الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

أصبح كعزاء في عالم لا عزاء فيه

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!
TT

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

الشعر جوهر العالم وترياق الوجود!

عندما أتعب من الفلسفة والعلوم الإنسانية، عندما أتعب من كل ما هو منطق أو عقل أو نقل أرمي بنفسي في أحضان الشعر. في تلك اللحظة لا شيء يعزيني أكثر من قصيدة لأبي تمام، أو بودلير، أو مالك بن الريب التميمي:
«خذاني فجراني ببردي إليكما فقد كنت قبل اليوم صعــــــــــباً قياديا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي وردا على عيني فضل ردائيا»
إلخ... قصيدة عصماء تكفي وحدها لتخليد شاعر... لا أعرف أصلاً فيما إذا كان قد كتب غيرها. لا أعرف عنه أي شيء سواها... إنه شاعر القصيدة الواحدة. وكفاه ذلك فخراً.
ثم ماذا عن سحيم عبد بني الحسحاس؟ ماذا عن قصيدته التي مطلعها:
«عميرة ودع إن تجهزت غادياً
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً»
أغلى من الذهب. لقد شهرته وخلدت اسمه على صفحة الآداب العربية. وبالتالي فيمكن اعتباره هو الآخر أيضاً شاعر القصيدة الواحدة وإن كان قد كتب غيرها. ومعلوم أنه كان عبداً أسود يخدم عند الناس ولكن مولاته وقعت في حبه وحصل ما لا تحمد عقباه. وعلى أثر ذلك قتلوه. هل يحق لعبد أسود أن يضاجع مولاته وهي من النساء المحصنات الحرائر؟ ولم يكن اسمها «عميرة» وإنما «غالية» ولكنه لم يتجرأ على ذكر اسمها الحقيقي لأنها كانت من أشراف تميم، أي من عائلة عربية أرستقراطية، وهو لا شيء. وفيها يقول هذا البيت الذي يساوي ديواناً كاملاً من الشعر العربي وحتماً هو الذي قتله:
«توسدني كفًّا وتثني بمعصم
علي وتحوي رجلها من ورائيا»
ثم يردفه بهذا البيت الذي يساوي ديواناً آخر:
«فما زال بردي طيباً من ثيابها
إلى الحول حتى أنهج البرد بالياً»
وماذا عن المثقب العبدي؟ وهو لمن لا يعرفه شاعر جاهلي كبير من البحرين. يقول لها معاتباً في قصيدة مشهورة:
«أفاطمُ قبل بينك متعيني
ومنعك ما سألتك أن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات
تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي
خلافك ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني
كذلك أجتوي من يجتويني»
حلو. عبقرية الشعر العربي...
أتذكر أني قرأت هذه القصيدة لأول مرة في الثانوي. وإذا لم تخني الذاكرة فقد قرأتها من خلال ما كتبه الدكتور طه حسين عنها في كتابه الشهير «حديث الأربعاء». وكم هو ممتع أن تقرأ شرحها وتحليلها على يد طه حسين! لحظات لا تنسى. تدوخ دوخاناً. يسكرك الأسلوب والصوت الخالد لعميد الأدب العربي. وأعتقد أنه توقف عند هذين البيتين حيث يتصارع الشاعر مع ناقته التي تعاتبه بمرارة لأنه يتعبها دائماً بالسفر والترحال ويكلفها ما لا طاقة لها به:
«تقول إذا درأت لها وضيني
أهذا دينه أبداً وديني
أكل العيش حلٌ وارتحال
أما يبقي عليّ وما يقيني»
ثم توقف أيضاً عند هذين البيتين، حيث يهدد شاعرنا أحد أصدقائه قائلاً له بكل صراحة ودون أي لف أو دوران:
«فإما أن تكون أخي بحق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
عدواً أتقيك وتتقيني»
أعود إلى السؤال: هل أصبحت الحياة كلها صحراء قاحلة ما عدا بقع قليلة من الشعر، من الضوء؟ ربما. هنا أشطب على السياسة العربية، على العصر العربي كله وأتموضع خارجه. وربما سيجت نفسي بالأسلاك الشائكة وانقطعت عن العالم. أكثر مما أنا منقطع ومسيج؟ لم يبق لك حل آخر أصلاً. وها أنذا سارحاً، هائماً على وجهي في الطرقات والدروب فقط مع ظلي (المسافر وظله، نيتشه). هل يستطيعون أن يفصلوك عن ظلك؟ ولكني لا أقصد بالشعر هنا فقط القصائد بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. وإنما أقصد أيضاً الرواية، الأدب، السينما، الدلال، الغنج، الفاتنات الحاسرات هناك في الربيع الباريسي. ولكن ماذا عن الجمال العربي - الأمازيغي؟ لا يضاهى. إنه الجمال المتغطرس الفتاك الذي «يحيي العظام وهي رميم». بصراحة الحياة حلوة يا جماعة. الحياة أكثر من حلوة. وأخشى ما أخشاه أن أموت يوماً ما.
أقصد بالشعر أيضاً ذلك الرجل الريفي التي رأيته مرة في أحد المطارات وهو ذاهب «لبيع» ابنته الفقيرة الوسيمة إلى أحدهم في بلاد الأغنياء لكي تعيش كخادمة وترسل لهم بعض القروش. أو هكذا خيل إلي من نظرات الهلع والاستغاثة التي ارتسمت على وجهه فجأة عندما رآني. نظرات سحقت قلبي... لكأنه كان يقول لي: خذها إذا شئت ولكن احترمها، عاملها بلطف أرجوك. نظرات لم أنسها حتى الآن. في مثل هذه الحالات النسيان جريمة... إنها لخيانة عظمى أن تنسى مثل هذا المشهد. هنا تكمن حقيقتي. هذا هو العالم الوحيد الذي أنتمي إليه، عالم «الناس الفقراء» أو «المذلولين المهانين» كما يقول دوستويفسكي: أي ثلاثة أرباع العرب. هؤلاء وحدهم هم أهلي، وطني، طائفتي، عشيرتي... وفي عصر الطوائف المتناحرة الهائجة على بعضها بعضاً أو التي تكاد تفترس بعضها بعضاً أنتمي إلى فئة الصعاليك الذين لا طائفة لهم ولا قبيلة كالباهي محمد مثلاً. من قرأ كتاب عبد الرحمن منيف عنه «عروة الزمان الباهي»؟ ناجح جداً. أعدت قراءته للمرة الثانية مؤخراً ولم أشبع منه حتى الآن.
وربما قصدت بالشعر أيضاً ذلك النشيج المتصاعد من أعماق العالم، من زلازله وبراكينه... كل شيء يخرجك عن طورك، ينسيك نفسك ولو قليلاً شعر. كل شيء يخلصك من نثرية الوجود، من بلادة الحياة اليومية شعر. طرفة عين غير متوقعة، ابتسامة صغيرة أو حتى شبح ابتسامة على ثغر إحداهن يمكن أن تدخلك في الحالة الشعرية:
«مقاديرُ من جفنيك غيرن حاليا».
هكذا تلاحظون أني لم أتجاوز بعد مرحلة المراهقة ولا يتوقع أن أتجاوزها في المدى المنظور.
بالأمس القريب حام الشعر حولي، تحرش بي قليلاً، ثم تبخر في الهواء. أقسم بالله كدت ألمسه، أقبض عليه قبض اليد... شعرت بالحنين والضياع وبقيت ساعات وساعات وأنا أتجول في الشوارع بلا هدف أو جدوى. رحت ألف حولي وأدور. عم يبحث هذا الشخص؟ عن شيء ضاع؟ عن حلقة مفرغة؟ وإلى متى؟... الشعر مبثوث في كل مكان ومع ذلك فهو من أكثر الأشياء ندرة. أكاد أقول بأنه موجود في كل مكان ما عدا في دواوين الشعراء العرب! كلما كثرت الدواوين الشعرية المتشابهة في العالم العربي قل الشعر، وربما أذن بالانقراض. لحسن الحظ أني لم أنشر أي ديوان شعر حتى اللحظة. لحسن الحظ أني لم أدمر وجودكم، لم أعتد عليكم، على الأقل حتى الآن. ولكن ألا يكفي أني أمطركم بوابل من المقالات والفذلكات والغلاظات التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد؟ والله كرهت حالي. الشعر موجود خارج الشعر في معظم الأحيان. في كل عصر لا يوجد إلا شاعران أو ثلاثة أو واحد أو لا شيء والباقي تفاصيل. قال لي أحدهم مرة متبجحاً: يا أخي الشعر فاكهة، «مجرد تسلية» من وقت لآخر، لا يقدم ولا يؤخر... الشعر «سخافة» في نهاية المطاف ولا يليق بأن «يضيع» المفكرون الكبار وقتهم فيه. كدت أموت من الضحك عندما سمعت هذا الكلام. كدت أسقط على الأرض مغشياً عليّ من شدة الاضمحلال والإهمال والزوال. أعتقد أن عشرات الأكاديميين والمثقفين العرب لم يقرأوا قصيدة واحدة في حياتهم. ولكن ليست هذه هي حالة هيدغر الذي «ضيع» قسماً كبيراً من حياته في قراءة الشعر ومقاربات هولدرلين: إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين، دروب تؤدي إلى لا مكان: عنوان كتاب أجمل من قصيدة شعر. الشعر العظيم بالنسبة لهيدغر هو المحل الذي تتجلى فيه الحقيقة الأصلية، الحقيقة الجوهرية: أي حقيقة العالم، جوهر العالم. ولهذا السبب فإن المفكرين الذين يعجبونني أكثر هم أولئك الذين يهتمون بالشعر، ينصهرون، يذوبون. «ناولوني معجز أحمد»، يقول المعري. لا ريب في أن كانط مفكر عظيم وربما كان أكبر فيلسوف في تاريخ الغرب الحديث ولكنه ليس شاعراً على عكس نيتشه. ولذلك؛ فإن عواطفي كلها تذهب في اتجاه نيتشه. أنا نيتشوي في نهاية المطاف: أي تراجيدي، عدمي، جنوني... ولكن لا أجرؤ على التصريح بذلك خوفاً من القيل والقال. تكفيني مشاكل وإشاعات. ثم إن فيّ كائناً آخر يمشي في الاتجاه المعاكس. وبالتالي، فأنا شخص منشق على نفسه، وتوحيده أصعب من توحيد العرب!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.


هوس «العضلات المثالية» على الإنترنت يجرُّ الشباب نحو المنشطات

وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
TT

هوس «العضلات المثالية» على الإنترنت يجرُّ الشباب نحو المنشطات

وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)
وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة كندية حديثة عن وجود علاقة مقلقة بين الوقت الذي يقضيه الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة رغبتهم في استخدام منشطات بناء العضلات، خصوصاً عند تعرضهم لمحتوى يركّز على «العضلات المثالية» والمقارنات الجسدية مع الآخرين.

وأوضح الباحثون من جامعة تورنتو أن التعرض المستمر للمحتوى الذي يروّج للأجساد العضلية المثالية، إلى جانب المقارنات الاجتماعية المتكررة، يعزز التفكير في استخدام هذه المواد الخطرة، ونشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Body Image».

ويُعد إدمان وسائل التواصل الاجتماعي من الظواهر المتزايدة في العصر الرقمي؛ حيث يقضي الأفراد ساعات طويلة يومياً في التصفح والمشاهدة والتفاعل على المنصات المختلفة، ويمكن لهذا الإدمان أن يؤثر في الصحة النفسية والجسدية، مسبّباً شعوراً بالقلق والتوتر والعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى اضطرابات النوم والتركيز. وغالباً ما يرتبط الإدمان بالرغبة المستمرة في متابعة تحديثات الآخرين والمقارنات الاجتماعية؛ ما يجعل من الصعب الابتعاد عن هذه المنصات حتى عند الرغبة في تقليل استخدامها.

وشملت الدراسة أكثر من 1500 مشارك من الشباب، وركّزت على المشاركين الذين لم يسبق لهم استخدام المنشطات. وهدفت إلى دراسة العلاقة بين أنواع مختلفة من وقت الشاشة والمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي ونيات استخدام منشطات بناء العضلات. وبلغ متوسط الوقت الذي يقضيه المشاركون على وسائل التواصل الاجتماعي نحو ساعتين يومياً، وهو مشابه للوقت الذي يقضونه في مشاهدة الفيديوهات أو تصفح الإنترنت، إلا أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كان العامل الأكثر تأثيراً في النتائج.

وأظهرت النتائج أن نوعية المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي وسلوكيات التفاعل الرقمي كانت أكثر تأثيراً على نية استخدام المنشطات من مجرد الوقت المستغرق على الإنترنت.

ووجد الباحثون أن الشباب الذين يشاهدون صور رجال مفتولي العضلات ورياضيين، بالإضافة إلى الإعلانات والمحتوى الذي يروّج لمنشطات ومكملات بناء العضلات، كانوا أكثر ميلاً للتفكير في استخدام المنشطات، وكان التعرض المباشر لمحتوى يروّج للمنشطات هو العامل الأقوى تأثيراً.

كما أظهرت الدراسة أن الشباب الذين يقارنون أجسامهم بشكل متكرر بأجسام الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي كانوا أكثر ميلاً لاستخدام هذه المواد. وحذّر الباحثون من أن استخدام منشطات بناء العضلات يحمل مخاطر صحية كبيرة تشمل اضطرابات هرمونية، ومشكلات قلبية، وتغييرات مزاجية، وإمكانية الإدمان.

وأكدوا أن جهود الوقاية يجب ألا تقتصر على تقليل وقت الشاشة فقط، بل يجب أن تشمل التثقيف الإعلامي، ورفع وعي الشباب بممارسات التسويق الرقمي، وتعزيز الفهم الصحي للعضلات وصورة الجسم.

وخلص الفريق إلى أن هذه الدراسة تضيف دليلاً مهماً على أن المحتوى الرقمي الذي يروّج للعضلات المثالية قد يشكل خطراً على صحة الشباب النفسية والجسدية، ويزيد الميل لاستخدام المنشطات؛ ما يبرز الحاجة إلى برامج توعوية وإرشادية فعّالة لمواجهة هذه الظاهرة.