤر لمعاداة السامية» تكتيكاً أساسياً في حرب ثقافية أوسع يشنها اليمين ضد المؤسسات الأكاديمية والتقدمية.

ويرى المؤلف بوصفه يهودياً تأثر بأحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) والحرب على غزة، أن المبالغة في استخدام المصطلح وتوسيع دلالته، يؤديان في النهاية إلى إفراغه من معناه وتقويض النضال الحقيقي ضد الكراهية. لكنه لا يكتفي بالتشخيص، بل يحاول تقديم مخرج من هذا المأزق المفاهيمي عبر العمل ضمن مسارين متوازيين؛ أولهما التعامل مع معاداة السامية كشكل من أشكال العنصرية والتحيز العرقي - الديني الذي يجب محاربته ضمن استراتيجية أوسع لمناهضة العنصرية بأشكالها كافة، وثانيهما التعامل مع الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني صراعاً سياسياً ونزاعاً على الأرض والسيادة وحقوق الإنسان، وهو مجال قابل للنقاش والنقد السياسي الحاد دون أن يوصم ذلك بالضرورة بمعاداة السامية. ويؤكد أنه من الممكن التعبير عن الغضب إزاء مقتل المدنيين في غزة، والمطالبة بالعدالة للفلسطينيين دون الانزلاق إلى نظريات المؤامرة القديمة حول «النفوذ اليهودي العالمي». إذ ينتهي الخلط بين الأمرين إلى خدمة أغراض المتطرفين من الجانبين: أولئك الذين يريدون تحصين إسرائيل من أي نقد، وأولئك الذين يريدون تبرير كراهيتهم لليهود بغطاء سياسي.

يتميز أسلوب مازور بالدقة التاريخية والابتعاد عن الانفعال في محاولته النبيلة لتفكيك طبقات تراكمات تاريخية سياسية غلفت استعمال هذا المصطلح الخطير، ولعل أهم ما يقدمه هو تحذيره الرؤيوي من أن «معاداة - معاداة السامية» بصيغتها الحالية، قد تتحول إلى آيديولوجيا قمعية تغلق باب النقاش، وتضر في نهاية المطاف باليهود أنفسهم عبر عزلهم عن حلفائهم الطبيعيين في حركات العدالة الاجتماعية، وربط مصيرهم بشكل حصري بسياسات دولة واحدة.

«عن معاداة السامية» كتاب عالي القيمة يدعونا إلى ألا ننصاع للتوظيف الآيديولوجي للمصطلحات، بل علينا مساءلتها وفهم سياقاتها، لضمان ألا تصبح اللغة أداة للقمع بدلاً من كونها وسيلة للفهم، لكنه يتطلب بالضرورة جمهوراً مستعداً للتخلي عن الاستكانة التي توفرها الشعارات الجاهزة، وتقبل تعقيدات التاريخ والسياسة.

عن معاداة السامية: تأريخ للمصطلح

On Antisemitism: A Word in History by Mark Mazower, Allen Lane,2025

المؤلف: مارك مازور

الناشر: ألن لين


كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية

كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية
TT

كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية

كسر الخوف وتحويله إلى «فزّاعة» عاطفية

برغم الحضور البارز لهُوية القرية العُمانية في رواية «الرّوع» للروائي والشاعر العماني زهران القاسمي، فإن البناء النفسي لبطلها «محجان» يبدو هو المحرّك الأعمق للسرد، حيث العالم يُعاد ترتيبه وفق هواجس الداخل، لا وفق تضاريس المكان وحدها.

في الرواية، الصادرة في طبعتها الجديدة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يظهر «محجان» بطلاً يُحركه الخوف أكثر من أي دافع آخر، فيصنع «فزّاعة» تحرس مزرعته، ينحتها من خوفه، مستعيناً بالقشّ والقماش والخشب، وكأن الرواية تعيد تمثيل موروث «الفزاعة» التي يلجأ إليها البطل للحماية، إلا أن مُخيلته تدفعه إلى أفق أكثر تشابكاً وتعقيداً؛ أفق يقترب في بنيته من طيف «فرانكنشتاين» لدى ماري شيلي، لا من جهة التشابه السردي، بل من حيث وقوف الإنسان أمام «مصنوعه» مأخوذاً ومفتوناً، فيقف محجان أمام فزاعته كمن يُعاين روحه وقد اكتسبت جسداً، فيقول الراوي: «شيء لا يُصدّق! كيف استطاع أن يصنعه أخيراً بذاك الكمال، تكاد الحياة تدب في أوصاله، والدم يتدفق في عروقه، محدقاً فيه بعشق من وجد ذاته» لتؤول فزّاعة الخشب إلى كائن يرى فيه محجان «هشاشته»، أكثر مما يرى فيه حمايةً لقمحه وسنابله.

مُعادل عاطفي

تفيض لغة الرواية بشِعرية دافقة، تضفي حالة من «الأنسنة» على تلك «الفزّاعة»، وهو ما ينعكس على الحالة العاطفية التي تجمع البطل بها، فهو يرفعها إلى مقام الخِطاب، ويشحنها بملامح أنثوية تستعيد مواريث الحماية في الحضارات القديمة، فيرقّيها من درجة الجماد إلى درجة الإنسية ذات الأثر والنداء، حتى يتجاوز حضورها وظيفتها، ليمنحها منزلة وجدانية، كشريكة لهواجسه، لا مجرد أداة حراسة.

يُطلق البطل على فزّاعته اسم «الرّوع»، الذي جمع فيه كل مواريث الرعب التي مرّت عليه في قريته، فيجد في تلك التسمية مقاماً جامعاً للهيبة والمنعة والردع، يمنحها لجسد من قشّ وخشب وقماش، موكلاً إليها حماية مزرعته، وتنقية ذاكرته من كل مصادر خوفه؛ بداية من كائنات الليل وحتى ثياب العجائز السوداء.

لا تنتهي سيرة «الرّوع» بمجرد صنعها، إذ تتحوّل تدريجياً إلى مُعادل عاطفي يذوب فيه الحدّ بين الحب والخوف، وبين الأمان والفزع، فيختصّ البطل نفسه بالتودد لها، ويعتبرها خازناً لأسراره، يقترب منها مستشعراً مهابتها ورهبتها، وفي مفارقة إنسانية يحتضنها ويبكي فوق كتفها، ويتساءل: «الرّوع زعلانة... أنا السبب»، وذلك في لحظة تبرير لعجزها عن حماية مزرعته، وعندما تقف وحدها في الحقل «باسطة ذراعيها مثل وحشٍ جبار نبت فجأة في المكان»، يتسعّ حضورها ليغدو أقرب إلى هيمنة كائن أسطوري منه إلى هيكل فزّاعة هشة.

شريك وجودي

يقدّم النص بطله المركزي من منظورين متقابلين؛ منظور ذاتي، حيث يبدو كائناً مذعوراً يتخبّط في قلقه الوجودي، ومنظور خارجي، حيث يُرى بعين أهل القرية كشخص مُثير للتندر، ومادة للسخرية وسِهام الأمثال الشعبية؛ فيُضرب به المثل ويُختزل في طول قامته اللافت وفجاجة حضوره، فيُحاصره المثل الشعبي القائل: «الطول طول نخلة والعقل عقل صخلة».

هكذا يتوارى اسمه الحقيقي خلف لقبٍ صار لصيقاً به، حتى غلب اللقب على الاسم، فصار «محجان» كناية عن العصا الطويلة التي تُهزّ بها الأشجار لتتساقط أوراقها فتأكلها الحيوانات، وربما من هذا الازدواج الجارح بين الداخل المرهف والخارج الصلف يتولّد الشرخ المؤسس للرواية، شرخٌ لا يردمه البطل إلا بخلق مُعادل يقيه العالم؛ كائن يصنعه بيديه، يحميه ولا يجرحه، ويؤازره في خوفه.

يتسع أفق السرد من علاقة «محجان» بـ«رّوعه»، التي يفترض بها إخافة الطيور والدواب، إلى تحوّلها عبر مفارقات ميلودرامية إلى مصدر رعب لأهل القرية، فلا تعود مجرد دمية من خشب، بل تصبح شُبهة، ونذير شر، فينسج الأهالي حولها حكايات السِحر، ويُحمّلونها هي وصاحبها «محجان» وزر كل ما يطرأ من شر في قريتهم، فيتحّول «رّوع محجان» من محض «فزّاعة» بائسة لإخافة الطيور، إلى لعنة القرية وبلائها.

في هذا الأفق، لا يبدو الخوف محض شعور يصطحب البطل منذ طفولته «التراجيدية»، التي يعاصر فيها إصابة والده بالعمى بعد سقوطه من نخلة، ليكبر «محجان» رجلاً تسكن مناماته الليلية «الجواثيم»، وتطارده هواجس سرقة قمحه بالنهار، فيؤول الخوف شريكاً وجودياً يتطوّر ويتناسل عبر عديد الصور والتمثيلات، ينبت من موروث دفين في تربة الذاكرة الأولى.

وبرغم عناية زهران القاسمي برسم المعالم المحلية العمانية في روايته، فإن العالم النفسي للبطل يبدو هو قاطرة العمل، بما منحه من خصوصية أبعد من حدود سياقه الثقافي، فتستعيد الرواية مواريث «حرق الأخضر واليابس» كاستعارة للجنون المُغلف بالحكمة، وهو الجنون الذي يدفع البطل لحرق ما وراءه قبل أن يلوذ بالهرب، في مصير ضبابي يمنحه له السارِد، ربما لمنحه أبدية ما، وعمراً أطول من خوفه، وسؤالاً معلقاً؛ كفزّاعة في قلب الريح.

تغدو «الرّوع»، بما تحمله من قشّ وذاكرة، مرآة تكشف الجانب المُعتم في النفس أكثر مما تحرس الحقول، فلا نوقن هل نجا «محجان» أم ظلّ عالقاً في حكاية صنعها بنفسه، لكن سردية الرواية تُعزز ذلك اليقين بأن الخوف حين يُنحت ويُسمى ويُخاطَب، يتحوّل إلى كائن يتنفس، حارساً ينازع صدى قديماً، ورفيقاً لا فكاك منه.