ترجمت الزيارة التضامنية التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري، إلى تركيا أمس (الاثنين)، مسيرة اتصالات ومحادثات على مستويات مختلفة بين القاهرة وأنقرة، لإعادة العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي قبل التوتر الذي شهدته على مدى ما يقرب من 10 سنوات.
ورغم طبيعة الزيارة، التي استهدفت التأكيد على تضامن مصر مع تركيا وشعبها في مواجهة كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) المدمرين، فإنها كشفت عن إمكانية سير البلدين قدماً نحو تطبيع علاقاتهما، حيث أكد شكري وجود إرادة سياسية للتطبيع، مشيراً إلى أهمية أن يتم إنشاء أساس «قوي للغاية»، في إطار هذه الإرادة. بينما أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أهمية إعادة العلاقات بين مصر وتركيا إلى مستواها السابق، والمضي بها بما يتوافق مع المصلحة المشتركة للبلدين، لافتاً إلى أهمية مصر بالنسبة لمنطقة البحر المتوسط وللعالمين العربي والإسلامي ولقضية فلسطين ولأفريقيا.
وفي مؤتمر صحافي عقده الوزيران بعد أن شاركا في استقبال سفينة مصرية محملة بالمساعدات في ميناء مرسين (جنوب تركيا)، سبقه لقاء ثنائي في مطار أضنة، ثم جولة بالطائرة لتفقد بعض المناطق المنكوبة بالزلزال، أكد جاويش أوغلو أن تطور العلاقات بين تركيا ومصر يصب بمصلحتهما وينعكس إيجاباً على استقرار ورخاء المنطقة.
وعبر عن شكره لمصر؛ حكومة وشعباً، على تضامنها مع ضحايا الزلزال، مشيراً إلى أن مصر كانت من أولى الدول التي بادرت إلى إرسال مساعدات إنسانية للمتضررين من الزلزال في تركيا.
وأضاف جاويش أوغلو أن «السفينة المصرية الأولى جلبت كمية كبيرة من المساعدات، وكذلك وصلت إلينا مساعدات عبر الطائرات، والآن وصلت السفينة المصرية الثانية التي تحمل مساعدات تقدر بـ520 طناً، وتتضمن مواد غذائية وألبسة ومستلزمات طبية ومواد سكنية».
وتابع: «الصداقة والأخوة تظهران في الأوقات الحرجة، ومصر؛ حكومة وشعباً، أظهرت أنها صديقة وشقيقة لتركيا في هذه المحنة، لذا نشكرها مجدداً».
وقال جاويش أوغلو: «نفتح صفحات جديدة في علاقاتنا مع مصر، واللقاء الذي جمع الرئيسين رجب طيب إردوغان وعبد الفتاح السيسي بالدوحة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كان مثمراً للغاية، وخلال لقائي مع الوزير سامح شكري في مطار أضنة، تناولنا الخطوات الواجب الإقدام عليها لتعزيز علاقات البلدين».
ولفت الوزير التركي إلى أن تطور العلاقات بين تركيا ومصر لن يصب في مصلحة البلدين فقط، بل سينعكس إيجاباً على استقرار ورخاء وتنمية المنطقة برمتها، قائلاً: «مصر بلد مهم بالنسبة لمنطقة البحر المتوسط وللعالم العربي والعالم الإسلامي ولقضية فلسطين ولأفريقيا، من مصلحتنا جميعاً أن تكون مصر قوية... أنا على ثقة بأننا سنعمل معاً لتعزيز علاقاتنا نحو الأفضل، ووجود أخي سامح شكري اليوم في تركيا أمر مهم لنا، ونقدم له جزيل الشكر لهذه الزيارة».
من جانبه، أعرب شكري عن ثقة مصر بقدرة تركيا على تجاوز آثار الزلزال في أقرب وقت، مؤكداً أن مصر ستبقى بجانب شقيقتها تركيا، وأن العلاقات بين البلدين سترتقي لأفضل مستوى.
وعن إمكانية عقد قمة بين الرئيسين السيسي وإردوغان، قال شكري: «بالتأكيد، ستكون هناك اتصالات في الوقت المناسب وفقاً لرؤية الرئيسين». وأشار شكري إلى وجود إرادة سياسية، وأنه سيكون من المهم إنشاء أساس قوي للغاية في نطاق هذه الإرادة.
وأكد شكري أهمية إعادة العلاقات بين مصر وتركيا إلى مستواها السابق، والمضي بها بما يتوافق مع المصلحة المشتركة للبلدين.
وجدد تعازيه للشعب التركي في ضحايا الزلزال، موضحاً أن زيارته إلى تركيا عبارة عن رسالة تضامن وصداقة، وعبر عن حزنه لما خلفته كارثة الزلزال. وأكد أن مصر قدمت وستواصل تقديم المساعدات لتركيا.
كان شكري وصل إلى مدينة أضنة (جنوب تركيا) أمس (الاثنين)، قادماً من سوريا، في إطار زيارة تضامن مع البلدين الجارين اللذين ضربتهما كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) الحالي، وخلفت أكثر من 51 ألف قتيل، فضلاً عن دمار واسع في 11 ولاية تركية، ومناطق في شمال سوريا، حيث استقبله جاويش أوغلو.
وعقد الوزيران جلسة مباحثات مغلقة، قبل أن يستقلا طائرة من أضنة، حيث قاما بجولة لتفقد بعض المناطق المنكوبة بجنوب تركيا. ولاحقاً، يشارك الوزيران في استقبال سفينة مصرية محملة بمساعدات إنسانية لمنكوبي الزلزال في تركيا، بميناء مرسين جنوب البلاد، كانت تحركت منذ أيام من ميناء العريش في مصر.
وتعد هذه هي أول زيارة لوزير خارجية مصري إلى تركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة القائم بالأعمال، بسبب موقف أنقرة من سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر واحتضانها قيادات الجماعة التي صنفتها مصر «تنظيماً إرهابياً»، والهجوم على الدولة المصرية وقيادتها وإفساح المجال لقنوات تابعة للتنظيم بالانطلاق من إسطنبول، انتهجت خط التحريض والهجوم على مؤسسات الدولة المصرية.
وخلال هذه الفترة التي استغرقت ما يقرب من 10 سنوات، شارك شكري عام 2016 في قمة منظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول، لكنه لم يلتقِ أي مسؤول تركي.
وانطلقت جهود تركية منذ عام 2021 لإعادة مسار العلاقات مع مصر إلى طبيعته، أسفرت عن فرض قيود على القنوات الناطقة باسم الإخوان وإغلاق إحداها، هي قناة «مكملين» التي رحلت إلى لندن، كما تم منع قيادات الإخوان من الإدلاء بأي تصريحات أو ممارسة أنشطة من شأنها التحريض أو محاولة زعزعة الاستقرار في مصر.
وعقد اجتماعان على مستوى نواب وزيري الخارجية في البلدين، أحدهما بالقاهرة والآخر في أنقرة في 2021، أعقبا اتصالات على مستوى أجهزة الاستخبارات في البلدين، والتقى الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان للمرة الأولى خلال حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر بديسمبر (كانون الأول) الماضي، ما اعتبر إشارة قوية على دفع مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي سار ببطء تحدثت عنه أنقرة.
ولا يتعلق مسار التطبيع بقضية احتضان تركيا لقيادات الإخوان المسلمين وبعض المطلوبين في قضايا إرهابية ومن صدرت ضدهم أحكام في أعمال تخريب وفوضى واغتيالات بمصر، وإنما وضعت القاهرة شروطاً؛ أهمها وقف تركيا تدخلها في شؤون دول المنطقة والالتزام بمعايير القانون الدولي، وسحب قواتها من عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها ليبيا، حيث يعد الملف الليبي أحد الملفات المهمة في محادثات التطبيع. وعقب وقوع كارثة الزلزال في تركيا، بادرت مصر إلى تقديم المساعدات لتركيا وأرسلت عدداً من الطائرات المحملة بأطنان من المساعدات، حيث أرسلت منذ اليوم الأول للزلزال وحتى الآن، أكثر من 1200 طن من المساعدات الإنسانية. كما رست، صباح الاثنين، سفينة تجارية مصرية تحمل اسم «الحرية» في ميناء مرسين، محملة بـ525 طناً من المساعدات الإنسانية، سيشارك الوزيران في استقبال رمزي لها. وتتضمن المساعدات خياماً وبطانيات وأسرة ومراحيض متنقلة ومنظفات.
وأجرى السيسي في اليوم الثاني لوقوع زلزالي 6 فبراير، اتصالاً بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في أول تماس بعد مصافحتهما ولقائهما في الدوحة، كما أجرى شكري اتصالاً مع جاويش أوغلو لتقديم تعازي مصر في ضحايا الزلزال، وتأكيد تضامنها مع الشعب التركي في هذه الكارثة.
ورأى مراقبون أن زيارة شكري لتركيا ستعطي دفعة قوية لمسار تطبيع العلاقات مع تركيا التي ترغب في تحقيق تقدم كبير وإعلان عودة السفراء في أقرب وقت ممكن.
وقبل وصوله إلى تركيا، كان سامح شكري زار العاصمة السورية، دمشق، حيث التقى نظيره السوري فيصل المقداد والرئيس السوري بشار الأسد، ونقل رسالة تضامن من الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى الأسد، بعد أن اتصل به في أعقاب حدوث الزلزال الذي ضرب مناطق شمال سوريا، في اتصال غير مسبوق.
وفي بيان صادر عن المتحدث باسم الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، فقد زار شكري البلدين بهدف «نقل رسالة تضامن من مصر مع الدولتين وشعبيهما الشقيقين عقب كارثة زلزالي 6 فبراير»، وأكد خلال لقاءاته في سوريا وتركيا «استعداد مصر الدائم لتقديم يد العون والمساعدة للمتضررين في المناطق المنكوبة بالبلدين».
وظل الأسد معزولاً دبلوماسياً على الساحة العربية، علماً بأن عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، ومقرها القاهرة، معلقة منذ قمع احتجاجات مناهضة للنظام بدأت في عام 2011، ثم تحولت إلى حرب أهلية.
وعقب كارثة الزلزال، الذي دمر أيضاً مناطق في سوريا إلى جانب تركيا، استأنفت دول عربية التواصل مع دمشق التي يمكن أن تستفيد من الوضع للخروج من عزلتها الدبلوماسية، بحسب محللين.
ويؤيد عدد متزايد من الدول الأعضاء، على رأسها العراق، استعادة سوريا عضويتها في الجامعة العربية، التي تشهد انقساماً حاداً وتراجعاً لدورها، وينظر إلى استقبال الأسد، أول من أمس (الأحد)، وفد رؤساء البرلمانات العربية، على أنه الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.
مصر وتركيا لفتح صفحة جديدة بالعلاقات بعد رسالة التضامن القوية في مواجهة الزلزال
شكري لم يستبعد عقد قمة بين السيسي وإردوغان بالوقت المناسب
صورة قدمتها وزارة الخارجية المصرية تُظهر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال زيارة الأخير لتركيا الاثنين (إ.ب.أ)
مصر وتركيا لفتح صفحة جديدة بالعلاقات بعد رسالة التضامن القوية في مواجهة الزلزال
صورة قدمتها وزارة الخارجية المصرية تُظهر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال زيارة الأخير لتركيا الاثنين (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







