طبيب نيبالي يعيد النور لعيون 120 ألف مصاب بالعمى

ملك البحرين يتوّج الفائز بجائزة «عيسى لخدمة الإنسانية» في احتفالية كبرى

طبيب العيون النيبالي الدكتور سندوك رويت وسط مجموعة من مرضاه (وام)
طبيب العيون النيبالي الدكتور سندوك رويت وسط مجموعة من مرضاه (وام)
TT

طبيب نيبالي يعيد النور لعيون 120 ألف مصاب بالعمى

طبيب العيون النيبالي الدكتور سندوك رويت وسط مجموعة من مرضاه (وام)
طبيب العيون النيبالي الدكتور سندوك رويت وسط مجموعة من مرضاه (وام)

توّج عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة، طبيب العيون النيبالي الدكتور سندوك رويت، بـجائزة «عيسى لخدمة الإنسانية»، وقيمتها مليون دولار، بعد أن فاز بالجائزة في دورتها الخامسة 21-2022 من بين 139 مرشحاً مثلوا مختلف دول العالم.
وقال العاهل البحريني في كلمته في حفل تسليم الجائزة: «تؤكد التجربة العملية لهذه المبادرة العالمية التي تحتضنها مملكة البحرين، أن خدمة الإنسانية هي ملاذنا الآمن نحو وحدة البشرية واستقرارها، ومن عمق جوهرها المتسامي تنصهر الفوارق، وتتاح الفرص العادلة، وتخفف الآلام، وتهون المصاعب». وأضاف: «تمثل الجهود الاستثنائية لطبيب العيون، الدكتور سندوك رويت من نيبال، أحد الأمثلة الحية والمشرقة لدور النوايا الصادقة في تحقيق الرخاء والسلام الإنساني». كما أثنى على جهود رئيس مجلس أمناء الجائزة وأعضائها، ولجنة التحكيم وأمانتها العامة.
وتحتل جائزة «عيسى لخدمة الإنسانية» مكانة مرموقة بين الجوائز العالمية، وتُمنح في احتفالية ملكية كبرى مرة كل سنتين لفرد أو مؤسسة، وقيمتها مليون دولار أميركي، وميدالية من الذهب الخالص، وشهادة تقدير عليا من الملك حمد بن عيسى آل خليفة تسلم في احتفالية تقام خلال شهر فبراير (شباط).
واختارت لجنة التحكيم مشروع طبيب العيون النيبالي، الذي اشتهر عالمياً بابتكار الطريقة الجديدة لعلاج مرض عتامة العيون، كما استطاع أن يُطوّر عدسة جديدة تُزرع داخل مقلة العين يمكن إنتاجها بسعر أرخص كثيراً من مثيلاتها، وهذه العدسة رخيصة الثمن ساعدته على إجراء جراحة لعلاج إعتام عدسة العين في أقل من 5 دقائق، يُزيل خلالها المياه البيضاء دون غُـرَز، من خلال شقوق صغيرة واستبدال عدسة صناعية منخفضة الكلفة بها، وقد تمكن من علاج أكثر من 120 ألف مريض مصاب بالعمى مجاناً، ومن دون أن يأخذ من مرضاه الفقراء أي مقابل مادي. والمؤسسة التي يرأسها الدكتور سندوك رويت مؤسسة خيرية مستقلة، غير ربحية، وليس للحكومة النيبالية أي مشاركة أو تأثير فيها.
ويعد المعهد الطبي الذي أنشأه الدكتور رويت فريداً من نوعه في بلدان العالم الثالث، من حيث مرافق التصنيع المتعددة، واستخدام المعدات، والقيام بمهام التدريب. ويقول أمين عام الجائزة إن «عنصر الابتكار في عمل الدكتور رويت الإنساني والطبي المتعدد الجوانب هو اكتشاف عدسة تصنّع من مواد اقتصادية، تؤدي الدور نفسه الذي تقوم به العدسة المستخدمة للغرض نفسه عالمياً، إلى جانب ابتداع أسلوب جراحي طبي متميز يقلل من المضاعفات الجانبية، ويختصر الوقت».
وزار فريق البحث الميداني التابع لجائزة «عيسى لخدمة الإنسانية» معهد طب العيون في العاصمة النيبالية كاتماندو، وزيارة مستشفى «هيتودا» المجتمعي للعيون خارج العاصمة، ومعاينة المستشفيات الميدانية المتنقلة، واللقاء المباشر مع الدكتور سندوك رويت والفريق العامل معه، من أطباء وممرضين وفنيين، والحضور الميداني لمسارح عمليات زرع العدسات في المستشفيات الثابتة والمتنقلة بمختلف القرى والأنحاء الجبلية، والالتقاء الشخصي بالمرضى في ساحات الانتظار الخارجية، والتحدث إليهم مباشرة، لاستكشاف طبيعة الحالات، والتعرف على ردود الأفعال المباشرة، حسبما صرح أمين عام الجائزة الدكتور علي عبد الله خليفة.
ويقول خليفة: «كان من مهام فريق البحث الميداني التعرف على كيفية تصنيع العدسة التي توصل الدكتور سندوك رويت إلى اكتشافها، لتضاهي بفاعليتها العدسات غالية الثمن، ومن ثم تصنيعها محلياً، فكان للفريق زيارة للمعهد الطبي المحاذي للمستشفى، والموصل ببنك القرنيات وبمركز لتدريب الكفاءات المحلية».
وتنطلق الجائزة من رؤية تسعى إلى تقدير، ومكافأة إسهامات أولئك الذين يريدون تغيير العالم نحو الأفضل، من خلال علمهم الدؤوب المتفاني، والمبتكر الذي يساعد في استعادة الثقة بالروح الإنسانية الخيرة، وفي تحقيق عالم أفضل إنسانياً لأجيال المستقبل.
حكاية الجراح «حافي القدمين» الذي سماه الفقراء: «رسول الإبصار»
تمثل الحكاية غير العادية للدكتور ساندوك رويت الذي أعاد النور لعيون الآلاف من الأشخاص الأكثر فقراً والأكثر عزلة، وهي حكاية الصبي القادم من قرية نائية ومن عائلة فقيرة، ليصبح واحداً من أكثر أطباء العيون احتراماً وتأثيراً في العالم، ليحمل لقب «رسول الإبصار»، الذي أطلقه عليه مواطنو نيبال.
كما يطلق عليه السكان: «الجراح حافي القدمين»؛ لأنه كان يفضل إجراء الجراحة وهو حافي القدمين، لكنه ساعد أكثر من مائة ألف شخص على استعادة أبصارهم من جديد، وتولى علاج الأشخاص المصابين بالعمى في نيبال دون أن يأخذ منهم أي مقابل مالي.
ينحدر ساندوك رويت، المولود في الرابع من سبتمبر (أيلول) 1954، من قرية نائية تُدعى أولانغ تشونغ غولا وهي قرية جبلية النائية، شرق نيبال، وترتفع 11 ألف قدم فوق مستوى سطح البحر، على حضن ثالث أعلى قمة جبل في العالم، وهي واحدة من أكثر المناطق النائية في نيبال، وتفتقد لأدنى مقومات الحياة العصرية، حيث لا كهرباء، ولا مدارس، ولا مرافق صحية، أو وسائل اتصال حديثة، ولا يقطنها سوى مجموعة صغيرة من السكان لا يتجاوز 200 شخص.
كما أن ساندوك ينحدر من عائلة فقيرة كانت تكتسب عيشها من الزراعة وتربية المواشي، مُنيت بفقد العديد من أفرادها بسبب أمراض تعد اليوم بسيطة، فقد كان الثاني بين أربعة أشقاء، فقدهم الواحد تلو الآخر، فالشقيق الأكبر توفي وهو في الثالثة من العمر نتيجة إصابته بالإسهال الحاد، الذي انتشر في القرية حينذاك، وشقيقته شونداك توفيت من فرط الحرارة وهي في الثامنة من عمرها، لكن الأكثر إيلاماً لرويت هو وفاة شقيقته الصغرى يانغلا عن عمر يناهز الخمسة عشر عاماً، نتيجة إصابتها بداء السل.
كانت الشقيقة الصغرى يانغلا رفيقة طفولته، وبعد إصابتها بداء السل شعرت العائلة بالعجز عن إنقاذ حياتها. يقول ساندوك إنهم عاشوا أوقاتاً عصيبة ومؤلمة، خصوصاً حين قرر الطبيب أن حالتها ميؤوس منها، وطلب أخذها إلى البيت لتموت بسلام.
ويتذكر ساندوك أنها في لحظاتها الأخيرة أمسكت بيده، ونظرت ملياً في عينيه قائلة: «ربما لن أتمكن من رؤيتك ثانيةً يا أخي العزيز، حاول أن تكرس حياتك لإنجاز الأشياء الجميلة».
ووفق أمانة الجائزة فقد حصل ساندوك رويت على منحة من الهند لدراسة الطب والجراحة في كلية الملك جورج الطبية في لاكاناو من عام 1972 إلى 1976، والتحق بمعهد عموم الهند للعلوم الطبية في العاصمة دلهي في عام 1984، ليتخصص في طب وجراحة العيون.
وبين عامي 1987 و1988، سافر رويت إلى أستراليا للتدرب هناك لمدة 14 شهراً في مستشفى أمير ويلز في سيدني، بإشراف طبيب العيون الأسترالي المرموق فرد هولوز.
لقد أدرك رويت أن من أبرز المشكلات الصحية في بلده نيبال هي الإعاقات البصرية، خصوصاً فقدان البصر نتيجة المياه البيضاء، حيث تصل نسبة الإصابة بها بين المرضى الذين تزيد أعمارهم على خمسين عاماً إلى 62.2 في المائة، كما أن سبعة أطفال يفقدون حاسة البصر يومياً في نيبال، وتعد العيوب الانكسارية من أمراض العيون الشائعة، التي تؤدي إلى العمى بين الأطفال، بينما أكثر من 60 ألف شخص بالغ يصابون بالعمى بسبب المياه البيضاء سنوياً، ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن 90 في المائة من الأشخاص المصابين بالعمى يعيشون تحت خط الفقر، وهم من أصحاب الدخل المنخفض جداً. ويحتاج أكثر من 460 ألف مريض إلى خدمات الرعاية الصحية للعيون.
عكف رويت على البحث عن طريقة جديدة لعلاج وباء مرض عتامة العيون، واستطاع أن يطوّر مع الدكتور فرد هولوز عدسة جديدة يمكن إنتاجها بسعر أرخص بكثير، وهذه العدسة الرخيصة الثمن ساعدته كي يجري جراحة لعلاج إعتام عدسة العين في أقل من خمس دقائق، ويقوم بإزالة المياه البيضاء دون غرز من خلال شقوق صغيرة دقيقة تعرف باستحلاب العين، واستبدال عدسة صناعية منخفضة التكلفة بها.
وسرعان ما شرع الطبيبان في التخطيط لبناء مصنع ساعدهما في إنتاج عدسات العين اللازمة لجراحة عمليات إزالة المياه البيضاء، وأدرك كلاهما أن إنتاج العدسات محلياً سيسهم في خفض تكلفة العلاج بشكل كبير.
في يونيو (حزيران) 1995 تم افتتاح المصنع بعد عام واحد من وفاة معلمه وصديقه الدكتور فرد هولوز، كما أصبح رويت المدير الطبي لمعهد «تيلغانغا» لطب العيون في نيبال. ويعد المعهد أحد أهم الشركاء الأساسيين لمؤسسة «فرد هولوز»، وهو الآن صرح طبي عالمي يقوده الطبيب ساندوك رويت، الذي عالج أكثر من 120 ألف مريض مصاب بالعمى القابل للشفاء مجاناً، دون أن يأخذ من مرضاه الفقراء أي مقابل مادي.
وقد تمكن ساندوك من ابتداع وتطوير أسلوب جراحي طبي متميز يقلل من المضاعفات الجانبية، ويختصر الوقت، ويخفض تكلفة المواد المستخدمة، كما تمكن من تصنيع عدسات تمتاز بالجودة التي تضاهي مثيلاتها في دول العالم المتقدم، حيث يتم صنع 350 ألف عدسة في كل عام لمرضى عتامة العيون، وبينما يتكلف تصنيع العدسة الواحدة مائة دولار، فإنها في مصنع الدكتور رويت تتكلف ثلاثة دولارات فقط. إضافة إلى هذا أقام الدكتور رويت أكثر من مائتي مخيم لعلاج العيون بالمناطق النائية في نيبال.
لقد أسهم الدكتور رويت خلال عمله في الثلاثين سنة الماضية بأسلوبه الجراحي المبتكر في خفض نسبة العمى لنحو النصف في نيبال، كما قام بتدريب أكثر من 650 طبيباً من جميع أنحاء العالم ليشاركوه الدرب نفسه، ولينقل إليهم خبرته في معركته ضد العمى، فكان مجموع ما أجروه من عمليات يتجاوز 35 مليون عملية حول العالم.
وقد وضع الدكتور ساندوك رويت هدفاً يسعى لتحقيقه بحلول عام 2030، وهو أن يفحص مليون شخص، ويعالج ما بين 300 إلى 500 ألف شخص مصاباً بالعمى القابل للعلاج.


مقالات ذات صلة

اكتشف أفضل وقت لممارسة الرياضة لخفض السكر في الدم

صحتك المشي الخفيف بعد الوجبات يساعد على استخدام الغلوكوز مباشرة وتقليل ارتفاعه بعد الأكل (أرشيفية-رويترز)

اكتشف أفضل وقت لممارسة الرياضة لخفض السكر في الدم

في الوقت الذي يبحث ملايين الأشخاص حول العالم عن طرق فعالة للسيطرة على سكر الدم، تكشف الدراسات أن توقيت ممارسة الرياضة عامل مؤثر في هذا السياق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أنثى بالغة من نوع قراد النجم الوحيد وهي تزحف على عشب في عام 2023 (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة - أ.ب)

حساسية نادرة وخطيرة تجاه اللحوم… كيف تنشأ متلازمة ألفا-غال؟

تعتبر متلازمة ألفا-غال (Alpha-gal syndrome) نوعاً من الحساسية الناتجة عن لدغات حشرة القُراد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الحفاظ على مستويات مرتفعة من فيتامين «سي» في الجسم قد يحمي الدماغ من التدهور المرتبط بالتقدم في العمر (رويترز)

فيتامين سي قد يساعد في الحفاظ على حجم المادة الرمادية في الدماغ مع تقدمنا في العمر

قال موقع «ميديكال نيوز توداي» إن فيتامين سي قد يساعد في الحفاظ على حجم المادة الرمادية في الدماغ مع تقدمنا في العمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  الحنطة السوداء تحتوي على مجموعة من العناصر المفيدة لصحة القلب (بيكسلز)

6 فوائد صحية لتناول الحنطة السوداء بانتظام

في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالأغذية النباتية الغنية بالعناصر الغذائية، لما لها من دور في دعم الصحة العامة والوقاية من عديد من المشكلات الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مخلل الملفوف التقليدي يُعد من الأطعمة المخمرة التي تحتوي على أنواع متعددة من بكتيريا حمض اللاكتيك (بيكسلز)

5 أطعمة بسيطة بفوائد كبيرة: كيف تعزِّز صحة أمعائك يومياً؟

ازداد الاهتمام مؤخراً بما يُعرف بـ«الأطعمة الوظيفية»، وهي أطعمة لا تقتصر فوائدها على تزويد الجسم بالعناصر الغذائية الأساسية؛ بل تمتد لتشمل دعم وظائف حيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى دولة مالي، إيغور غروميكو، أن العلاقات بين روسيا ومالي بلغت «مستوى غير مسبوق»، خصوصاً في المجال العسكري.

حديث السفير الروسي يأتي بعد فترة من الشك إثر هجمات عنيفة شنها تنظيم «القاعدة» ومتمردون ضد العاصمة المالية باماكو؛ نهاية أبريل (نيسان) الماضي، عُدّت أول اختبار حقيقي للشراكة العسكرية والأمنية بين البلدين، التي بموجبها تنشر موسكو مئات الجنود في مالي.

وقال الدبلوماسي الروسي خلال حفل استقبال بمناسبة «يوم روسيا»، إن «العلاقات الروسية - المالية بلغت مستوى غير مسبوق، وهي تواصل تطورها في المجالات الاقتصادية والعسكرية التقنية والثقافية والتعليمية».

ووفق برقية نشرتها السفارة الروسية، الاثنين، فإن السفير أكد أن «روسيا قاومت مراراً وتكراراً وبنجاح النازية والفاشية وغيرها من أشكال التعصب المتطرف. لطالما دافعت بلادنا، وستواصل الدفاع، عن المساواة بين الشعوب، واحترام سيادة الدول، وبناء عالم عادل متعدد الأقطاب».

السفير الروسي يلقي كلمته بشأن العلاقات بين روسيا ومالي خلال احتفال «يوم روسيا» في باماكو

وشدد وزير شؤون الماليين في الخارج والتكامل الأفريقي، موسى آغ طاهر، على أن «موسكو لا تزال أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لمالي»، مضيفاً أن بلاده «تولي أهمية خاصة للقمة الروسية - الأفريقية الثالثة، المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، التي ستعزز التعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي بين روسيا والقارة الأفريقية».

ووقعت روسيا ومالي، في يونيو (حزيران) 2025، اتفاقية تحدد أسس العلاقات بين البلدين، وذلك في ختام محادثات جرت في الكرملين، بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس مالي الانتقالي، عاصمي غويتا، الذي أجرى زيارة رسمية إلى روسيا.

ومنذ وصول غويتا إلى الحكم إثر انقلاب عسكري عام 2020، راجع وألغى الاتفاقيات العسكرية التي تربط مالي ودولاً غربية؛ من أبرزها فرنسا (القوة الاستعمارية السابقة لمالي)، وتوجه نحو التحالف مع موسكو في حربه على الإرهاب والتمرد.

وبموجب هذه الشراكة الجديدة، حصلت مالي على كميات من الأسلحة والطائرات العسكرية، بالإضافة إلى دعم ميداني من قوات روسية ضمن ما يعرف بـ«الفيلق الأفريقي» الذي يتبع وزارة الدفاع الروسية، وجاء محل قوات مجموعة «فاغنر» الخاصة التي حُلّت العام الماضي.

وزير شؤون الماليين بالخارج والتكامل الأفريقي موسى آغ طاهر يلقي كلمته خلال احتفال «يوم روسيا» في باماكو

ورغم أن الجيش المالي، المدعوم من القوات الروسية، خسر خلال الأشهر الأخيرة كثيراً من مواقعه لمصلحة المتمردين وتنظيم «القاعدة»، في شمال مالي، فإنه يؤكد تحقيق مكاسب على الأرض، بدعم جوي وبري واستخباراتي من القوات الروسية.

وقال الجيش المالي، الأحد، إنه نجح في القضاء على قيادي بارز من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، خلال غارة جوية على منطقة موغنان وسط البلاد. وقال الجيش المالي: «تم تحييد قيادي إرهابي رفيع المستوى بغارة جوية دقيقة بطائرة مسيرة، بعد تحديد موقعه في موغنان. هذا الشخص يُعرف بالأسماء المستعارة: عمر كيرينا، وفاروق، وحسيني ماودو».

وقال الجيش إن القيادي يتولى تنسيق العمليات الإرهابية في جبهات عدة تغطي منطقتي سيكاسو وكوتيالا، في جنوب ووسط مالي، بالإضافة إلى أجزاء من دولة بوركينا فاسو المجاورة.

ومع ذلك، تواجه مالي وضعية أمنية صعبة، بسبب اتساع دائرة نفوذ الجماعات الإرهابية، وارتفاع مستوى تكلفة الحرب التي يخوضها الجيش المالي، وقالت جهات مقربة من «الفيلق الأفريقي» الروسي إن «الوضع في مالي لم يتغير، حيث ما زال تحت سيطرة حكومة مالي والقوات الحليفة».

وأضافت المصادر نفسها أن «(الفيلق الأفريقي) التابع لوزارة الدفاع الروسية والجيش المالي، يواصل تنفيذ عمليات تهدف إلى تحديد مواقع التشكيلات الإرهابية، وتنفيذ دوريات في المناطق المأهولة بالسكان، وتطهير الطرق، ومرافقة القوافل».


ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
TT

ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)

بعد ساعات قليلة على الإعلان عن توصل الجانبين الأميركي والإيراني إلى «اتفاق إطاري» حول وقف الحرب وتحديد مهلة من 60 يوماً لإطلاق مفاوضات حول الملفات الخلافية ودعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العودة إلى الإبحار عبر مضيق هرمز، عجل الرئيس الفرنسي بعرض خدماته وتفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقها في أبريل (نيسان) الماضي مع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، لتوفير الحماية للسفن التي تعبر مضيق هرمز.

ومنذ البداية، ربطت باريس ولندن السير في هذه المبادرة بمجموعة من الشروط، أولها أن تنطلق بعد انتهاء المعارك والتوصل إلى اتفاق، وثانيها أن تكون «منفصلة» عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة، وثالثها موافقة واشنطن وطهران عليها مع توافر ضمانات بامتناع الطرفين عن استهدافها.

ومع الاتفاق الأخير، يكون الشرط الأول قد توافر. ولا شك أن المناقشات التي ستحصل منذ اليوم الأول في إطار قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان الفرنسية ستركز على هذه المسألة، خصوصا أن كافة التعليقات التي صدرت عبر العالم، وتحديداً من الاتحاد الأوروبي جماعياً ومن العواصم منفردة، كلها شددت على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وضرورة أن تكون متحررة من دفع أي رسوم بأي صيغة كانت.

المهمة البحرية الدولية

ماكرون يتحدث خلال مقابلة على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وفي مقطع فيديو نشره ليل الأحد ـ الاثنين على منصة «إنستغرام» أكد ماكرون الذي تترأس بلاده «مجموعة السبع» للعام الحالي، إن قادة المجموعة سوف يناقشون النتائج المختلفة المترتبة على الاتفاق الأميركي ـ الإيراني.

وأردف ذلك بتغريدة على منصة «إكس» جاء فيها أن المهمة البحرية الدولية «متوافرة وجاهزة لمواكبة» عملية إعادة فتح المضيق، مشدداً على أهمية أن تكون «عاجلة وغير مشروطة».

وفي حديثه، يوم الاثنين، للقناة الأولى في التلفزة الفرنسية، بدا ماكرون مستعجلاً وذهب إلى تأكيد أن القوة البحرية التي تم تجميعها ليس بعيداً عن مضيق هرمز «جاهزة للانتشار بسرعة كبيرة». وأشار إلى أن حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» التي تبحر في مياه بحر العرب منذ عدة أسابيع يمكن أن تكون بالمنطقة في غضون فترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، بعد تأكيد الاتفاق الأميركي ـ الإيراني المفترض أن يتم توقيعه في جنيف حضورياً يوم الجمعة القادم.

ضمان عدم فرض رسوم

بزشكيان أثناء أحد لقاءاته بممثلي وسائل الإعلام في طهران (الرئاسة الإيرانية)

كما أكد ماكرون أن المجموعة «سوف تفعل كل ما في وسعها» لضمان ألا تتمكن إيران من فرض رسوم مرور في المضيق.

اللافت أن ماكرون كان، من بين كافة زعماء الدول التي تعهدت بالمساهمة في القوة البحرية بما فيها هولندا وإيطاليا اللتان أرسلتا قطعاً بحرية إلى المنطقة، خصوصاً الشريك الرئيسي بريطانيا، الأكثر استعجالاً لنشر القوة والبدء في ممارسة المهام التي أُنشئت من أجلها.

فرئيس الوزراء البريطاني ستارمر الذي يعاني من مشاكل داخل حزبه بعد استقالة وزير دفاعه الأسبوع الماضي، بقي متمترساً داخل العموميات ولم يواكب ماكرون في تصريحاته. واكتفى ستارمر ببيان جاء فيه أنه «يجب الآن التركيز على التنفيذ الكامل لبروتوكول التفاهم من أجل ضمان إعادة فتح مضيق هرمز، والتأكد من بقائه مفتوحاً بشكل كامل ودائم، وكذلك على استكمال التفاصيل النهائية للاتفاق المتعلق بالبرنامج النووي».

لا شك أن استعجال ماكرون يهدف، في أحد جوانبه، كما يقول سفير فرنسي سابق، إلى «التقارب مجدداً» مع الرئيس ترمب الذي عبر في العديد من المرات عن غيظه من امتناع شركاء بلاده في حلف «الناتو» عن مساعدتها في ضمان سلامة وأمن المضيق الذي أغلقته إيران بشكل شبه تام بعد أيام قليلة من بداية الحرب مع أميركا وإسرائيل.

وكانت لافتة تغريدة ترمب بعد الإعلان عن الاتفاق إذ كتب قائلاً: «أوافق بالكامل على إعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم عبور، وبالتوازي مع ذلك على الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي. إلى سفن العالم أجمع: شغّلوا المحركات. دعوا النفط يتدفق بغزارة».

وأكد أن إعادة فتح المضيق ستتم «فور توقيع الاتفاق يوم الجمعة، بما يسمح ببدء عمليات إزالة الألغام».

إزالة الألغام

جانب من مؤتمر صحافي مشترك لماكرون وستارمر في «الإليزيه» يوم 17 أبريل (رويترز)

المهمة الأخيرة هي إزالة الألغام، يمكن أن تكون المدخل الذي عبره سيعود الأوروبيون وغيرهم للعب دور في الملف الإيراني خصوصاً أنها تشكل إحدى مهمات القوة البحرية التي يشرف عليها الفرنسيون والبريطانيون.

كثيرة هي الدول التي أعربت عن استعدادها للمشاركة في القوة البحرية المشتركة. فإضافة لفرنسا وبريطانيا، هناك أيضاً ألمانيا وبلجيكا والدنمارك واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال. ولا يريد الأوروبيون أن يبقوا وحدهم في الميدان ويرغبون بانضمام دول خليجية وآسيوية إلى جانبهم.

وفي مجال نزع الألغام، تتوافر في المنطقة ثلاث كاسحات ألغام على الأقل ألمانية وإيطالية والعديد من المدمرات. ومن الناحية النظرية، فإن هذه القطع جاهزة كما يقول ماكرون لبدء مهماتها. لكن شيئاً من هذا لن يتحقق قبل التعرف على الخطط الأميركية وعلى كيفية المواءمة بين الحضور العسكري الأميركي والقوة المحايدة.

كذلك ثمة مجهولان إضافيان: الأول يتمثل في الموقف الإيراني، وقد سبق لطهران أن حذرت من نشر قوة كهذه. والمجهول الثاني معرفة ما إذا كانت هذه المبادرة ستحتاج إلى ضوء أخضر من الأمم المتحدة أم أنها سوف تعمل خارج العباءة الدولية.

ويأمل قادة «مجموعة السبع» في أن تتيح اجتماعات الاثنين والثلاثاثاء توضيح المسائل الغامضة المشار إليها. وسبق لبرلين أن نبهت مراراً إلى الحاجة لغطاء دولي لمهمة من هذا الشكل.


هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)
TT

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان، الذي يشهد هذه الأيام واحدة من أعنف الهجمات بطائرات مسّيرة، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، غالبيتهم من المدنيين.

وفي مقابل ذلك التصعيد، أعلن الجيش تنفيذ عمليات عسكرية نوعية في مختلف محاور العمليات ضد «قوات الدعم السريع»، استطاع من خلالها إلحاق خسائر كبيرة في صفوف الأخيرة.

وقال في بيان إنه دمر 91 عربة قتالية تابعة لـ«الدعم السريع»، وقتل العشرات من أفرادها في محور كردفان، كما أفشل محاولاتهم الرامية لزعزعة الأمن والاستقرار بالمنطقة.

وفقاً للبيان، تمكن الجيش أيضاً من تدمير 29 عربة قتالية، وعدد من مخازن الذخيرة والوقود في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، في غرب البلاد، إضافة إلى إسقاط طائرة مسّيرة استراتيجية في مدينة كنانة بولاية النيل الأبيض جنوباً.

قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان (رويترز)

وعلى خلفية هذه الضربات المكثفة، لا يزال الوضع الميداني على الأرض دون تغيير منذ أشهر طويلة، ولم يُرصد أي حشد عسكري أو تقدم بري لـ«قوات الدعم السريع» في مناطق بالقرب من مدينة الأُبيّض. وخلال الأيام القليلة الماضية، استهدفت مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» لمرات متتالية ومكثفة أحياء مدنية ومواقع عسكرية في الأُبيّض، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط المدنيين.

ودأبت منصات إعلامية مؤيدة لـ«قوات الدعم السريع» في الأيام الماضية على بث معلومات تتحدث عن سعي الأخيرة لإعادة حصار مدينة الأُبَيِّض وإسقاطها، لكن قوات حليفة للجيش أكدت متانة التحصينات العسكرية في محيط المدينة.

ويُنظر إلى الاستهداف المتعمد لمحطات الوقود وشاحنات النقل الكبيرة المُحملة بالوقود في طريقها إلى الأُبيّض، باعتبارها جزءاً من استراتيجية عسكرية تتبناها «قوات الدعم السريع» لخلق أزمة تحول دون تزود الجيش بالوقود في تحركاته العسكرية، فضلاً عن زيادة حالة عدم اليقين لدى المواطنين داخل المدينة.

بدورها قالت «حركة العدل والمساوة» المسلحة والمساندة للجيش، بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، في بيان، يوم الاثنين، إن «الجيش والقوات المساندة تتابع الموقف الميداني، وترصد بدقة عالية جميع تحركات العدو، مؤكدة جاهزية واستعداد القوات في التصدي لأي محاولات للاقتراب من المدينة».

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

وذكرت في البيان أن ما تروج له المنصات التابعة لـ«قوات الدعم السريع»، عبارة عن «أكاذيب تستهدف بث الخوف والقلق وسط المواطنين»، مشيرةً إلى أن هذه الحملات الإعلامية تأتي في إطار الحرب النفسية لتحقيق أهداف عسكرية على الأرض.

وعلى الرغم من عدم وجود تحركات ميدانية ظاهرة في الميدان، يترقب الجميع حصاراً ثانياً أو معركة كبرى محتملة.

وتُعد الأُبيّض حالياً المركز الرئيسي لغرفة القيادة والسيطرة للعمليات العسكرية، التي يخوضها الجيش في إقليم كردفان. وفي ظل الغارات الجوية المستمرة، ترتفع وتيرة المخاوف أكثر من أن تتجه الأوضاع في المدينة نحو مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد الهجمات الجوية والتهديدات المتبادلة، من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في كردفان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended