تمهل رسمي روسي في تقييم المبادرة الصينية

دعوات في موسكو لمواصلة «الحسم العسكري الشامل» ودفع حدود بولندا إلى الوراء

بوتين مع وزير الدفاع الروسي لوضع الزهور على قبر الجندي المجهول في موسكو الخميس (أ.ف.ب)
بوتين مع وزير الدفاع الروسي لوضع الزهور على قبر الجندي المجهول في موسكو الخميس (أ.ف.ب)
TT

تمهل رسمي روسي في تقييم المبادرة الصينية

بوتين مع وزير الدفاع الروسي لوضع الزهور على قبر الجندي المجهول في موسكو الخميس (أ.ف.ب)
بوتين مع وزير الدفاع الروسي لوضع الزهور على قبر الجندي المجهول في موسكو الخميس (أ.ف.ب)

لفت الأنظار صباح أمس (الجمعة) التمهل الروسي في إعلان موقف رسمي حيال المبادرة الصينية المقترحة للسلام في أوكرانيا، خصوصاً أن توقيت طرحها تزامن مع تكثيف الاتصالات بين موسكو وبكين في الفترة الأخيرة؛ ما أوحى بأن الجانب الصيني أطلع سلفاً الكرملين على مضمون الأفكار التي ينوي الإعلان عنها.
وفي ظل غياب الموقف الرسمي الفوري، اكتفت وسائل الإعلام الحكومية بنشر البنود الـ12 للمبادرة الصينية من دون التعقيب عليها أو استطلاع آراء خبراء السياسة حول مضمونها. ومع ذلك، بدا من التعليقات النادرة التي ظهرت على شاشات بعض قنوات التلفزيون الحكومية إشارات إلى أهمية تعزيز الدور الصيني، وأن مقترحات بكين موجهة بالدرجة الأولى لمواجهة الاتهامات الغربية لبكين بإطلاق آليات لدعم موسكو عسكرياً. لكن، في الوقت ذاته، لم تظهر تعليقات على مضمون المقترحات التي ينتظر أن يواجه بعضها تحفظات روسية. وقد يكون هذا السبب وراء التمهل في إعلان موقف رسمي حيالها.
وفقاً لخبراء، فإن موسكو مع توقع إعلان الترحيب بأي مبادرة تصدر عن بكين، ومحاولة استخدامها لتوسيع الهوة بين بكين والعواصم الغربية من خلال التركيز على سعي الغرب لإفشال أي مبادرة سلام مقترحة، لكنها في الوقت ذاته، لا تجد في الأفكار المقترحة ما يدعم موقفها في موضوع ضم أجزاء من أوكرانيا، وضرورة الانطلاق في أي مبادرة للسلام من «الأمر الواقع الجديد التي تم تكريسه» وفق تأكيدات مستويات سياسية وعسكرية روسية عدة في الفترة الأخيرة.
وهذا يعني أن المبادرة الصينية لا تستجيب تماماً لتطلعات موسكو في هذا الشأن، خصوصاً أنها استهلت الفقرة الأولى في الأفكار المعروضة بتأكيد ضرورة «احترام سيادة الدول كافة»، وأن «جميع الدول متساوية، بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها»، وأنه يجب تطبيق القانون الدولي بشكل موحد والتخلي عن المعايير المزدوجة. هذا المدخل قد لا يكون مريحاً جداً للكرملين؛ لأنه قابل للتفسير بشكل يخالف بقوة تطلعات موسكو لفرض الأمر الواقع الجديد على طاولة أي مفاوضات مستقبلية.

بانتظار اتضاح الموقف الرسمي، فإن توقيت طرح الأفكار الصينية كان أكثر ما لفت الأنظار، خصوصاً أنه جاء بعد زيارة قام بها إلى موسكو أخيراً كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي، وهي أعلى زيارة لمسؤول صيني إلى العاصمة الروسية منذ توقيع الجانبين شراكة «بلا حدود» قبل أسابيع من بدء الحرب في أوكرانيا. وكان لافتاً حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استقبال الوزير وتأكيده خلال اللقاء أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى «آفاق جديدة»، كما أعلن عن زيارة مرتقبة لنظيره الصيني شي جينبينغ لروسيا.
دفع ذلك إلى ترجيح أن أي خطوات صينية منتظرة قد تم تنسيقها مسبقاً مع موسكو. على الجهة المقابلة، برز من مسارعة الغرب إلى التشكيك بجدوى المقترحات الصينية أن موسكو قد تتعامل معها من زاوية واحدة تقوم على محاولة توسيع الهوة بين واشنطن وبكين.
وبعد تعليقات حلف الأطلسي التي شككت بالمبادرة الصينية حملت تصريحات القيادة الألمانية تشكيكاً بقدرة الصين على لعب دور بنّاء في النزاع في أوكرانيا.
لكن الأبرز من ذلك، مسارعة بلدان غربية عدة إلى تصعيد الموقف مع موسكو بعد إعلان المبادرة الصينية مباشرة. وبعد إعلان البيت الأبيض، الخميس، أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات جديدة «واسعة النطاق» على روسيا، وأن الرزمة الجديدة سوف تستهدف «قطاعات حيوية تدر عائدات على (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين»، جاء الإعلان عن أن الحرب في أوكرانيا ستكون أهم عناوين قمة افتراضية لمجموعة السبع، الجمعة، وسيشارك فيها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ومن بين الأهداف المحددة للعقوبات البنوك والكيانات التي تساعد موسكو على التهرب من العقوبات، فضلاً عن «جهات فاعلة في دول ثالثة تحاول التهرب من عقوباتنا» وفقاً للبيان الأميركي.
بدورها، أعلنت الخارجية البريطانية توسيع قائمة العقوبات المفروضة ضد روسيا وضمت 92 فرداً وكياناً قانونياً، بما في ذلك أولئك المرتبطون بشركة «روس آتوم» المسؤولة عن الصناعات النووية.
كما أعلنت نيوزيلندا وأستراليا الجمعة، رزمة عقوبات جديدة على روسيا طالت شركات، ومجموعة من السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال.
وضمت القائمة النيوزيلندية أعضاء لجنة الانتخابات المركزية الروسية، وبعض قادة التشكيلات العسكرية، وكذلك العسكريون الذين يلعبون دوراً نشطاً في النزاع الأوكراني، وكذلك أفراد من عائلاتهم.
بينما فرضت أستراليا عقوبات ضد 40 شركة ومؤسسة و90 شخصاً من روسيا بينهم نواب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، وأليكسي أوفرشوك، وفيكتوريا أبرامشينكو، وتاتيانا غوليكوفا ودينيس مانتوروف، بالإضافة إلى البطريرك كيريل، والعديد من الوزراء والمحافظين، وأعضاء اللجنة المركزية للانتخابات، ومدير عام القناة التلفزيونية الأولى قسطنطين إرنست.
وشملت العقوبات كذلك شركة «كلاشينكوف» للصناعات العسكرية، ومؤسسة بناء السفن «ترسانات السفن البحرية»، وشركات متخصصة في إنتاج الطائرات والصواريخ ووكالة «سبوتنيك» وبعض المصارف.
في مقابل المواقف الغربية، برزت مواقف روسية لا يبدو أنها تنسجم تماماً مع روح التهدئة التي تقترحها المبادرة الصينية. وفي تعليق لنائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف على الذكرى السنوية للحرب، قال المسؤول إن «يوم النصر سيحل حتماً. وسنستعيد أراضينا وسنحمي مواطنينا الذين عانوا خلال سنوات من الإبادة الجماعية والقصف». لكنه اعتبر أن ذلك ليس كافياً، وأنه سوف يتوجب على روسيا لاحقاً أن «تكمل المهمة» لأن «دوافع أعداء روسيا الرئيسيين، واضحة: إضعاف روسيا قدر الإمكان، واستنزاف قواها لفترة طويلة. لذلك، فهم غير مهتمين بإنهاء النزاع. لكن عاجلاً أم آجلاً ووفقاً للقوانين التاريخية، سيفعلون ذلك. وبعد ذلك سيكون هناك اتفاق. وطبعاً، من دون اتفاقيات أساسية بشأن حدود حقيقية أو على ميثاق هلسنكي جديد يضمن الأمن في أوروبا. ستكون هناك فقط اتفاقية ما». وزاد «ستحل فترة ليست أقل صعوبة. أشهر وسنوات مرهقة من المواجهة ونوبات الهستيريا والفظاظة من جانب الذين يديرون ما تبقى من أوكرانيا. سيستمر القوميون في السيطرة على السلطة لأنه لا يوجد هناك أي عقيدة أخرى غير النازية الجديدة». وأضاف، أنه «لا يجوز السماح بحدوث ذلك، وهذا يعني ضرورة تحقيق كل أهداف العملية العسكرية الخاصة، وبالتالي إبعاد الخطر عن روسيا.. ويجب تدمير النازية الجديدة على الأرض».
وزاد ميدفيديف من تهديداته قائلاً، إن الوسيلة الوحيدة أمام موسكو لضمان السلام الدائم مع أوكرانيا هي دفع حدود الدول المعادية إلى الوراء قدر الإمكان حتى وإن كان ذلك يعني حدود بولندا العضو في حلف شمال الأطلسي.
ولبولندا حدود شرقية طويلة مع أوكرانيا وبيلاروسيا حليفة موسكو إلى جانب حدود بمسافة نحو 200 كيلومتر في شمال شرقها مع جيب كالينينجراد الروسي. وأي اعتداء على حدود بولندا سيجعل روسيا للمرة الأولى في صراع مباشر مع حلف شمال الأطلسي. وتعهد الرئيس الأميركي جو بايدن في كلمة في العاصمة البولندية وارسو هذا الأسبوع بالدفاع على «كل شبر» من أراضي حلف شمال الأطلسي إذا ما تعرضت للهجوم. ويعبر ميدفيديف (57 عاماً) عن آراء متشددة على نحو متزايد، ويرى بعض المحللين السياسيين أنه من الشخصيات التي قد يفكر فيها بوتين يوماً ما لخلافته.
وتوقع ميدفيديف، وهو حليف للرئيس فلاديمير بوتين، أمس، أن تنتصر روسيا، وأن يضع شكل من أشكال الاتفاقات الفضفاضة حداً للحرب في نهاية المطاف. وتوقع أن النصر ستتبعه مفاوضات صعبة مع أوكرانيا والغرب وستصل إلى ذروتها بتوقيع «نوع ما من الاتفاقات». لكنه قال، إن الاتفاق سيفتقر إلى ما وصفها بأنها «اتفاقيات أساسية حول الحدود الحقيقية» ولن يرقى إلى مستوى اتفاق أمني أوروبي شامل؛ مما يجعل من الضروري أن تمدد روسيا حدودها الآن. «لذلك من المهم جداً تحقيق جميع أهداف العملية العسكرية الخاصة ودفع الحدود التي تهدد بلادنا إلى الوراء قدر الإمكان حتى وإن كانت حدود بولندا».


مقالات ذات صلة

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا تظهر هذه الصورة التي التقطها ونشرها المكتب الصحافي لـ«اللواء الآلي 65» التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يوم 20 فبراير 2026 عناصر إنفاذ القانون الأوكرانيين وهم يقفون بين الأنقاض أمام مبنى سكني متضرر عقب غارة جوية في كوميشوفاخا بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب) p-circle

انقطاع الكهرباء في زابوريجيا بعد هجوم أوكراني على بنى تحتية للطاقة

قال مسؤول عيَّنته روسيا، اليوم (الأحد)، إن الجزء الخاضع لسيطرة موسكو من منطقة زابوريجيا الأوكرانية يعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد هجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended