«حرب كلامية» بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»

عبدالرحيم دقلو ينفي فرضية تحول الخلاف إلى اشتباك مسلح

محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد قوات «الدعم السريع» (رويترز)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد قوات «الدعم السريع» (رويترز)
TT

«حرب كلامية» بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»

محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد قوات «الدعم السريع» (رويترز)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد قوات «الدعم السريع» (رويترز)

تصاعدت الحرب الكلامية في السودان بين جناحي المؤسسة العسكرية، وهما الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد دقلو (حميدتي).
ووفق مصادر عدة، يدور الصراع بين الرجلين حول الموقف من «الاتفاق الإطاري» الذي وقعه قادة الطرفين مع القوى السياسية بهدف نقل السلطة إلى المدنيين، بينما يترك العسكريون الحكم ويعودون إلى ثكناتهم.
وينص أحد بنود «الاتفاق الإطاري» على دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، وهو ما وافق عليه قائد تلك القوات. غير أن حرباً كلامية بين الطرفين اشتعلت في الآونة الأخيرة، ما جعل كثيرين في البلاد يتوجسون من أن تتحول إلى مصادمات مسلحة، رغم تأكيد الطرفين أن ذلك غير وارد.
وبدأت الحرب الكلامية بإعلان حميدتي في خطابه في حفل توقيع «الاتفاق الإطاري» مع المدنيين في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2022، «فشل الانقلاب» الذي قاده البرهان وشارك فيه حميدتي في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. كما أبدى حميدتي حماسة في خطابه لدعم الانتقال المدني، مؤكداً دمج قواته في الجيش وفق برنامج زمني يتم الاتفاق عليه ضمن عملية التحول المدني.
لكن قائد الجيش الفريق البرهان فاجأ الجميع في خطاب جماهيري، باشتراطه دمج «الدعم السريع» في الجيش باعتبار ذلك شرطاً لاستمراره في قبول والسير في طريق تحقيق «الاتفاق الإطاري».

وقال بحماس: «نحن كعسكريين يهمنا دمج (الدعم السريع)... وبغير هذا لن يذهب أي شخص فيه للأمام». وقالت مصادر إن حديث البرهان يُفهم منه أنه يشترط دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش أولاً قبل المواصلة في تنفيذ بقية «الاتفاق الإطاري». وأبدى كثيرون استغرابهم من تصريح البرهان نظراً إلى أن الدمج منصوص عليه أصلاً في الاتفاق، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.
وجدد البرهان في خطاب آخر في منطقة الكتياب بالقرب من مسقط رأسه في 18 فبراير (شباط) الجاري، مطالبته بدمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، بقوله: «المرة الماضية قلت كلاماً فسره الناس تفسيرات مختلفة، أنا أؤكد على نفس الكلام... هناك مجموعات تحاول الاصطياد وتبني مواقف للجيش». وفي 19 فبراير، قال حميدتي في خطاب نقلته وسائل الإعلام، إن «الدعم السريع نشأ مسانداً للقوات المسلحة، وينص قانونه على أنه جزء منها»، وأوضح أنه لن يسمح لعناصر النظام البائد بالوقيعة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وهي إشارة إلى وجود أنصار الرئيس المعزول عمر البشير داخل الجيش.
وتواصلت الحرب الكلامية عندما جدد عضو مجلس السيادة، الفريق ياسر العطا، في خطاب علني، مطالب الجيش بدمج «الدعم السريع» في القوات المسلحة، قائلاً: «لا بد من دمج قوات الدعم السريع في الرحم المبارك الذي ولدت فيه سابقاً، ليس هناك دولة ديمقراطية حديثة بها جيشان... أما التهديد والتكسب السياسي والاقتصادي بفهم امتلاك جيش، فهذا قد يؤدي إلى انهيار كيان الدولة السودانية». وأضاف أن الجيش قادر على التصدي لأي تهديدات.
ويخشى كثيرون في السودان من أن تتحول التصريحات والتصريحات المناوئة الصادرة عن القائدين إلى «نذر حرب» بين القوتين.
وقال الناشط السياسي منتصر إبراهيم إن الجيش وفلول النظام البائد يحاولون «رد الصاع» لقوات الدعم السريع، على دورها في إسقاط حكم عمر البشير الذي يتردد أن قوات حميدتي لعبت فيه دوراً مهماً. وأضاف إبراهيم أن «انقلاب 25 أكتوبر نفسه كان الهدف منه تدارك تمدد الدعم السريع، وفرض سلطته في البلاد».
في غضون ذلك، أكد نائب قائد قوات «الدعم السريع»، عبد الرحيم دقلو (شقيق حميدتي)، استحالة حدوث اشتباكات عسكرية بين قواته والجيش السوداني.
وقال لدى مخاطبته قواته أمس (الأحد) في الخرطوم، إن حديثه يأتي رداً على من يحاولون إثارة الفتنة بين الطرفين. واتهم عبد الرحيم، بعض الجهات بشن حملات إعلامية ممنهجة لاستفزاز قوات الدعم السريع وتشويه صورتها، قائلاً: «إن قوات الدعم السريع مع مبدأ الجيش الواحد وإصلاح المؤسسة العسكرية».
وأكد عبد الرحيم عدم حدوث اشتباك بين الجيش و«الدعم السريع»، مخاطباً جنوده بالقول: «إن إخوانكم في الجيش مستحيل أن يرفعوا في وجهكم السلاح، أو أن نرفع في وجههم السلاح».
وأشار إلى أن الإشاعات المنتشرة بشأن تقليص مرتبات قوات «الدعم السريع» هدفها إضعاف قواته، موضحاً أن وزارة المالية اتخذت إجراءات لحوكمة ولايتها على المال العام، شملت مؤسسات الدولة جميعها، بما في ذلك القوات النظامية كافة.
وأوضح عبد الرحيم، أنهم مع مبدأ الجيش الواحد وإصلاح المؤسسة العسكرية، ولن يتراجعوا عن الوعد الذي قطعوه أمام الشعب السوداني، لافتاً إلى أن «أفراد الجيش وإخوانهم في قوات الدعم السريع، وشابات وشباب ثورة ديسمبر المجيدة، قدموا أرتالاً من الشهداء من أجل الوطن». وأردف موجهاً حديثه «للذين يروجون للفتنة بين الجيش والدعم السريع، أنه لن يحدث اشتباك بين الطرفين، كلنا يد واحدة نبني وطننا العزيز، ونعيده إلى وضعه الطبيعي دون تفرقة أو شتات».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
TT

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)

احتوت الأجهزة الأمنية في غرب ليبيا توتراً أمنياً في مدينة غريان جنوب غربي العاصمة طرابلس، وذلك إثر مناوشات وقعت مساء السبت بين أفراد من «اللواء 444 قتال» و«القوة العاشرة للدعم والإسناد»، التابعين لحكومة «الوحدة» بسبب خلاف تأمين «بوابة الهيرة».

وقالت مصادر محلية، إن آمر «اللواء 444 قتال» محمود حمزة، أخلى سبيل ناصر شطيبة، آمر «القوة العاشرة»، بعد أن أوقفته دورية تابعة لـ«اللواء» قرب بوابة الهيرة.

وأدى الحادث إلى مناوشات محدودة شارك فيها عناصر من «الكتيبة 420»، لكنها انتهت سريعاً بإفراج حمزة، عن شطيبة والمرافقين له، فيما أكد شطيبة انتهاء ما وصفه بـ«الإشكالية البسيطة، وعودة الاستقرار الأمني الكامل إلى مدينة غريان».

وجاءت هذه التوترات لتعيد التساؤلات عن تفاهمات جرت خلال اجتماع عقد العام الماضي، بحضور حمزة وشطيبة، وعماد الطرابلسي وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة، لبحث تمركزات «اللواء 444» و«القوة العاشرة» و«الأمن العام» في غريان.

ويتبع «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«القوة العاشرة» بقيادة ناصر شطيبة، المرتبطة بوكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، رسمياً، وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس. ومع ذلك، تتمتع هذه الوحدات باستقلالية واسعة، وغالباً ما تتنافس على النفوذ والسيطرة على الطرق والموارد في المنطقة الغربية.

خالد حفتر يتفقد قوات الجيش في الجفرة (شعبة الإعلام الحربي)

من جهة أخرى، تفقد رئيس أركان «الجيش الوطني»، الفريق خالد حفتر، منطقة الجفرة، وزار غرفة العمليات ومقرّ «اللواء 87 مهام خاصة»، واطّلع على سير العمل ومستوى الجاهزية، كما التقى جنود الجيش في تمركزاتهم.

وأشاد خالد حفتر بـ«جهود وانضباط الجنود»، مؤكداً أهمية الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد والجاهزية لتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وأعلن «الجيش الوطني» تفعيل مكتب الشكاوى والتظلمات التابع لرئاسة أركان وحداته الأمنية، بهدف تعزيز التواصل مع المواطنين والنظر في شكواهم ومعالجة التظلمات بكل شفافية.

في شأن مختلف، أكد عضو المجلس الرئاسي الليبي، عبد الله اللافي، أن استقرار ليبيا «خط أحمر» لا يمكن المساس به، محذراً من أن «أي عبث سيقوض التوازن الهش ويدخل البلاد في مسارات غير محسوبة».

وشدّد اللافي خلال لقائه مساء السبت بمدينة الزاوية، مع عمداء بلديات المنطقة الغربية، على حق الليبيين في «سلطة شرعية موحدة تستمد مشروعيتها من انتخابات حرة تنهي انقسام المؤسسات»، داعياً إلى «تبني الحكمة والتسامح لتجاوز الاستقطاب السياسي الحالي».

كما أكد اللافي «على وحدة ليبيا وعدم قابليتها للقسمة»، مشيداً «بدور القيادات الاجتماعية في دعم السلم الأهلي، والدفع نحو استكمال المسار السياسي واستعادة هيبة الدولة».


لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أعاد حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعد انطلاق قارب كان قد أقلَّهم من مدينة طبرق بشرق ليبيا، طرح التساؤلات عن أسباب فشل الجهود الليبية والأوروبية في صدِّ هؤلاء الفارين قبل أن يقضوا في البحر المتوسط.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وحسب خفر السواحل اليوناني، انطلق القارب الذي كان يقل 48 مهاجراً، من شاطئ طبرق الليبية في 21 مارس (آذار) الحالي، إلا أن 22 منهم لقوا مصرعهم بعدما علقوا 6 أيام في قارب مطاطي بمياه البحر.

وفي ظل تعدد حوادث غرق مهاجرين غير نظاميين، أو إعادة غيرهم من عرض البحر، تفرض أسئلة كثيرة نفسها عن حقيقة الجهود المبذولة للحد من تسربهم إلى الشواطئ الأوروبية، والأسباب التي تقف وراء استمرار تدفق مجموعات منهم على ليبيا.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

ويسود اعتقاد لدى حقوقيين وسياسيين ليبيين، بـ«تورط نافذين من شخصيات عسكرية وقيادات ميليشياوية» في عمليات تهريب المهاجرين عبر البحر، وهو الأمر الذي أكَّده مسؤول أمني سابق كان يتبع جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في غرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط».

وقال المسؤول السابق الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «عمليات تهريب البشر تدر عوائد مالية ضخمة على هؤلاء النافذين شرقاً وغرباً، وكثير من القوارب التي تنطلق من ليبيا محمَّلة بالمهاجرين، تُدار عبر رجالهم وأجهزتهم».

وكثيراً ما تعلن الأجهزة العسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها عن ضبط مهاجرين، وإدخالهم إلى مراكز الإيواء قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم، أو توقيف وإعادة قوارب من البحر إلى البلاد.

غير أن المصدر الأمني قال إن «مئات المهاجرين ممن يعادون إلى غرب ليبيا، يتم الدفع بهم إلى مركز إيواء بئر الغنم؛ وهو مقر سيئ السمعة، وعليه علامات استفهام كبيرة». و«بئر الغنم» هو مقر لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة، ويضم مئات الأطفال المصريين، ومن جنسيات أخرى.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وسبق أن تحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن «قيام زوارق خفر السواحل، ليلة العيد، بنقل أكثر من 80 مهاجراً، غالبيتهم من الجنسية المصرية، بعد إعادتهم من البحر إلى ميناء الشعاب».

ونقل لملوم عن مصادر أن «غالبية المهاجرين تم نقلهم إلى مركز احتجاز بئر الغنم سيئ السمعة، وهو المركز الذي سبق أن زعم وزير الداخلية بحكومة (الوحدة الوطنية) وجهاز مكافحة الهجرة، أنه غير قانوني».

وقال لملوم إن «نقل مهاجرين من وسط طرابلس، وهم في حالة هلع وخوف، ويحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة، إلى مخازن وعنابر في بئر الغنم، يمثل مؤشراً واضحاً على وجود تنسيق بين جهات أمنية في طرابلس وقيادات داخل جهاز الهجرة».

ولم تعلِّق الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا على واقعة مصرع 22 مهاجراً. وخلال الأشهر الماضية عملت السلطات في شرق ليبيا وغربها على تعزيز العمل مع الجانب الأوروبي، للحد من تهريب المهاجرين.

وأُنقذ 26 شخصاً، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية» لم تُحدد جنسياتهم، بينهم امرأة وقاصر، بواسطة قارب تابع لـ«الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود» (فرونتكس) قبالة جزيرة كريت اليونانية، وفقاً لبيان مقتضب صادر عن خفر السواحل اليونانيين.

ونقل البيان عن الناجين أن القارب غادر منطقة طبرق في شرق ليبيا في 21 مارس، متجهاً إلى اليونان التي تعد بوابة لكثير من الساعين للجوء في الاتحاد الأوروبي. وأفاد البيان بأن «الركاب فقدوا خلال الرحلة اتجاههم، وبقوا في البحر 6 أيام من دون ماء ولا طعام»، وأوقفت السلطات شابين من جنوب السودان سنهما 19 و22 عاماً، للاشتباه بأنهما مهرِّبان.

وأعلنت «جمعية الهلال الأحمر» في طبرق، الأربعاء الماضي، إنقاذ مركب لمهاجرين غير نظاميين كان يقل 32 مهاجراً من جنسيات مختلفة، مشيرة إلى أنه تم اقتيادهم إلى نقطة الإنزال بقاعدة طبرق البحرية، وتقديم الإسعافات الأولية والرعاية الإنسانية اللازمة لهم، بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

وفي السياق، أعلنت رئاسة «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، ضبط 18 مهاجراً داخل شقة بمدينة البيضاء، كانوا يستعدون للهجرة عبر «قوارب الموت» إلى أوروبا.

وأوضح الجهاز في بيان، أن معلومات وردت إلى مكتب الدوريات الصحراوية بالجبل الأخضر تفيد بوجود مجموعة من المهاجرين داخل شقة بمدينة البيضاء، تُستخدم من قبل مهربين كموقع للتجميع والإيواء قبيل التهريب إلى أوروبا عبر البحر. وقال إنه تبيَّن بعد مداهمة الشقة وجود 18 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية، جميعهم من دون أوراق ثبوتية، وكانوا في حالة استعداد تمهيداً لتهريبهم عبر البحر باتجاه السواحل الأوروبية، لافتاً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وجارٍ التحقيق معهم، إلى حين تسليمهم إلى مركز إيواء البيضاء.

وسبق أن أعلنت «المنظمة الدولية للهجرة»، اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا، خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة، و851 طفلاً.


الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يجسّد الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت-الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، لدى غالبية الجزائريين سيرة رجل زاهد في السلطة، سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

أما بالنسبة لخصومه الإسلاميين، فقد ارتبط اسمه بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

توفي اليامين زروال بالمستشفى العسكري بالعاصمة، حيث نُقل على جناح السرعة قبل يومين من منزله بمدينة باتنة (400 كلم شرق العاصمة)، إثر تدهور حالته الصحية.

الرئيس تبون عند وصوله إلى المستشفى العسكري حيث توفي الرئيس الراحل زروال (الرئاسة)

ووفقاً لمصادر صحافية من باتنة، فإن تشييع جنازته سيكون ظهر الاثنين بمسقط رأسه، وذلك خلافاً لما جرى مع الرؤساء السابقين الذين دُفنوا في «مقبرة العالية» بالعاصمة. وأكدت المصادر ذاتها أن اختيار مكان دفنه بناءً على رغبته الشخصية، كما أنه عندما غادر السلطة في 1998 رفض الإقامة في السكن الرسمي الذي تخصصه الدولة للرؤساء السابقين.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني، وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وتم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الراحل، الأحد، في الإقامة الرسمية (قصر الشعب) بالعاصمة، بحضور الرئيس تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، والوزير الأول سيفي غريب وأعضاء الحكومة، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والسفراء والقناصل الأجانب المعتمدين في الجزائر.

عبد المجيد تبون وقائد الجيش أسعيد شنقريحة أمام جثمان الرئيس الراحل اليامين زروال (الرئاسة)

واحتفظ الراحل زروال بصداقة قوية مع الرئيس تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال غربي العاصمة، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد (1979-1992)، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب في استحقاق تعددي، وذلك في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن في 11 سبتمبر (أيلول) 1998 إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وتهاطلت بيانات التعازي والتعبير عن المواساة من الطبقة السياسية في الساعات الأولى من الأحد. وأكد «التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو الحزب الذي كان زروال أحد مؤسسيه عام 1997، في بيان، أن الجزائر «فقدت برحيله أحد أبنائها البررة، ورجلاً من رجال الدولة الذين خدموا الوطن بإخلاص وتفانٍ، وتركوا بصمات راسخة في مسار بناء الدولة الجزائرية».

وأفادت «جبهة التحرير الوطني» (الحزب الواحد سابقاً)، في بيان، أن زروال «كان رمزاً من رموز الوطنية الصادقة، ورجل دولة حكيماً، أسهم بحنكة ومسؤولية في قيادة البلاد خلال مرحلة دقيقة من تاريخها، وساهم في إرساء مسار الوئام الوطني حفاظاً على وحدة الجزائر واستقرارها». مبرزاً أن «رحيل هذا الرجل العظيم يُعد خسارة جسيمة للجزائر، التي فقدت أحد أبنائها البررة الذين أحبّوها بصدق وأخلصوا لها العطاء».

من جهتها، أشارت «حركة البناء الوطني» إلى «الظروف التي دفعت الرئيس الراحل لحمل همّ الدولة بكل صدق مسهماً في صون مؤسساتها وتعزيز استقرارها، مستنداً إلى حس وطني عالٍ وروح مسؤولية راسخة، عرفه الجزائريون بوصفه رجل دولة متزناً متسامحاً، زاهداً، وفياً لمبادئه، بإرادة ثابتة تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار»، في إشارة إلى قبوله عرض قيادة الجيش، رئاسة الدولة عام 1994 في وقت كانت المعركة ضارية مع الجماعات الإسلامية المتشددة.

الرئيسان الراحلان اليامين زروال وعبد العزيز بوتفليقة (حسابات ناشطين سياسيين)

ووفق البيان، «ترك الراحل إرثاً من المواقف التي ستبقى شاهدة على إخلاصه وتفانيه في خدمة الجزائر، وسيظل حضوره في الذاكرة الوطنية مرتبطاً بقيم التضحية والحوار والدفاع عن السيادة من أجل المصلحة العليا للبلاد».

ويجمع السياسيون والمثقفون، ومعهم عامة الشعب، على نظافة الذمة المالية للرئيس زروال، وعلى كونه حالة نادرة في الترفع عن صراعات مراكز القوى التي شهدتها البلاد في التسعينات.

وبهذا الخصوص كتب صحافي الإذاعة العمومية زين شرفاوي: «قد نختلف على نقاط عديدة طبعت فترة حكمه، بجوانبها الإيجابية والسلبية، لكن لا يمكننا الاختلاف على أن الرجل كان شجاعاً ووطنياً مخلصاً؛ فقد قَبِلَ تحمل المسؤولية في وقت كان الجميع يرفضها. لقد كانت البلاد تمر حينها بأخطر وأحلك مرحلة منذ الاستقلال: إرهاب في غاية العنف، مشهد سياسي فوضوي، وانهيار اقتصادي شامل، إلى درجة أن الدولة كانت تجد صعوبة في دفع أجور العمال والموظفين، لا سيما بعد سقوط أسعار النفط إلى ما دون 11 دولاراً للبرميل. كما يجب أن نُقر للرئيس زروال بفضله في العمل على تحديد الولايات الرئاسية بعهدتين فقط في دستور 1996، وهو ما يعد دليلاً بلا شك على أنه لم يكن يرغب في البقاء طويلاً في السلطة، وهي صفة نادرة في دول الجنوب».