حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أوروبا تنجح في تخطي اضطراب إمدادات الغاز... و«أوبك» ترسي عوامل استقرار النفط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط
TT

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، هيكلة أسواق الطاقة العالمية، وأجبرت الدول التي تعتمد على مصدر وحيد لتوليد طاقتها، سواء من دولة محددة أو مصدر طاقة محدد، إلى تنويع مصادرها من دول كانت خارج حساباتها الاقتصادية والسياسية وحتى بعدها الجغرافي، مع الحرص على تنويع مصادر الطاقة نفسها أيضاً.
وفي الوقت الذي وجد فيه العالم نفسه فجأة أمام مسار إجباري، نهايته غير معروفة حتى الآن، برز قطاع الطاقة كمحدد أساسي في العلاقة بين الدول، حتى تولى ملف الطاقة لدى الدول كافة، الرؤساء أنفسهم، وبدت القبلة هنا شرقاً.
استحوذت دول الشرق الأوسط هنا على النسبة الأكبر من المناقشات والمباحثات والتعاقدات والعقود ومذكرات التفاهم، مع الغرب، وتحديداً الدول الأوروبية، في قطاع الطاقة، وذلك عكس ما كان يروج له الغرب تماماً، من وجوب التحول نحو الطاقة المتجددة والضغط على الدول المنتجة للوقود الأحفوري، حتى تقلل من إنتاجها ومن ثم انبعاثاتها الكربونية.
لم تحدد الدول الغربية، بسبب الحرب الأوكرانية، قبلتها ناحية الشرق، إلا بعد أن استخدمت معظم مصادر الطاقة لديها، حتى إنها عادت إلى عصور الفحم من جديد، الوقود الأكثر تلويثاً للمناخ؛ ومع مؤشرات إطالة زمن الحرب، بدا الشرق الأوسط هنا حلاً متوازناً، يحافظ على مصادر طاقة، أقل تلويثاً، ويحرص على أن يستمر الغرب في النور، من إضاءة وتدفئة تحافظ على سريان الدم في عروق مواطنيه.

وسياسة دول الشرق الأوسط هذه، ربما قد تضر بعلاقتها بروسيا، المستمرة في الحرب، والمستمرة أيضاً في ضخ الغاز عبر أوكرانيا للقارة الأوروبية، التي تعارض بشدة تدخلها في أوكرانيا، بل ووقعت عليها عقوبات هي الأشد منذ عقود على أي دولة، ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، الاقتصاد الأكبر في العالم.
غير أن روسيا عضو في مجموعة «أوبك بلس»، التي تضم أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، بقيادة السعودية، (13 دولة) وحلفاءها (10 دول)، وهو ما يتوجب عليه قرارات تحافظ على أسواق الطاقة العالمية، حتى لو كانت موسكو، عضواً في «أوبك بلس».
واضطراب أسواق الطاقة يخدم روسيا ويضر باقي المنتجين، وهو ما لم تسمح به السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لذلك وازنت بقراراتها بين العرض والطلب، حتى الآن، مع استقرار الأسعار دون 100 دولار، وهو ما يخدم الاقتصاد العالمي.
بناء على كل هذه المعطيات، تستطيع الدول الأوروبية، أن تقول: «نجحنا في اختبار أزمة الطاقة، بعد مرور عام كامل على الحرب الروسية - الأوكرانية، التي ضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، باستهدافها الطاقة والغذاء».
- العالم يتجه شرقاً
بعد عقود من اعتماد القارة الأوروبية على روسيا في توفير أكثر من 40 في المائة من استهلاك الطاقة، بدأت الدول الأعضاء تنتفض، كل حسب درجة تأثره بأكبر أزمة طاقة عالمية منذ عقود.
ألمانيا: توجهت ألمانيا، المتضرر الأكبر من تغيرات أسواق الطاقة، التي كانت تعتمد على روسيا بنحو 50 في المائة في توفير طاقتها، إلى قطر، واتفقت بموجب صفقتين جديدتين نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بتزويدها ما يصل إلى مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال يومياً عبر ناقلات بحرية، بداية من عام 2026 ولمدة 15 عاماً.
يتعين على ألمانيا استبدال 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كان يتم ضخها من روسيا إلى ألمانيا سنوياً عبر خط أنابيب نورد ستريم 1. الذي تضرر بسبب تفجيرات، ما زال منفذها مجهولاً.
ويهدف أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يعتمد على الغاز الطبيعي بشكل أساسي لتشغيل القطاع الصناعي، إلى استبدال جميع واردات الطاقة الروسية بحلول منتصف عام 2024. ذلك وسط تقديرات بخسائر تكبدها الاقتصاد الألماني تتخطى 100 مليار يورو (106.4 مليار دولار)، أو نحو 2.5 في المائة من الناتج الاقتصادي للبلاد، وفق رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (دي آي دبليو) مارسيل فراتسشر.
إيطاليا: وقعت إيطاليا والجزائر، يناير (كانون الثاني) 2023. اتفاقية لبناء خط أنابيب غاز جديد، لرفع إمدادات روما من الغاز الجزائري من 20 إلى 35 مليار متر مكعب. في الوقت الذي تعتزم فيه إيطاليا رفع واردات الغاز إلى مستوى 50 - 70 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2025، من أجل القيام بدور مركز للطاقة في قارة أوروبا.
ترتبط الجزائر مع القارة الأوروبية بثلاثة خطوط للغاز، الأول: «ترانسميد»، وهو خط قديم يمر عبر تونس إلى صقلية، والثاني: خط «جالسي»، الذي أوقف تنفيذه منذ 10 سنوات، ثم عاد الحديث بشأنه من جديد، ويمر إلى إيطاليا عبر جزيرة سردينيا. بالإضافة إلى الخط الثالث: «ميدغاز»، الذي يصل إلى إسبانيا والبرتغال، مروراً بالمغرب. لذلك تعد إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال أهم عملاء الجزائر.
كما وقعت إيطاليا، يناير 2023، اتفاقاً لإنتاج الغاز من الحقول الليبية بقيمة 8 مليارات دولار لمدة 25 عاماً، يضمن تعزيز إمدادات الطاقة إلى أوروبا، على أن يبدأ الإنتاج عام 2026 ويستهدف الوصول إلى 750 مليون قدم مكعبة يومياً.
الاتحاد الأوروبي: في يونيو (حزيران) 2022، وقَّعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، اتفاقية ثلاثية، تقوم بمقتضاها القاهرة وتل أبيب بتصدير وإعادة تصدير الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط. ورغم عدم الإعلان رسمياً عن مدة وقيمة الصفقة، غير أنها قد تمتد 3 سنوات، مع تمدد تلقائي لمدة عامين.
صدرت مصر 8 ملايين طن من الغاز خلال عام 2022، مقارنة بنحو 7 ملايين طن في العام المقارن، وذلك من 50.6 مليون طن إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي خلال العام الماضي. وسط مساعٍ لزيادة حجم الصادرات الغازية بالتزامن مع إجراءات ترشيد الطاقة في البلاد.
- أميركا تتصدر
في مارس 2022، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مُصدِر للغاز الطبيعي المسال في العالم، للمرة الأولى على الإطلاق، وذلك بفضل زيادة شحناتها إلى أوروبا المتعطشة للطاقة.
تعد أستراليا وقطر والولايات المتحدة وروسيا والجزائر والسعودية، من كبار مصدري الغاز في العالم.
فاق الإنتاج الأميركي، إنتاج قطر وأستراليا من الغاز، في ديسمبر (كانون الأول) 2021، بعدما قفزت الصادرات من منشآت سابين باس وفريبورت، وفقاً لبيانات تتبع السفن نشرتها «بلومبرغ».
تحولت أميركا من مستورد للغاز الطبيعي المسال إلى أكبر مصدر في أقل من عقد، بفضل إنتاج الغاز الطبيعي الصخري، فضلاً عن ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في مرافق التسييل.
ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي في عام 2022، في صورة غاز مُسال 8 في المائة لتبلغ 10.6 مليار قدم مكعب يومياً، أي أقل بقليل من 10.7 مليار قدم مكعب يومياً تصدرها أستراليا. بينما ظلت الولايات المتحدة متقدمة على قطر، التي احتلت المرتبة الثالثة بتصديرها 10.5 مليار قدم مكعب يومياً، وفقاً لبيانات «رفينيتيف».
- الصين تدخل على الخط
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الشرق الأوسط لتأمين إمدادات الطاقة، وتحديداً الغاز، دخلت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتضمن نصيباً يضمن لها الحفاظ على مركزها الاقتصادي، حتى شكلت الشركات التي يقع مقرها بالصين نحو 15 في المائة تقريباً من كافة العقود التي تبدأ في عمليات تسليم إمدادات الغاز الطبيعي المسال حتى 2027. وفق تحليل بيانات «بلومبرغ إن إي إف».
يقدر حجم عمليات إعادة بيع الصين بـ5.5 مليون طن غاز طبيعي مسال خلال العام الماضي، وفق تقرير البحث الشهري لشركة «إي إن إن إنيرجي» لشهر يناير الماضي. يعادل ذلك نحو 6 في المائة من إجمالي حجم سوق العقود الفورية.
أبرمت الصين عقوداً مع برامج تصدير أميركية أكثر من أي دولة أخرى منذ 2021، وفق بيانات «بلومبرغ إن إي إف»، ووقعت الصين اتفاقية تاريخية، نوفمبر 2022، بقيمة 60 مليار دولار لشراء الغاز الطبيعي المسال من قطر، بموجبها يتم إرسال 4 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً اعتباراً من عام 2026. لمدة 27 عاماً.
- أوروبا تنجح حتى الآن
انخفضت حصة إمدادات الغاز الطبيعي الروسي من نحو 50 في المائة من إجمالي الإمدادات في أوروبا إلى أقل من 10 في المائة، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي. وفي حال استمرار الإمدادات الروسية عند مستوياتها الحالية، على الاتحاد الأوروبي استيراد 20 مليار متر مكعب من الغاز الروسي فقط، خلال العام الحالي، مقابل 155 مليار متر مكعب، قبل نشوب الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
وفَّر الاتحاد الأوروبي 12 مليار يورو (8.‏12 مليار دولار) من الغاز منذ بداية الأزمة الروسية، بفضل زيادة توليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وفق بيانات مركز أبحاث الطاقة (إمبر) الصادرة 22 فبراير (شباط) 2023.
وخفضت دول الاتحاد الأوروبي استهلاك الغاز بنسبة 3.‏19 في المائة منذ الصيف الماضي، لتتجاوز هدف الاستهلاك، الذي وضعته الكتلة الأوروبية. وفق وكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات» الثلاثاء الماضي.
كانت الدول الأوروبية قد تعهدت بخفض الطلب على الغاز بنسبة 15 في المائة خلال الأشهر ما بين أغسطس (آب) 2022، ومارس (آذار) 2023، مقارنة بالفترة نفسها خلال الخمسة أعوام السابقة. وذلك بعدما خفضت روسيا صادرات الغاز للكتلة الأوروبية في أعقاب غزو أوكرانيا.
وأظهر تقييم للأشهر من أغسطس 2022، حتى يناير 2023، أن 22 دولة من بين 27 دولة خفضت الطلب بنسبة 15 في المائة أو أكثر.
ووفقاً لـ«يوروستات»، سجلت فنلندا وليتوانيا والسويد أكبر خفض بنسبة سالب 3.‏57 في المائة، وسالب 9.‏47 في المائة وسالب 2.‏40 في المائة على التوالي.
وخفضت دول أخرى استهلاك الغاز، ولكن بنسبة أقل من المستهدف، وهي سلوفينيا (سالب 2.‏14 في المائة) وإسبانيا (سالب 7.‏13 في المائة) وآيرلندا (سالب 3.‏0 في المائة). وسجلت دولتان فقط بالاتحاد الأوروبي زيادة في الطلب، وهما سلوفاكيا بزيادة بنسبة 6.‏4 في المائة ومالطا بنحو 9.‏11 في المائة. ومع هذا التخفيض في الطلب الأوروبي على الغاز، تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى نحو 50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، نزولاً من زهاء 350 يورو سجلتها خلال ذروة الأزمة، أو ما يعادل 100 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. كما تراجعت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة لأقل من دولارين لكل مليون وحدة حرارية لأول مرة منذ 2020. إلى 1.9 دولار لكل مليون وحدة حرارية تسليم مارس 2023.
ولا يتعارض كل هذا، مع التسعيرة الجبرية (سقف للأسعار) التي وضعتها أوروبا على الغاز الروسي. غير أن المخاوف تتزايد مع كل فصل من فصول العام، سواء موسم الشتاء الذي يتطلب التدفئة أو موسم الصيف الذي يتطلب التبريد.
- فرص الشرق الأوسط تزداد
تقول إيمان هيل، رئيسة الاتحاد الدولي لمنتجي النفط والغاز، إن الصراع الروسي الأوكراني سلَّط الضوء على أهمية أمن الطاقة للعالم أجمع، ولفت الانتباه إلى أزمة كبيرة جنباً إلى جنب مع عمليات إزالة الكربون وتحول الطاقة: «نحن جميعاً معنيون بصناعة النفط والغاز لدفع عملية إزالة الكربون وتحول الطاقة، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك على حساب أمن الطاقة».
أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى أوروبا، فقد أوضحت الحرب الروسية أنه لا يمكنك الاعتماد بشكل مفرط على الإمداد من بلد واحد، أو منطقة واحدة، مثل أوروبا، التي اعتمدت بشكل مفرط على روسيا في إمدادات الطاقة».
ترى هيل أن هناك فرصة كبيرة لدول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لسد الفجوة في الطلب على الطاقة، وسط سياسة تنويع الإمدادات بعيداً عن الغاز والنفط الروسي، التي تتبعها الدول الأوروبية، وبعض الدول الأخرى، خوفاً من العقوبات. وقالت: «ستكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة مهيمنة من حيث الإنتاج لعقود قادمة». نظراً لأن المنطقة تتمتع بإمكانيات كبيرة سواء في الطاقة التقليدية أو الطاقة المتجددة.


مقالات ذات صلة

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.