البصرة... كيف تواصل صلتها بهويتها الثقافية؟

المدينة تأمل استثمار الحالة الإيجابية التي تركتها منافسات «خليجي 25» الكروية

شارع الفراهيدي أحد معالم مدينة البصرة الثقافية
شارع الفراهيدي أحد معالم مدينة البصرة الثقافية
TT

البصرة... كيف تواصل صلتها بهويتها الثقافية؟

شارع الفراهيدي أحد معالم مدينة البصرة الثقافية
شارع الفراهيدي أحد معالم مدينة البصرة الثقافية

ربما تردد ذِكر البصرة في وسائل الإعلام المتنوعة مؤخراً بوصفها عاصمةً للاقتصاد العراقي، أو مركزاً رياضياً واعداً يستضيفُ البطولات، إلا أن السمة الأشد قوة وتأثيراً في تاريخ وحاضر المدينة الساحلية هي خصوصيتها الثقافية المتفردة في تاريخ الأدب العربي، منذ تأسيسها حتى اليوم؛ فقد عُرفت الفيحاء بأنها منبتُ علوم اللغة العربية ومنزل حلقات الأدب والكلام، حتى استقطبت العلماء والكتاب من شتى الأقاليم المجاورة، فعافوا أرضهم وسكنوها، بل إن بعضهم عاش فيها حتى مماته. وظل أهلها، على مدى التاريخ، يمدون حركة الثقافة والأدب العربي بألمع الأسماء التي تركت آثاراً بالغة الجدة في مسار تحديث علوم اللغة والآداب والفكر؛ بدءاً بأبي عمرو بن العلاء، فالجاحظ ويونس بن حبيب والفراهيدي والأصمعي وبشار والفرزدق، وانتهاء بالسياب ومحمد خضير وغيرهما كثير.
كيف تواصل المدينة اليوم صِلَتها بهويتها الثقافية؟ وكيف تمارس حياتها الفكرية والأدبية؟ وعلى أي صيغ، في ظل تحديات معقدة صنعتها الحياة الحديثة، وجدل الحديث عن جيل جديد نشأ على تقاليد خاصة به في التعاطي مع العمل الثقافي اجتماعياً؟
وتأمل البصرة استثمار الحالة الإيجابية التي تركتها منافسات «خليجي 25» الكروية التي أُقيمت على أرضها، يناير (كانون الثاني) الماضي؛ إذ شهدت شوارعها حركة واسعة من توافد الجماهير، وهو ما فتح الأمل على إعادة البصرة قِبلة للمشاريع الاستثمارية بما يتناسب مع إمكانياتها، ويعيد إليها وضعها الزاهي في الذاكرة.
ربما تُعدّ البصرة، إلى جانب العاصمة بغداد، من أكثر مدن العراق التصاقاً بالفعل الثقافي، فلا يكاد يمضي يوم فيها من دون مناسبة أو نشاط أو أمسية، على الرغم من اقتصار تلك الفعاليات، إجمالاً، على الحضور النخبوي المحدود؛ فالحديث عن فعالية ثقافية تحظى بجمهور واسع لا يزال بعيداً، إلا إذا استثنينا افتتاح «مهرجان المربد الشعري»، لما يحظى به من عناية إعلامية. ويمكن تقسيم النشاط الثقافي في البصرة إلى نشاط تقيمه مؤسسات رسمية (حكومية وغير حكومية)، ونشاط ثانٍ تفعله جهات وأفراد، ويغلب عليه الجهد التطوعي الفردي شبه التجاري.
وتتركز أغلب الفعاليات الثقافية الرسمية في البصرة، في المربع الذي يُعد مركزها الاستراتيجي الممتد بين منطقتي العشار والبصرة القديمة، حيث تتوزع على تلك المساحة التي ينصّفها نهر العشار التاريخي أهم المواقع والمؤسسات والقاعات الثقافية. غير أن جزءاً مهماً من تلك المواقع يخضع الآن إلى حملة تأهيل واسعة تسببت في إيقاف نشاطاتها المعتادة.

- تأهيل البيوت التراثية وتوقف النشاطات
الحملة التي تقوم بها «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) لتأهيل الشارع التراثي في محلة نظران بالبصرة القديمة، تتضمن تأهيل مبانٍ أثرية لبيوت عوائل بصرية عريقة تم منحها إلى 3 مؤسسات ثقافية، هي على التوالي: «قصر الثقافة والفنون» (وزارة الثقافة)، و«اتحاد الأدباء والكتاب»، و«جمعية الفنون التشكيلية»، مما تعذرت معه إقامة أي فعالية ثقافية في الوقت الحالي، وقد دأبت تلك المؤسسات على نشاطات أسبوعية تضم ندوات نقدية ومحاضرات وأمسيات شعرية. وقد أشار الشاعر فرات صالح، رئيس «اتحاد الأدباء»، إلى أن «من المؤمل تسلُم بناية الاتحاد نهاية فبراير (شباط) الحالي؛ إذ سيقام حفلٌ بإشراف (اليونيسكو) و(هيئة التراث والآثار) نتسلم على أثره المبنى، ونستأنف فعالياتنا الأسبوعية».
غير أن تقلص نشاط المؤسسات الثقافية الرسمية والنقابية مؤقتاً، بفعل الأعمال الإنشائية، عوضه، بالدرجة الأساس، «شارع الفراهيدي للثقافة والكتاب»، الذي يُعد، اليوم، الواجهة الأولى لناشطي الثقافة في البصرة. الشارع الذي تأسس عام 2015 بمبادرة شبابية تطوعية استطاع، وفي ظروف صعبة، استقطاب عناية القراء والكتاب على حد سواء، مهيئاً بيئة مناسبة لتأسيس مكتبات أهلية يقودها شباب لم يحصلوا على فرصة عمل، فاتجهوا للاعتماد على أنفسهم. الدعم الحكومي للشارع بدا في أول الأمر خجولاً ومتردداً؛ إذ كانت فعاليات الشارع التي تقام كل جمعة (على غرار شارع «المتنبي» ببغداد) تشتكي من انعدام الإنارة الكهربائية ليلاً، وضعف الخدمات البلدية، لكن الأمر بدأ بالتحسُّن لاحقاً، ثم جاءت مبادرة «USAID»، وضمن برنامجها «تعافي»، بإنشاء 14 كشكاً خشبياً لبيع الكتب نُفذ على الطراز المعماري المحلي، «بيوت الشناشيل»، وأُهدي لمكتبات الشارع التي كانت تقدم بضاعتها على منضدات أو تحت مظلات عادية.
يعرض الشارع، فضلاً عن جديد الكتب العربية والعراقية، الأنتيكات والمصغرات التذكارية التي ترتبط بفلكلور المدينة، واللوحات الفنية وأسطوانات الغناء العراقي الكلاسيكي والطوابع. بينما تقام على حدائقه (حدائق العباسية) ورش متنوعة مفتوحة في الإعلام والتنمية والاقتصاد وتعلم الرسم والعزف على الآلات الموسيقية يقدمها أفراد متطوعون ومنظمات مجتمع مدني.

- ظاهرة دور النشر
قبل عقود من السنوات، لم يكن بإمكان كاتب أو كاتبة من البصرة طباعة كتاب يُوزَّع على نحو دولي إلا بالتعامل مع دور النشر العربية في سوريا ولبنان. وسوى دار «السياب» التي تأسست عام 2006، فكانت أول دار نشر عراقية (بصرية) دولية توزِّع خارج العراق وداخله، لم يكن أمام المثقف البصري سوى المطابع الأهلية، أو «دار الشؤون الثقافية»، أو الطباعة خارج العراق بتكاليف باهظة، حتى برزت ظاهرة تأسيس دور نشر بصرية خاصة استفادت من الانفتاح الجزئي في صناعة الكتاب، ودخول بعض الشركات العربية لتجارة الكتب إلى السوق العراقية، وتلمُّس طرق الوصول إلى تعاون مشترك في الطباعة والتوزيع؛ فتأسست دار «ورَّاقون» عام 2014، تبعتها منشورات «باصورا» 2015، ثم «المعقدين» 2016. توالى بعدها تأسيس دور النشر «شهريار» و«الأهلية» و«الهجان» و«ماركيز» و«وتر».
وعلى الرغم من أن جميع إصدارات هذه الدور تُطبع في لبنان وسوريا وإيران؛ إذ لم تنجح أي دار في نقل الطباعة إلى داخل البلاد، فإنها حققت طفرة نوعية في زيادة عدد الإصدارات المحلية، وتسويق الأسماء الأدبية داخل المدينة، وإطلاقها إلى التداولين الداخلي والخارجي. فظهرت إصدارات كتب البصريين في معارض الكتاب العربية المهمة بعد سنوات من العزلة والانقطاع حتى باتت ظاهرة تكاثر دور النشر تستدعي التأمل والدراسة، رغم ما واجهها من تحديات اقتصادية تركت ظلالاً على استمرار بعضها بالعمل.

- جمعيات مستقلة وغاليريهات
جانب آخر مضيء من النشاط الثقافي في مدينة الجاحظ العريقة، تمثَّل في جمعيات وروابط ومنظمات ثقافية وقاعات عرض للفن التشكيلي جرى تأسيسها من أفراد وجماعات صغيرة بصورة شخصية، اعتماداً على الإمكانات الخاصة والشغف النبيل بالفن والأدب، السمة الأصيلة في شعب تربى على قيم الجمال، وإن عصفت به رياح العنف والخراب حيناً من الزمن. واللافت في موضوع الجمعيات والقاعات المستقلة أنها موزَّعة على عدد من مناطق المدينة وأقضيتها من أقصى القرنة حتى الفاو جنوباً، ومن الزبير غرباً حتى التنومة شرقاً؛ فنذكر هنا «رابطة مصطفى جمال الدين» التي تنشط بجلسات دورية، ومهرجان سنوي لشعر الشباب (مهرجان المحبة والسلام)، و«ملتقى جيكور»، و«منتدى السياب» في أبي الخصيب، و«ملتقى البصرة الثقافي»، و«سوباط التراثي»، و«ديوان الزبير الثقافي»، و«منتدى الزبير» التابع لـ«اتحاد الأدباء والكتاب». فضلاً عن جمعيات ومنتديات الشعر الشعبي، التي يصعب حصرها هنا، وتكاد كل منطقة في البصرة تضم رابطة له تشهد تفاعلاً متصاعداً. يتحرر جمهور هذه الروابط نسبياً من بعض مظاهر النخبوية الثقافية ليأخذ طابعاً اجتماعياً متحرراً من اشتراطات المؤسسة الرسمية.

- فسحة للفنون الجميلة
تنفَّست المدينة من جديد، وبعد سنوات من افتقارها لقاعات العرض الخاص، هواءً جديداً، العام الماضي، تمثل بتأسيس قاعتين خاصتين لعرض اللوحات التشكيلية، وإقامة المعارض والمناقشات، هما: «غاليري حامد سعيد» بحي الجزائر - مركز المدينة، و«محترف حمدي» بناحية الهوير، شمال البصرة، لصاحبيهما الفنانَين حامد سعيد وأسامة حمدي. ونظم «غاليري حامد سعيد» معارض فنية لفنانين من داخل البصرة وخارجها، أتبعها بمحاضرات لمختصين في العلوم والفنون والآثار، بعضهم أجانب، فضلاً عن ورش في الرسم لذوي الاحتياجات الخاصة. ويرى مثقفون أن انتعاش قاعات العرض يخلص الأجواء الثقافية من رتابة الفعاليات واقتصارها على الأمسيات الشعرية واحتفاءات الكتب.

- الموسيقى خجولة والصحافة منسية
البصرة المعروفة بتراث موسيقي وغنائي متنوّع وفلكلور غني تضم اليوم عدداً محدوداً من الفرق الموسيقية توزَّع نشاطها بين عزف الموسيقى الكلاسيكية (فرقة الأوركسترا التابعة لجامعة البصرة)، والموسيقى الشعبية/ الخشابة (فرقة سعد اليابس) و(الخيزران)، وأغاني التراث والمقام (فرقة عراجين). لكن اللافت أن السنوات الأخيرة شهدت تأسيس فرق موسيقية لبعض خريجي قسم الموسيقى في كلية الفنون الجميلة، وهواة من محبي العزف، تقدم هذه الفرق عروضاً تجمع الموسيقى الشرقية بالغربية، على غرار الباندات الغربية التي انتشرت في بصرة الستينات والسبعينات على كازينوهات «شط العرب». وتقدم فرق، مثل «نوى» و«كاسيت» و«سامر سعيد»، حفلات في قاعات عامة خصوصاً، أو مجمعات تجارية ومقاهٍ تعيد إلى الأذهان أجواء الاعتدال الاجتماعي التي سبقت حرب الخليج الأولى، ولو على نحو خجول.
غير أن مدينة حداثة الشعر وثورة الصحافة الوطنية في القرن العشرين تعيش اليوم بلا صحافة ورقية تُذكر. وسوى جريدة «صباح البصرة» الرسمية التابعة لـ«شبكة الإعلام العراقي»، لا تصدر في البصرة اليوم أي صحيفة أو مجلة أو دورية منتظمة الصدور يُعتدّ بها؛ فاختفت من أكشاك بيع الكتب صحف «العشار» و«ناس» و«البصرة السياسية»، وانكفأت دورية اتحاد الأدباء، «فنارات»، ليقتصر إصدارها على مناسبة المهرجان الشعري، مرة كل سنة!
بل إن مدينة مهمة للعراق والمنطقة، سياسياً واقتصادياً، كالبصرة، لا تملك قناة فضائية تعكس نبضها اليومي. وسوى بضع محطات إذاعية متفرقة، لا يمثل صحافة وإعلام المدينة المحلي اليوم إلا صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended