بوتين: هزيمة روسيا مستحيلة... والغرب خان التعهدات

علق العمل باتفاقية «ستارت»... وبلينكن «يأسف للغاية» لقراره «غير المسؤول»

النخب الروسية تستمع إلى بوتين ملقياً خطابه السنوي للأمة أمس (أ.ب)
النخب الروسية تستمع إلى بوتين ملقياً خطابه السنوي للأمة أمس (أ.ب)
TT

بوتين: هزيمة روسيا مستحيلة... والغرب خان التعهدات

النخب الروسية تستمع إلى بوتين ملقياً خطابه السنوي للأمة أمس (أ.ب)
النخب الروسية تستمع إلى بوتين ملقياً خطابه السنوي للأمة أمس (أ.ب)

أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إشارة جديدة على توسيع حجم المواجهة مع الغرب خلال المرحلة المقبلة، بعدما علق العمل باتفاقية «ستارت» للأسلحة الهجومية الاستراتيجية، ما يعني دخول العالم في مرحلة جديدة من سباق التسلح.
وشدد بوتين، في خطابه أمام الهيئة التشريعية الروسية الثلاثاء، على أن «هزيمة روسيا مستحيلة»، ملمحاً إلى أنه سيتم التعامل بالشكل المناسب حيال تحويل الصراع في أوكرانيا إلى مواجهة عالمية.
وخصص بوتين الجزء الأكبر من خطابه للحديث عن المواجهة المتسعة مع الغرب حالياً، وتداعيات الحرب في أوكرانيا على تأجيج الصراع العالمي. وقال إن الغرب أجج الحرب الأوكرانية بهدف «إنهاء روسيا».
وتساءل: «ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟ إنه يعني إنهاءنا وبشكل نهائي وللأبد. إنهم يعتزمون نقل الصراع المحلي إلى مرحلة مواجهة عالمية. هذا الذي نفهمه من كل هذا، وسنرد وفقاً لذلك، لأنه في هذه الحالة نحن نتحدث بالفعل عن وجود بلدنا. لكنهم أيضاً يدركون، ولا يمكنهم أن يتجاهلوا، أنه من المستحيل هزيمة روسيا في ساحة المعركة».
وقال إن روسيا تفهم وتعي أهداف الغرب، وسيتم الرد عليهم وفقاً لذلك.
وأضاف الرئيس الروسي: «النخب الغربية لا تخفي أهدافها في إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا... يريد الغرب جعل المواجهة عالمية». وزاد بقوله: «إن مسؤولية التحريض على المواجهة وتزايد أعداد الضحايا يقعان على عاتق الغرب ونظام كييف».
كما وصف الرئيس بوتين أوكرانيا بأنها «مستعبدة» من قبل الغرب، وزاد: «كانت الدول الغربية تعد كييف لحرب كبيرة... دربوا ضباطاً من الكتائب (النازية) الأوكرانية وقاموا أيضاً بتزويدهم بالأسلحة».
ورأى أن «الغرب يستخدم أوكرانيا ساحةً للحرب. كلما زاد مدى الأسلحة التي يزود بها الغرب أوكرانيا، سنقوم بدفع العدو بعيداً عن أراضينا». وأضاف الرئيس الروسي: «نحن لا نحارب الشعب الأوكراني، هذا الشعب أصبح أسيراً للغرب على المستويات الاقتصادي والسياسي والعسكري».
وقال بوتين خلال خطابه: «أنا مضطر لأن أعلن اليوم أن روسيا ستعلق مشاركتها في معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. أكرر، ليس الانسحاب من المعاهدة. لا، بل بالتحديد تعليق المشاركة. ولكن قبل العودة إلى المناقشة والبحث بشأن تمديد (ستارت)، يجب أن نفهم، ما الذي تريده تلك الدول مثل فرنسا وبريطانيا؟ وكيف سنأخذ في الاعتبار ترساناتها الاستراتيجية، أي القدرة الضاربة المشتركة لتحالف شمال الأطلسي».

بوتين مخطاباً الأمة (أ.ب)

وأضاف: «الولايات المتحدة، من خلال الناتو، توجه إنذاراً وتنبيهاً لموسكو بشأن معاهدة ستارت الجديدة... واشنطن تطالب بتحقيق النقاط جميعاً، بينما تخطط واشنطن للتصرف كما تشاء».
في المقابل، لفت الرئيس الروسي إلى أن واشنطن «تفكر في إجراء اختبار للأسلحة النووية»، وقال: «إن هذا الأمر بات معلوماً، وبناء عليه يجب أن تكون وزارة الدفاع و (روساتوم) على استعداد لاختبار الأسلحة النووية في حال قامت الولايات المتحدة بذلك أولاً».
وأضاف: «في بداية فبراير (شباط) طالب الناتو بالعودة إلى معاهدة (ستارت) بما في ذلك إتاحة الفرصة للإشراف على قوات الردع النووية الروسية... إنه مسرح العبث بعينه»، مضيفاً: «طلبنا حول الإشراف المقابل لم يتم الرد عليه، أو تم تجاهله».
ولفت الرئيس بوتين إلى أن «الناتو» يريد أولاً إلحاق «هزيمة استراتيجية» بروسيا، و«بعد ذلك يريد أن يشرف على منشآتنا النووية (...) لا يمكن لروسيا أن تتجاهل ذلك». وأوضح بوتين أن الغرب «يقول لنا إنه لا علاقة بين مشكلات الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، والصراع في أوكرانيا والأعمال العدائية الأخرى ضد بلدنا، إلا أنه وفي الوقت نفسه لا يخفى على أحد أنهم يريدون إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا... هذا ذروة النفاق، أو السخرية... إنهم يريدون إلحاق هزيمة استراتيجية بنا والولوج لمنشآتنا النووية».
ووجه بوتين خلال خطابه رسائل داخلية إلى الروس، وقال: «أخاطبكم اليوم في ظل تغييرات جذرية وأحداث تاريخية تحدد مستقبل وطننا وشعبنا». وأكد أن بلاده «كانت منفتحة للحوار، وسعت للحصول على ضمانات أمنية للجميع بمساواة وعدل»، محملاً الغرب مسؤولية تأجيج الوضع وإطلاق الحرب في أوكرانيا.
وقال بوتين للروس: «الغرب هو من بدأ الحرب، ونحن حاولنا ونحارب حالياً في محاولة لإيقافها». وزاد: «كنا نعرف أن الخطوة التالية بعد دونباس هي الهجوم على القرم. نحن ندافع عن وطننا، الغرب أضاع نحو 150 مليار دولار لتسليح أوكرانيا. لقد منح الغرب خلال عام 2020 للدول الفقيرة 60 مليار دولار. قارنوا الأرقام».
وفي البعد الاجتماعي اتهم الغرب بمحاولة فرض أجندته الثقافية على الكنيسة وفرض المثلية عليها. وقال إن الكنيسة الإنجليزية تبحث حالياً عن صيغة «محايدة» للفظ الجلالة. ورأى أن «كل تلك المشكلات الثقافية هي مشكلة الغرب، أما نحن فنسعى للحفاظ على أطفالنا». وفاخر بوتين بأن «معظم شعبنا، متعدد الأعراق والأطياف، يدعم عمليتنا العسكرية الخاصة».
ووصف وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الثلاثاء، قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليق العمل بمعاهدة «ستارت الجديدة» الخاصة بتدابير زيادة خفض الأسلحة الهجومية (النووية) الاستراتيجية والحد منها مع الولايات المتحدة، بأنه «مؤسف للغاية وغير مسؤول». بينما حض كلاً من اليونان وتركيا على تخفيف التوتر بينهما بغية تعزيز الوحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) عشية الذكرى السنوية الأولى لغزو روسيا لأوكرانيا.
وكان كبير الدبلوماسيين الأميركيين يتحدث في ختام زيارته لأثينا، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستراقب عن كثب» ما ستفعله روسيا عملياً. وأكد أن إدارة الرئيس جو بايدن ستعمل على التأكد من أن «تموضعنا مناسب لأمن بلدنا وأمن حلفائنا». وذكر أن إدارة بايدن مددت المعاهدة؛ لأن ذلك من «المصالح الأمنية لبلدنا، وفي الواقع من المصالح الأمنية لروسيا»، مضيفاً أن «هذا يؤكد فقط ما هو هذا العمل غير المسؤول». ورغم ذلك، قال بلينكن: «نظل مستعدين للحديث عن قيود الأسلحة الاستراتيجية في أي وقت مع روسيا بصرف النظر عن أي شيء آخر يحدث في العالم أو في علاقتنا»، لأنه «من المهم أن نواصل العمل بمسؤولية في هذا المجال»، معتبراً ذلك أمراً «تتوقعه منا بقية العالم».
وكان بلينكن يزور اليونان، بعد توقفه في تركيا، حيث تفقد المناطق الأكثر تضرراً من الزلازل المدمرة الأخيرة.
وأفاد مسؤولون يونانيون وأتراك بأنهم مستعدون للابتعاد عن النزاعات الطويلة بينهما حول الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط عقب الزلازل التي قضى فيها أكثر من 45 ألف شخص في تركيا وسوريا.
وأمل بلينكن في أن تتيح الهدنة فرصة للعودة إلى الدبلوماسية. وقال: «من مصلحتنا بشدة، وأعتقد أن من مصلحة كل من اليونان وتركيا إيجاد سبل لحل الخلافات القائمة منذ فترة طويلة»، داعياً إلى «القيام بذلك من خلال الحوار، والدبلوماسية (…) وسلمياً وعبر عدم اتخاذ أي إجراءات أحادية أو استخدام أي خطاب مشحون من شأنه أن يجعل الأمور أكثر صعوبة». وإذ أشار إلى الانتخابات البرلمانية اليونانية في أبريل (نيسان) المقبل، والانتخابات العامة التركية في يونيو (حزيران) المقبل، أكد أن «هذا يخلق، في بعض الأحيان، حوافز للانخراط في خطاب يمكن أن يخلق مزيداً من المشكلات».
والتقى بلينكن في أثينا كلاً من رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، ووزيري الخارجية والدفاع؛ لمناقشة «تعميق التعاون العسكري الثنائي الذي توسع بشكل كبير في السنوات الأخيرة». قال ميتسوتاكيس لبلينكن: «نحن جميعاً مصابون بالحزن بسبب الكارثة الإنسانية التي ضربت جيراننا»، معتبراً أن «هذه الكارثة الرهيبة أثبتت أن هناك علاقة عميقة بين شعبينا»، رغم وجود «اختلافات سياسية كبيرة ومهمة».
ورافقت بلينكن إلى اليونان مساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي، سيليست والاندر، التي زارت القواعد العسكرية ومنشآت الموانئ في شمال اليونان، حيث سُمح للولايات المتحدة بالدخول في السنوات الأخيرة، ومنها قاعدة قرب لاريسا في وسط اليونان، استخدمتها الولايات المتحدة لطائرات مسيرة من طراز «إم كيو 9 ريبر» وميناء ألكساندروبوليس قرب الحدود مع تركيا، وأصبحت مركزاً لوجيستياً مهماً للمساعدة العسكرية الأميركية المتجهة إلى أوكرانيا.
وخلال رحلته، دعا بلينكن السويد وفنلندا للانضمام إلى حلف الناتو، وهو الأمر الذي أعاقته مخاوف أنقرة في شأن التهديدات الأمنية التي تصفها بأنها «إرهابية».
وكذلك انتقد بلينكن إيران بشدة لتزويدها روسيا بطائرات دون طيار هجومية، وفشلها في الانخراط في محادثات نووية برعاية دولية.
وسئل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستثني إسرائيل عن القيام بعمل عسكري يهدف إلى منع إيران من حيازة سلاح نووي، فأجاب بلينكن: «ستتخذ الدول قرارات سيادية من أجل أمنها، وهذا بالطبع لا يختلف عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو أي دولة أخرى. لا يمكننا اتخاذ تلك القرارات نيابة عنهم».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.