مروان العباسي... رجل المهمات الاقتصادية الصعبة

محافظ «البنك المركزي التونسي» ينشط وسط تراكم الأزمات المعيشية

مروان العباسي... رجل المهمات الاقتصادية الصعبة
TT

مروان العباسي... رجل المهمات الاقتصادية الصعبة

مروان العباسي... رجل المهمات الاقتصادية الصعبة

يُعدّ محافظ «البنك المركزي التونسي»، مروان العباسي، أحد أبرز خبراء «البنك الدولي» في شمال أفريقيا طيلة عقدين، وواحداً من أبرز مسؤولي الدولة المكلفين منذ سنوات محاولة «كسر الحصار المالي الدولي» لتونس. وكان العباسي قد رُشّح بعد منعرج 25 يوليو (تموز) 2021 لرئاسة الحكومة بـ«ضوء أخضر» من نقابات رجال الأعمال والعمال وبعض السفارات الغربية والشركاء الاقتصاديين الأجانب. وهو من أكثر الشخصيات السياسية التي استقبلها الرئيس التونسي قيس سعيّد، وعقد جلسات عمل معها منذ توليه مقاليد الأمور في «قصر قرطاج». إلا أن سعيّد وافق لاحقاً على اقتراح إسناد رئاسة الحكومة إلى امرأة، فكلف العباسي أن يتصدر، مع «الثلاثي الاقتصادي»، في حكومة نجلاء بودن، جهود توفير حاجيات الدولة والبلاد إلى تمويلات خارجية ازدادت الحاجة إليها منذ استئناف مفاوضات الحكومة مع «صندوق النقد الدولي»، في 2016 ثم 2018.

منذ تولي نجلاء بودن رئاسة الحكومة التونسية، صار مروان العباسي ضمن «المطبخ المصغر» حول رئيسة الحكومة، الذي يضم كذلك وزير الاقتصاد والتخطيط سمير سعيد، ووزيرة المالية سهام بوغديري منصية.
ويتميز الثلاثة بكونهم من خريجي جامعات تونسية وفرنسية في الاقتصاد والمالية، وأيضاً بكثرة تحركاتهم في اتجاه الصناديق العربية والأفريقية والدولية لجذب المستثمرين، والتوصل معها لتسوية معضلات عجز الموازنة والتضخم المالي وصناديق الدعم وإفلاس كثير من المؤسسات العمومية.
أيضاً يقود العباسي مع هذا «الثالوث» المفاوضات المضنية مع «صندوق النقد الدولي» ومع «البنك العالمي» و«البنك الأوروبي للاستثمار» والصناديق العربية والأفريقية والإسلامية للتنمية. ولقد عُرِف الرجل بابتسامته الدائمة وهدوئه الكبير، بما في ذلك خلال المؤتمرات الصحافية والاجتماعات التي يشارك فيها عشرات الوزراء ورجال الأعمال والخبراء، وتتعرض فيها قرارات مجلس إدارة «البنك المركزي» إلى انتقادات لاذعة، مثل رفع معدلات الفائدة والإجراءات «اللاشعبية» التي تؤدي إلى تراجع الإقبال على القروض البنكية عامة وقروض الاستهلاك خاصة.

- من «البنك الدولي» إلى ليبيا
التحق مروان العباسي بفريق «البنك الدولي»، بعد نحو عقدين من التدريس في إحدى أبرز جامعات النخبة الاقتصادية في تونس، وهي «المعهد الأعلى للتجارة» في قرطاج، وبعد مشاركات عديدة في مهمات استشارية وإدارية في مؤسسات اقتصادية وعلمية تونسية وعربية ودولية.
في يناير (كانون الثاني)، عُيّن العباسي في «مجموعة البنك الدولي» برتبة «خبير اقتصادي أول ومنسق إقليمي للبرامج في ليبيا». وبعد سنتين، وتحديداً عام 2010، اختاره «البنك الدولي» ممثلاً رسمياً له لدى ليبيا، ثم رُقّي عام 2012 إلى مرتبة مدير «مكتب البنك الدولي» لدى ليبيا.
بفضل هذه المسؤوليات في «البنك الدولي» ومكتبه في ليبيا، أصبح العباسي قريباً من موطنه (تونس)، ومن مسؤولي المؤسسات المالية الإقليمية والدولية المسؤولة عن ملفات كامل شمال أفريقيا، بما فيها تونس.

- مقرّب من السبسي وسعيّد
بعد نحو 10 سنوات في «البنك الدولي»، اختارت السلطات التونسية مروان العباسي لتعويض محافظ «البنك المركزي»، الشاذلي العياري، وزير الاقتصاد الأسبق الذي تقدمت به السن وأتعبه المرض.
في ذلك الحين، رشحه الرئيس التونسي الراحل، الباجي قائد السبسي، ورئيس حكومته (يومذاك)، يوسف الشاهد (يوم 7 فبراير 2018) لرئاسة «البنك المركزي» و«السلطة النقدية»، التي أصبحت، منذ 2016، وفق القانون التونسي الجديد، «سلطة مستقلة» عن السلطة التنفيذية، رغم خضوعها لرقابة البرلمان والهيئات العليا الرقابية للدولة. ولقد رحَّبت أغلب الأطراف وقتها بتعيين العباسي محافظاً جديداً.
البرلمان، في الواقع، صادَق، خلال أسبوع واحد، على قرار التعيين الصادر عن رئيس الحكومة، الشاهد. ولم يعترض عليه إلا 18 نائباً، بينما احتفظ 5 نواب بأصواتهم، ما مكَّنه من أن يؤدي اليمين الدستورية، بعد يوم واحد، في «قصر قرطاج»، أمام الرئيس قائد السبسي.
منذ ذلك الحين، حافَظ العباسي على موقعه، خصوصاً بعد انتخابات خريف 2019 الرئاسية والبرلمانية، ما أكد شعبيته وتقدير أغلب الأطراف السياسية الوطنية له.
ومن ثم، تصدر «السلطة النقدية» مجدداً في حكومتي إلياس الفخفاخ؛ من فبراير (شباط) إلى أغسطس (آب) 2020، وهشام المشيشي؛ من سبتمبر (أيلول) 2020 إلى 25 يوليو (تموز) 2021... وأخيراً في عهد حكومة المهندسة نجلاء بودن، التي أدت اليمين الدستورية يوم 29 سبتمبر 2021.
بذا يكون العباسي قد نجح في أن يكون «صديقاً» لكل الأطراف السياسية والحكومية والبرلمانية، ومقرباً وموثوقاً من كل الرؤساء ورؤساء الحكومات خلال السنوات الأخيرة.

- «الثالوث الاقتصادي»
على صعيد الصعود السياسي، رشحت وسائل الإعلام التونسية مراراً العباسي لرئاسة الحكومة، بينما دافع آخرون عن بقائه على رأس «البنك المركزي»، الذي أصبحت لديه صلاحيات واسعة جداً منذ مصادقة البرلمان والحكومة على القانون الذي نص على «استقلاليته»، بل إن بعض قرارات مجلس إدارة «البنك المركزي» اصطدمت، أواخر عهد حكومة يوسف الشاهد (2016 - 2019)، وفي عهد حكومة هشام المشيشي (مطلع 2021)، بقرارات وزارة المالية والحكومة، لأن القانون يعطي محافظ «البنك المركزي» اليد الطولى في الدفاع عن احتياطي البلاد من العملة الوطنية والعملات الأجنبية. وتبين أن صلاحيات رئيس «السلطة النقدية» كانت مراراً أكبر من كثير من صلاحيات الوزراء وقصرَي الرئاسة في القصبة وقرطاج.

- بعد حل البرلمان وحكومة المشيشي
لكن الأمور تغيرت بعد منعرج 25 يوليو 2021 وحلّ البرلمان وحكومة هشام المشيشي، وبالتالي، تركُّز غالبية صلاحيات السلطات الثلاث في قصر الرئاسة بقرطاج؛ فقد نظّم الرئيس سعيّد سلسلة من المقابلات وجلسات العمل مع العباسي بمفرده، أو بحضور زميليه في «الثالوث الاقتصادي»، سمير سعيد وزير الاقتصاد والتخطيط، وسهام بوغديري منصية وزيرة المالية.
ثم عزز العباسي موقعه في المؤسسات العليا لصنع القرار في الدولة، بعد ما أبداه من تعاون وتجاوب مع الرئيس سعيّد ورئيسة حكومته، بودن، في سباقهما ضد عقارب الساعة لتوفير «حاجيات موازنة الدولة المالية»، ووضع حد لـ«الحصار» المالي الدولي الذي بررته بعض العواصم الأوروبية والغربية برغبتها في «تشجيع السلطات التونسية على العودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني».
وعلى الرغم من اعتراضات كثيرة من الخبراء الاقتصاديين، مثل معز حديدان، وتحفُّظ المسؤولين السابقين عن البنوك، مثل عز الدين سعيدان، وافق العباسي وفريقه في مجلس «البنك المركزي» على التمادي في توفير «السيولة المالية والنقدية» للحكومة، عبر تسهيلات الحصول على مزيد من القروض من البنوك التونسية.
وفي ظل «الحصار المالي» الكبير المفروض على تونس، أصبحت الحكومة توفر قسطاً كبيراً من حاجياتها من الدينار التونسي والعملات الدولية بـ«ضوء أخضر» من العباسي وإدارة «البنك المركزي»، على الرغم من التقارير والدراسات التي تحذر من «العواقب المالية والسياسية الخطيرة لسياسة» تأجيل مواعيد استرداد البنوك لديونها لدى الدولة إلى عام 2033.
في أي حال، الانتقادات الموجَّهة لمروان العباسي وللرئيس سعيّد، بسبب هذا الاعتماد «المبالغ فيه» (في نظر البعض) على احتياطي البنوك المحلية من العملات الوطنية والدولية، لم تنل من موقعه في مؤسسات صُنع القرار في البلاد، ولا من تأثيره السياسي ولا توافقه مع وزيرة المالية ووزير التخطيط الاقتصاد في «الثالوث الاقتصادي» الذي تعتمد عليه رئاسة الجمهورية ورئيسة الحكومة. والدليل تكليفه أخيراً بقيادة مفاوضات جديدة مع كبار مسؤولي «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» في واشنطن، ثم خلال «مؤتمر دافوس» بسويسرا، وفي «قمة الحوكمة» بدبي.

- مؤهلات علمية لافتة
لعل من أبرز نقاط القوة عند مروان العباسي أنه من بين الشخصيات القليلة جداً التي تتمتع بخبرة اقتصادية عريضة، أكاديمياً وميدانياً، خلافاً لكل رؤساء الحكومات منذ 2011، وجلّ وزراء المالية والاقتصاد السابقين الذين تخرجوا في المدارس العليا للمهندسين والتكنوقراط؛ فقد حصل العباسي على درجة الأستاذية في الاقتصاد والتخطيط من كلية العلوم الاقتصادية والتصرّف بتونس، ثم نال شهادة الماجستير في الرياضيات الاقتصادية والاقتصاد المتري من جامعة بانتيون - أساس في العاصمة الفرنسية، باريس. ثم نال الماجستير في الاقتصاد الزراعي من «المعهد الوطني للبحوث الزراعية» بجامعة باريس الأولى - بانتيون سوربون. وحصل من الجامعة نفسها لاحقاً على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية.
هذه المؤهلات الأكاديمية جعلت من مروان العباسي سياسياً واقتصادياً متخصصاً وخبيراً، بخلاف مَن كانوا يوصَفون برموز «دولة الهواة»، التي أسهبت في الحديث عنها المعارضة والنقابات. وكان الأكاديمي فتحي اليسير قد تطرق إليها في كتاب مطوَّل ضمَّنه قراءة نقدية لأداء حكومات ما بعد «ثورة يناير 2011».
وبالإضافة إلى هذه الخبرة الاقتصادية والميدانية، لا يُصنَّف العباسي من بين المسؤولين الذين أُثروا بعدما تحمّلوا مسؤوليات عليا في البلاد، ضمن ما أصبح يوصَف بـ«المافيات الجديدة» أو «دولة الغنيمة»، على حد تعبير الإعلامي والوزير السابق الطيب اليوسفي، الذي ألَّف بدوره كتاباً تحت هذا العنوان لتقييم غلطات السياسيين وصُنّاع القرار خلال العقد الماضي.

- بين الجامعات والإدارة
في مسار موازٍ، مع الصبغة العلمية والأكاديمية لمروان العباسي، فإن خبراته قبل وصوله إلى رئاسة «البنك المركزي» لم تقتصر على تجاربه في «البنك الدولي».
ففي عام 1997، عُيّن مستشاراً في «المعهد العربي لرؤساء المؤسسات»، وهو مؤسسة دراسية تونسية دولية تنظم سنوياً مؤتمرات اقتصادية وعلمية يشارك فيها مئات من كبار رجال الأعمال ورؤساء الحكومات ووزراء الاقتصاد والمالية ومسؤولي القطاعات الاقتصادية والشؤون الاجتماعية في تونس والعالم العربي وأميركا وأوروبا والعالم أجمع.
كذلك عُيّن العباسي خبيراً في «المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية»، وهو مؤسسة علمية استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية منذ تأسيسها قبل 30 سنة. ويتعاون مع هذا المركز نخبة من كبار السياسيين والخبراء من عدة اختصاصات اقتصادية وجيو - استراتيجية وسوسيولوجية.
أيضاً خاض الاقتصادي المحنك تجربة العمل في المؤسسات الحكومية لمدة قصيرة؛ إذ عُيّن قبل «ثورة 2011» مستشاراً اقتصادياً لوزير التجارة والسياحة والصناعات التقليدية مكلفاً شؤون تنسيق مشاريع تنمية الصادرات التي يمولها «البنك الدولي».
وفي قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، اكتسب خبرة دولية عندما عُين عام 1993 أستاذاً زائراً في «المعهد الكاثوليكي للدراسات التجارية العليا» بالعاصمة البلجيكية، بروكسل، ثم عام 2005، عُين أستاذاً زائراً في «معهد رنسيلير البوليتكنيكي»، وهو جامعة أميركية خاصة مرموقة في ولاية نيويورك، ثم عام 2009 في جامعة «تسوكوبا» باليابان.

- الاستقلالية عن الأحزاب
في المرحلة الانتقالية الجديدة التي تمر بها تونس، والتي تعمقت فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يمكن القول إن الهوة اتسعت بين كبار صناع القرار الرسمي والمعارضة والنقابات. وصارت معظم قيادات الحكم والمعارضة والنقابات تعترف بكون التحديات الأخطر التي تواجه البلاد اليوم تنموية اقتصادية اجتماعية سياسوية فوقية.
وحقاً، أكد عزوف نحو 88 في المائة من التونسيين عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية الجديدة، وفي المظاهرات والاحتجاجات التي تنظمها الأحزاب والنقابات أن الأولوية المطلقة بالنسبة لغالبية الشعب ورجال الأعمال والنخب ما عادت الانخراط في المعارك السياسية الفوقية... بل تحسين المؤشرات الاقتصادية والمالية والتنموية.
في هذا الإطار، يطالب كثير من السياسيين المحسوبين على المعارضة، وأيضاً أنصار مشروع الرئيس قيس سعيّد، بأن تكون الحكومة المقبلة اقتصادية في المقام الأول، وأن تسند رئاستها لشخصية مالية اقتصادية وطنية لديها أوراق رابحة دولياً.
ومن هنا، عاد الحديث يتردد عن ترشيح مروان العباسي لرئاسة الفريق الحكومي المقبل، مع الإشارة إلى أنه في هذه الأثناء غيّر الرئيس سعيّد 5 وزراء في الحكومة الحالية. وجاء التغيير وسط أنباء عن تغييرات أخرى مبرمجة قد تشمل حقائب كثيرة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
TT

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة، بعد استقباله قادة تشكيلات مسلحة، من بينهم محمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، والمطلوب دولياً في قضايا تهريب البشر، فيما وصف حقوقيون ووسائل إعلام محلية اللقاء بأنه «تطبيع مع قادة الميليشيات».

جاءت المأدبة الرمضانية التي جمعَت وزير الداخلية الليبي بعدد من عمداء البلديات والقيادات الميليشياوية في مدينة الزاوية (30 كلم غرب طرابلس)، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية واشتباكات متكررة. وأبدى الطرابلسي تفاؤله، مؤكداً أن «مدينة الزاوية قادرة على الإسهام الفاعل في دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في المنطقة الغربية».

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

وذهب وزير الداخلية في غرب ليبيا إلى الحديث عن التصالح، قائلاً إن «الخلافات مهما طالت فلن تدوم، وأبناء الوطن الواحد قادرون على تجاوزها بروح الأخوة والمسؤولية». وشدد على «نبذ الفرقة والخلاف، وأن تكون جميع مدن ومناطق ليبيا يداً واحدة لترسيخ الأمن والاستقرار».

لكن نشطاء ووسائل إعلام محلية انتقدوا استقبال الطرابلسي للقصب، المتهم بتهريب البشر والوقود، فيما أشاد القصب عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» بـ«حسن الضيافة»، عاداً هذا الإفطار «يعزز جسور التواصل بين أبناء الوطن الواحد».

والقصب قائد ميليشيا «سرية الإسناد»، المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر» في الزاوية، مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع ستة أشخاص آخرين متهمين بـ«الانخراط في شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وأصدر النائب العام الليبي، الصديق الصور، أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق بـ«تهريب النفط».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

يشار إلى أن الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، إضافة إلى موقعها الحيوي على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين العاصمة ومعبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

وتعد مآدب الإفطار التي ينظمها رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية الطرابلسي، تجمعاً غير معتاد لقادة ميليشيات وقيادات قبلية واجتماعية من غرب البلاد، لكنها تواجه انتقادات حقوقية واسعة.

في هذا السياق، قال رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، ناصر الهواري، إن هذه الموائد «تمثل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب، ومظلة رسمية لتجاهل حقوق الضحايا، وإضفاء الطابع الرسمي على ممارسات غير قانونية لقادة الميليشيات في غرب ليبيا».

وأضاف الهواري لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات قد تمثل بداية لتنسيق جديد لتصعيد في العاصمة طرابلس، وربما يؤدي إلى مزيد من المآسي على المدنيين».

من جانبه، علّق مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، على صورة مصافحة الدبيبة مع أحد قادة الميليشيات قائلاً: «احتفظوا بهذه الصورة جيداً، فقد تصبح دليلاً لاحقاً على مسؤوليات لم يُعترف بها، كما حدث سابقاً حين تبرأ بعض الأشخاص من أمراء حرب، كانوا يجلسون معهم على موائد مماثلة».

بدورها، استهجنت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إقامة هذه المآدب، وأكدت استنكارها الشديد لاستقبال الدبيبة لشخصيات جدلية، مثل معمر الضاوي، قائد «الكتيبة 55 مشاة»، المتهم بانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

المنفي مع وفد نسائي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (المجلس الرئاسي)

في شأن آخر، أشاد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بالدور الوطني للمرأة الليبية، مثمناً إسهاماتها في دعم مسار الاستقرار، وتعزيز جهود الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة. وقال خلال اجتماعه بالعاصمة طرابلس مع عدد من السيدات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مساء الجمعة، إن «المرأة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية».

إلى ذلك، أعلن جهاز «مكافحة الهجرة غير المشروعة»، التابع لوزارة الداخلية في حكومة «الاستقرار» عن ترحيل 255 مهاجراً سرياً من بنغازي إلى مركز إيواء «أبراك الشاطئ»، استعداداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية في منطقة القرن الأفريقي.

مهاجرون غير شرعيين بليبيا (جهاز الهجرة)

وأوضح «الجهاز» أن المهاجرين ينتمون لثلاث جنسيات أفريقية، بينهم 144 إريترياً، و82 صومالياً، و29 إثيوبياً، مؤكداً أن «الإجراء يأتي ضمن جهود الحكومة لتنظيم ملف الهجرة غير المشروعة وحماية الأمن القومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها».


لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
TT

لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)

طالب أكثر من 1700 أكاديمي ومهني من المجتمع الأكاديمي السوداني والبريطاني والدولي، الحكومة البريطانية بمراجعة سياستها الأخيرة المتعلقة بوقف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين، محذِّرين من أنَّ القرار قد يحرم آلاف الطلاب من إحدى آخر الفرص المتاحة لهم للوصول إلى التعليم العالي في ظلِّ الحرب التي تشهدها بلادهم.

وجاءت الدعوة في مذكرة مشتركة وُجِّهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعضاء حكومته، أعرب فيها الموقِّعون عن قلقهم من «الأثر غير المتناسب» الذي قد تُحدثه القيود الجديدة على المتقدمين السودانيين، مؤكدين أنَّ مثل هذه الإجراءات قد تمسُّ السمعة التاريخية للمملكة المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً للفرص الأكاديمية والتبادل العلمي. ويخشى أكثر من 200 طالب سوداني، من طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس، فقدان مقاعدهم الدراسية في 46 جامعة، من بينها أكسفورد وكمبردج وإمبريال كوليدج لندن. ويقول بعضهم إنَّ القرار «المفاجئ» مزَّق خططهم المستقبلية.

ملصقٌ صُمِّمَ لحملة الطلاب السودانيين لإلغاء قرار الحكومة بمنعهم من الدراسة في المملكة المتحدة

وتضم قائمة الموقِّعين أساتذة جامعات، وأطباء، ومتخصصين قانونيين، وقادة مجتمع مدني، وطلاباً من مؤسسات تعليمية في قارات عدة. وأشاروا في رسالتهم إلى أن حرمان الشباب السودانيين من فرص التعليم في الخارج، في وقت دمَّرت فيه الحرب الجامعات وشرَّدت الملايين، من شأنه تعميق التداعيات طويلة الأمد للنزاع، وإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام الجيل المقبل.

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت، في قرار صدر مطلع الشهر الحالي، وقف إصدار بعض أنواع تأشيرات الدخول الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في إطار ما وصفتها بـ«إجراءات طارئة» تهدف إلى تخفيف الضغط على نظام اللجوء، والحدّ من «إساءة استخدام القنوات القانونية». ومن المقرر أن يبدأ تطبيق القرار في السادس والعشرين من مارس (آذار) الحالي.

وذكرت وزارة الداخلية، في بيان، أن طلبات اللجوء المُقدَّمة من طلاب من الكاميرون والسودان ارتفعت بأكثر من 330 في المائة، وهو ما يُشكِّل - بحسبها - ضغطاً غير قابل للاستدامة على نظام اللجوء في المملكة المتحدة. وأفادت مصادر في الوزارة بأنَّ طلبات التأشيرات المُقدَّمة من طلاب الدول الـ4 ستستمر معالجتها حتى 26 مارس، غير أنه «من غير المرجح للغاية» أن يتمكَّن المتقدمون من الحصول على تأكيد قبول للدراسة قبل الموعد النهائي.

في المقابل، يرى معارضون أنَّ الحديث عن «إساءة استخدام» نظام التأشيرات مبالغ فيه، مشيرين إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين تقدَّموا بطلبات لجوء خلال العام الماضي بلغ 120 طالباً فقط، من إجمالي أكثر من 110 آلاف طلب لجوء.

شخصان يسيران على الضفة الجنوبية لنهر التيمس خلفها قصر وستمنستر في لندن (أ.ف)

ويرى المُوقِّعون أنَّ القرار لا يقتصر تأثيره على الأطر العامة للسياسات التعليمية والهجرة، بل امتد بالفعل إلى مسارات أكاديمية ومهنية فردية. ويستشهدون بحالة طبيبة سودانية لاجئة في أوغندا اجتازت بنجاح المراحل النظرية من زمالة الكلية الملكية لطب الطوارئ، غير أن استكمال الجزء العملي من الامتحان يتطلب السفر إلى بريطانيا، وهو ما أصبح مهدداً بسبب القيود الجديدة. وتقول الطبيبة إن حلمها بالتخصص في طب الطوارئ؛ للمساهمة في مواجهة الأوضاع الصحية الحرجة في بلادها، بات مؤجلاً وربما مهدداً، في وقت تفكر فيه بالبحث عن بدائل في دول أخرى تمنح المؤهل ذاته.

كما يلفت أكاديميون إلى أن القرار قد يقضي على خطط طلاب دراسات عليا وأولية كانوا قد حصلوا بالفعل على قبول في جامعات بريطانية أو في برنامج المنح الدولية «تشيفنينغ (Chevening)»، الذي استفاد منه آلاف السودانيين خلال السنوات الماضية. ويشير أحد الطلاب إلى أن الحرب أخَّرت تخرجه الجامعي، وأن قرار الحظر أجهض آماله في استئناف دراسته العليا وبناء مستقبل مهني مستقر.

وتؤكد الرسالة المشتركة أن القيود الجديدة، في ظلِّ استمرار النزاع في السودان، لا تعرقل فرص التعليم فحسب، بل قد تُعمّق خسائر بلد تضررت مؤسساته التعليمية بشدة، في وقت أصبحت فيه الدراسة في الخارج إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الشباب.

ودعا المُوقِّعون في ختام مذكرتهم الحكومة البريطانية إلى مراجعة عاجلة للنهج الحالي، بما يضمن اتساق قرارات التأشيرات مع التزامات المملكة المتحدة بمبادئ العدالة والانفتاح الأكاديمي، وعدم معاقبة الطلاب الساعين إلى التعليم بسبب ظروف الحرب التي أغلقت أمامهم آفاق الاستقرار داخل وطنهم.

من جانب آخر، ينتقد بعض الباحثين في السياسات العامة مبررات القرار، عادّين أنه يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً تنظيمياً. ويشيرون إلى أن أعداد الطلاب السودانيين الحاصلين على تأشيرات دراسة في بريطانيا تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعداد الطلاب الدوليين، ما يثير تساؤلات حول جدوى استهدافهم بهذه القيود.