آنا أخماتوفا وموديلياني: تعاهدا على الموت معاً ثم ذهبا لمصيرين متباعدين

جاءت لتقضي شهر العسل في باريس فأذهلتها وسامته وبريقه الداخلي

أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
TT

آنا أخماتوفا وموديلياني: تعاهدا على الموت معاً ثم ذهبا لمصيرين متباعدين

أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا

لم تكن العلاقة العاطفية التي جمعت بين الشاعرة الروسية المعروفة آنا أخماتوفا، والرسام الإيطالي الشهير أميديو موديلياني، منبتة تماماً عن سياق «الغزو» الأنثوي الروسي للقارة الأوروبية في القرنين الفائتين. فقبل علاقة أخماتوفا وموديلياني بعدة عقود كانت هناك لو سالومي التي خلبت لب نيتشه وريلكه وفرويد وعباقرة آخرين. وبعدها بسنوات كانت ليلي بريك تكسر قلب ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية، وتوقع في حبائلها عدداً من كتاب الغرب، تماماً كما كان حال أختها إلسا تريوليه التي عبر قلبها محطات عدة قبل أن يستقر عند أراغون، وحال غالا التي كانت حبيبة بول إيلوار، قبل أن تقع في غرام سلفادور دالي وتقضي معه بقية حياتها.
أما آنا أخماتوفا المولودة في أوديسا الأوكرانية عام 1899 فكانت خليطاً مثيراً للحيرة بين الفتنة الجمالية المندفعة باتجاه الحياة وبين التراجيديا المؤلمة التي كانت تهيئ لأعظم شاعرات روسيا مآلها القاتم. وقد عمدت الشاعرة المولودة تحت اسم «آنا غورينكو» إلى تبني اسم جدتها التترية أخماتوفا، بعد أن زجرها أبوها العسكري المحتج على نزوعها الإباحي قائلاً «لا توسخي اسم العائلة النبيلة بأبيات وقحة ومنحطة» لتجيبه من جهتها دون خوف «اسمك هذا لست بحاجة إليه». وقد تفتحت موهبة آنا في القرية القيصرية القريبة من بطرسبورغ، كتبت آنا بتأثر بالغ وهي تتمشى في الحدائق التي ذرعها من قبلها شعراء روسيا العظام، بينهم بوشكين «كم على هذه الأغصان من وجدانيات معلقة».
وإذا لم يكن نيكولاي غوميليوف، الذي وقع في غرام آنا، يمتلك أي قدر من الوسامة، فالأرجح أن ذكاءه الحاد وموهبته العالية، فضلاً عن رغبتها في الانعتاق من سطوة الأب، هي العوامل التي دفعت الصبية الحسناء إلى الإصرار على الزواج منه رغم المعارضة الشديدة للعائلة. وإذ قررت أن تقضي شهر عسلها المرتقب بين الربوع الفرنسية والإيطالية، كان القدر من جهته يلعب لعبته الخطرة ويمهد لها سبل اللقاء بموديلياني أحد أعظم الفنانين التشكيليين في العصور كافة. فقد كان أميديو قد قدم من إيطاليا إلى باريس بهدف استكمال دراسته في الفن عام 1906، حيث تجمع أكثر الروايات على لقائه بأخماتوفا عام 1910 في مقهى روتوندا الذي كان ملتقى للكتاب والفنانين في ذلك الوقت. وحيث أعجب كل منهما بالآخر لم تأبه أخماتوفا بالوضع المادي المزري لشريد المدن البوهيمي، الذي تروي عنه أنه اضطر أن يقاسمها مقعداً حجرياً في إحدى حدائق باريس لأنه لم يكن يملك المال اللازم لدعوتها إلى المطعم المجاور.
أما زيارتها لمنزل الفنان فتؤكدها اعترافاتها الشخصية، وقولها في وقت لاحق «كان بيته مليئاً بالرسومات من الأرض حتى السقف، وكنا ندردش عن الشعر لساعات، نتلو خلالها أبياتاً لبودلير وأبولينير وفيرلين ومالارميه الذين نحفظ أبياتهم عن ظهر قلب». فيما أعرب أميديو عن افتتانه بالزرافة الطويلة التي تشبه الملكات الفينيقيات بشعرها الأسود وأذنيها الملتصقتين وأنفها المعقوف. وحين عرض عليها رسم بورتريهات لها لم تتأخر في الموافقة، لكنها لم تقر بتعريها أمام الفنان، معلنة أنه رسمها من عنديات خياله المحض، نافية في الوقت ذاته أي تواصل جسدي بين الطرفين.
وحين عادت أخماتوفا لتعيش مع غوميليوف ووالدته في غرفة ضيقة في تسارسكوي سيلو، لم يكن لنشاطهما الشعري المشترك أن يزيل من مخيلتها الأطياف الساحرة للفنان الإيطالي الوسيم. وإذ بدأت علاقتهما بالترنح بفعل التنافس الشعري الضمني، وبفعل فائض الرغبات والتعلق المرَضي بالحرية، استغلت آنا سفر زوجها إلى أفريقيا ومكوثه أشهراً معدودة لممارسة هواية الصيد، وعادت بمفردها إلى باريس، حيث كان موديلياني ينتظرها على أحر من الجمر، ليقضيا معاً أوقاتاً مترعة بالحب، وليصطحبها وهو المعجب بالفن الفرعوني إلى متحف اللوفر، محاولاً أن يوفر لها معرفة أفضل بفنون التشكيل، فيما قرأت له نماذج من شعرها حازت على إعجابه.
«كان له رأس جميل وعيون تلمع كالذهب ليس له مثيل في العالم كما أنه شخص حزين، كتوم، ذو سر مشوق»، كتبت آنا عن موديلياني في أحد اعترافاتها المتأخرة، كما تنقل أماني غيث في كتابها المميز «ملكة النيفا، آنا أخماتوفا». وإذا كانت الأسئلة المتصلة بالأسباب الفعلية التي حالت دون استمرار العلاقة وقتاً أطول لا تجد أجوبة شافية لها، لكن الأرجح بأن التباعد الجغرافي بين المبدعين العاشقين، وإصرار أخماتوفا على عدم مغادرة وطنها الأم، فضلاً عن دخول موديلياني اللاحق في غير مغامرة غرامية، هي من بين العوامل التي أوصلت العلاقة إلى فصلها الختامي. ولعل تكتم آنا على العلاقة ولجوئها إلى إحراق رسائل موديلياني إليها، هو البرهان الأكثر دلالة على الظروف القاسية التي عاشتها. وقد ذهب البعض إلى القول بأن جهاز المخابرات السوفياتي بالذات هو الذي أحرق مكتبة الشاعرة ورسائلها وأوراقها الشخصية أثناء مداهمته لمنزلها.
وإذا كانت أقدار العاشقين المتغايرة لم تتح لقصة حبهما الغامضة أن تستمر طويلاً، إلا أنها رسمت لهما مصيرين ملبدين بالآلام ومتشابهين في مآلهما المأساوي. فموديلياني رسام الشخصيات الطولية والعيون معدومة البؤبؤ الناظرة أبداً إلى الداخل لم توفر له وسامته وموهبته المفرطتان سبل السعادة والراحة اللتين نشدهما بلا طائل. ومع أنه دخل في علاقة عاطفية مع الرسامة وعارضة الأزياء جان هيبوتيرن، إلا أن مزاجه العصبي والمتقلب حول تلك العلاقة إلى دوامة من المشاجرات العنيفة والصاخبة. وحين قرر الزواج منها بعد أن ولدت له ابنة حملت اسم أمها نفسه، كان مرض السل قد أنهكه بالكامل إلى أن فارق الحياة عام 1920، إلا أن المأساة لم تقف عند هذا الحد، بل تمثل فصلها الأكثر قتامة بانتحار عشيقته جان التي كانت حاملاً في شهرها التاسع، ليتم دفنها مع موديلياني في القبر ذاته.
أما آنا التي لم تكف يوماً عن نسج علاقات غرامية مع الرجال، التي كتبت في مقالة لها «إن ثقافة المرأة تقاس بعدد عشاقها»، فقد تزوجت عام 1918 بعد انفصالها عن غوميليوف من فلاديمير شيليكو، الشاعر وعالم الحضارات دون أن تعثر بسبب غيرته الشديدة على الطمأنينة المنشودة، لتنفصل عنه بعد سنوات ثلاث، أي في السنة ذاتها التي أعدم فيها غوميليوف بتهمة التآمر على نظام الحكم. ثم لتتزوج للمرة الثالثة من المؤرخ نيكولاي يونين، الذي صمدت علاقتها به طويلاً، ليضع لها نظام الاستبداد الستاليني حدها المأساوي بموت يونين مريضاً ويائساً في أحد معتقلاته النائية. على أن خسارات آنا لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن هذا النظام بالذات ما لبث أن اغتال ابنها ليف، ودفع من لم يقم باغتيالهم من شعراء روسيا الكبار إلى الانتحار. ومع أن قلب أخماتوفا التي رحلت عن هذا العالم عام 1966 كان مكتظاً بالعشاق، إلا أنها في العمق الأخير من روحها كانت قد أفردت لموديلياني مكاناً لا يدانيه أحد. صحيح أن الشواهد الفنية على العلاقة قد اقتصرت على بضع قصائد عاطفية وبورتريه واحد نجا من الإتلاف، وصحيح أن كلاً منهما قد دفن بعيداً عن الآخر، لكن الصحيح أيضاً أنهما كانا قد تعاهدا على الموت معاً، وفق ما عبرت عنه آنا في قصيدتها «أغنية اللقاء الأخير»، التي جاء فيها:
«كانت خطواتي يومها رشيقة وخفيفة
رغم البرودة والعجز في صدري
ومن دون أن أنتبه وضعت في يمناي قفازي الأيسر
وسط الأشجار سمعت الخريف يهمس لي: موتي معي
لقد خذلني اليأس
وأعرف أن الحزن والوجع هما قدري
ولذا أجبت:
عزيزي: وأنا أيضاً أرغب في أن أموت معك».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended