ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

المدير العام لـ{العربية} قال لـ «الشرق الأوسط» إن شبكات التواصل الاجتماعي أثرت على المشهد الإعلامي

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)

تتأهب قناة «العربية» لإكمال عامها العشرين خلال شهر مارس (آذار) المقبل، وهي التي استطاعت «تكوين نموذج مستدام من خلال روح الفريق المتجددة»، وفقاً لما يشير إليه ممدوح المهيني مدير عام القناة. ووفق حديث المهيني لـ«الشرق الأوسط» فإن هذه الروح ساهمت في قدرة القناة على قيادة المشهد الإعلامي الإخباري السياسي خلال العقدين الماضيين، مشيراً إلى أن تلك الخاصية جعلت القناة قادرة على التحوّل والتطوّر ومواكبة تطلّعات كل من صنّاع القرار والمشاهد العربي.
كذلك، تطرّق مدير «العربية» في الحوار إلى تأثير منصَّات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي، وتغطية القناة لزلزال سوريا وتركيا، بالإضافة إلى الانتقال الكامل إلى العاصمة السعودية الرياض، وملفات أخرى. وفيما يلي نص الحوار:
> كيف تنظر إلى «العربية» الآن، خصوصاً مع قرب إكمالها عامها العشرين؟
- خلال الشهر المقبل تكمل «العربية» عامها العشرين، وخلال العقدين المنصرمين، وحتى هذا اليوم، نراها تقود المشهد الإعلامي الإخباري السياسي. تملك «العربية» منذ انطلاقتها الأسس المتينة، وفريقاً على قدر كبير من الاحترافية والالتزام والإخلاص. وأنا سعيد بالعمل معهم كل يوم. لقد خلق هذا الفريق روحاً متجددة داخل «شبكة العربية»، وهذا يجعلها قادرة على التحوّل والتطوّر والمواكبة وحجز مكانة كبيرة لها لدى المشاهد العربي. إن أهم صانعي القرار يختارون قناتي «العربية» و«الحدث» (اللتين تضمهما الشبكة) لكي يوصلوا كلمتهم لأنهم يعتبرونهما المحطتين الأهم. ولقد التقينا في وقت سابق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وظهر أخيراً على شاشتنا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما تحدث معنا رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وستبث مقابلة قريباً مع الزعيم الماليزي مهاتير محمد، والقائمة تطول.

ممدوح المهيني

> تغير المشهد الإعلامي كثيراً خلال الأعوام الأخيرة مع دخول شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) لاعباً رئيسياً في المشهد، هل أثّر هذا على «شبكة العربية»؟
- هذا صحيح. وأعتقد أنه من الخطأ تجاهل دور شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) وتأثيرها الكبير على الساحة الإعلامية، وهي اليوم تلعب دوراً مهماً في حياتنا، وفي الإعلام تحديداً. إلا أن «شبكات التواصل الاجتماعي» (السوشيال ميديا) مزيج واسع من الأخبار والمعلومات الصحيحة والمزيّفة، وباتت مسرحاً واسعاً لظاهرة ما يسمى التضليل المتعمّد وغير المتعمّد. وبالتالي، فإن ما نؤكد عليه باستمرار في قناة «العربية» هو التركيز على المحتوى الصحافي وتقديمه للمشاهدين بأفضل صورة ممكنة. على سبيل المثال، عندما وقعت أزمة أوكرانيا كان لدى «العربية» العديد من المراسلين الذين كانوا ينقلون المعلومات للمشاهدين ويذهبون إلى جبهات القتال لنقل الصورة والمعلومة الدقيقة على الهواء مباشرة. كنّا موجودين عندما عبرت الدبابات الروسية الحدود، وأحد مراسلينا نقل مشاهد مروّعة لصور الجثث والأعضاء المبتورة عندما وصل إلى هناك بعد دقائق من نهاية معركة بين الروس والأوكرانيين، واضطررنا إلى وقف المشاهد ومنعها من العرض. أيضاً، خلال فترة «كوفيد - 19» عندما كان العالم مغلقاً ذهب مراسلو «العربية» و«الحدث» إلى بؤر الجائحة التي يهرب منها الناس، وذلك لتغطية التطورات والدخول إلى المستشفيات المكتظة بالمرضى. بالإضافة إلى ذلك، إبّان مظاهرات إيران، كانت «العربية» هي المتابعة للتطوّرات والاعتقالات، في وقت امتنعت عن ذلك محطات أخرى. لقد تابعنا قصة «طالبان» منذ البداية، وكنا هناك قبل سقوط كابل وبعدها والتقينا المسؤولين في «طالبان»، ثم غطينا أزمة منع النساء من الدراسة والعمل... وهي أزمة كبيرة لم يوجد هناك مَن تابعها عن قرب. وهناك منحنا جماعة «طالبان» فرصة للدفاع عن أنفسهم، وطرحنا عليهم أسئلة مباشرة قوية ونقلنا لهم معاناة المرأة الأفغانية. وأخيراً قدمنا تغطية شاملة لكارثة الزلزال في تركيا وسوريا وعملنا على مدار الساعة لنقل المعاناة الإنسانية التي مرّ ويمرّ بها الناس هناك. إن ما ذكرته أمثلة قليلة للتأكيد على أننا حريصون على تقديم المحتوى الإخباري قبل أي شيء آخر، وبأكبر قدر من المهنية. وجواباً على سؤالك... أقول إننا لم نتأثّر سلبياً بالتغيّرات التي أحدثتها منصّات «السوشيال ميديا»، بل استفدنا منها. أنا أرى المؤثرين وصانعي المحتوى لاعبين مهمين ويُكملون المشهد الإعلامي، ولكن المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل «العربية» بسبب تركيزها على دورها الصحافي ومكانتها القوية هي من تلعب الدور الأكبر والأهم.
> قلت قبل قليل إنكم استفدتم من شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)... هل يمكن أن تشرح أكثر؟
- نعم... بقدر اهتمامنا بالشاشة فقد عزّزنا قدراتنا في شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا). قبل 3 سنوات كان متابعو «شبكة العربية» 98 مليون متابع، أما اليوم فقد قفز هذا الرقم إلى 180 مليوناً. نحن اليوم نقدّم المحتوى السياسي بأشكال جديدة على كل المنصات بلا استثناء لكي نصل إلى كل الفئات. والتجربة أثبتت أن الجمهور لديه اهتمام بالقضايا السياسية والمواد الرصينة على عكس الاعتقاد الشائع بأنه يهتم بالمحتوى غير الجاد. توسعُنا لا يتوقّف لأننا نعتقد أن مساحة التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) مهمّة والتنافس موجود، واستطعنا بالفعل أن نصل لدول عديدة، قد لا تجد على الشاشة مساحة كافية لتغطية شؤونها. وأيضاً، توسعُنا شمل منصات التواصل الاجتماعي التي تركّز على فئات الشباب، حيث نتواصل معها بأسلوب خاص من دون تغيير سياستنا أو خطنا التحريري. الهدف هو تهيئة الجيل الجديد للانضمام إلى الجمهور الأساسي للقناة في المستقبل.
> إلى أي مدى تعتبر التكنولوجيا عنصراً مهماً في عالم الأخبار... وخاصة في قناة «العربية»؟
- إلى جانب اهتمامنا بالمحتوى السياسي والتميّز بالتغطيات، لدينا أيضاً اهتمام باستعمال التكنولوجيا وتقنية الواقع المعزّز. ولا يزال المشاهدون يتذكرون تغطية الانتخابات الأميركية الأخيرة وكَم من التحضيرات أخذت وكَم كانت القيمة الإخبارية التي لم تتوفر لدى أي محطة إخبارية أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، استمر استعمال الواقع المعزّز لعرض القصص، التي نريد إيصالها للمشاهدين بأساليب شيّقة. الاهتمام بالتكنولوجيا لا يتوقّف لدينا... إذ استفدنا من تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث يوجد الآن تطبيق «العربية» على جهاز «أمازون أليكسا» و«أبل كار بلاي».
> كيف اختلفت تغطية كارثة زلزال تركيا وسوريا عن سابقاتها؟
- الكارثة كبيرة وهائلة على كل المستويات. التوقّعات أن يصل عدد القتلى إلى رقم يتجاوز الخمسين ألفاً، وهذا رقم كبير، بالإضافة إلى المُصابين والمشرّدين. لقد قمنا بتغطية أخبار الزلازل والهزّات فور وقوعها. ورغم صعوبة الوصول إلى هناك بسبب الدمار الهائل في الطرق والبنى التحتية استطاع مراسلونا الوصول إلى المناطق المتضررة ونقلوا إلى المشاهدين عن قرب ما يجري. وهنا دعني أقول إنها تجربة صعبة مررنا بها في غرفة الأخبار ولدى المراسلين بسبب المشاهد المؤلمة. ليس من السهل أن تغطّي كارثة أدت إلى مقتل آلاف الأبرياء، بينهم أطفال دفنوا تحت الأنقاض في أقل من دقيقتين.
> كيف تنظر إلى المنافسة والأداء بين القنوات الإخبارية العربية؟
- عندما نتكلم عن أداء التلفزيون، لا تزال «شبكة العربية» ممثلة بقناتي «العربية» و«الحدث» في الطليعة في معظم الدول العربية. على سبيل المثال، قناة «الحدث» تأتي في المرتبة الأولى ضمن القنوات الإخبارية الإقليمية في العراق وليبيا واليمن. أما إذا تكلمنا عن منصات التواصل الاجتماعي، فإن تطلعات وأهداف الشبكة هي المنافسة على المراتب القيادية على مستوى شبكات الأخبار العالمية. المنافسة دائماً محفّز مهم على الإبداع... وبالنسبة لـ«شبكة العربية» فنحن نملك الكثير من نقاط القوة، منها خبرة الزملاء والزميلات في غرفة الأخبار، بالإضافة إلى مراسلينا في الميدان في مناطق الصراعات والحروب، وأيضاً الوجوه التي تظهر على «العربية» والعمل الاحترافي الذي يقدّمه الجميع في الشبكة.
> في ظل توسع القناة وانتقال مقرها إلى العاصمة السعودية الرياض، كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟
- الرياض من بين العواصم الأهم في العالم، وهذا بلا شك سينعكس على نمو «شبكة العربية»، وقد بدأنا تقديم نشرات وبرامج من مقرّنا هناك... ونحن الآن في طور الانتقال الكامل الذي سيكتمل في المقر الجديد.
> في رأيك، ما أبرز ملامح الخط التحريري عند قناة «العربية»؟
- لدى «العربية» خبرة طويلة في الإعلام، لكن لدينا أيضاً إيمان بقدرتنا على مواكبة الخبر. والدليل أن هناك جيلاً وُلد بعد انطلاقة «العربية» وبدأ يتابعها. لقد استضافت قناة «العربية» أهم الوجوه في العالم، وغطّت أهم النزاعات، والأزمات والكوارث الطبيعية. ولدينا إيمان مطلق بتقديم الحِرَفية الإعلامية وبقدرتنا على التطوّر. ثم إنه، رغم تغيّر المشهد الإعلامي، فإن «العربية» لا تزال تمثّل المصدر الموثوق لمتابعة الخبر. أيضاً، رغم ما واجهناه من مخاطر كمثل تدمير مكتب العراق، وتخريب مكتب السودان من دون معرفة مَن يقف خلفه، وتعرّض زميلنا في تركيا للاعتقال، وتعرّض زملائنا في لبنان للضرب من قبل عناصر «حزب الله»، وتعرض زميلنا في اليمن محمود العتمي لعملية تفجير سيارة، مما أدى إلى مقتل زوجته وطفله... قدّمنا وما زلنا مادة صحافية قيمة، وهذا دليل على التزامنا الكامل بتقديم العمل الصحافي بأفضل طريقة ممكنة... ونحن فخورون بهذا.
> خارج نطاق الأخبار الآنية، ما هي خطط «العربية» فيما يتعلق بالأفلام الوثائقية التي تُعَدّ منتَجاً مطلوباً لدى المشاهد العربي؟
- أؤكد أننا ملتزمون بتقديم المادة الصحافية المتوازنة، وكذلك نشر فكر الاعتدال في العالم العربي، الذي عاش فترات طويلة ضحية للخطابات المتطرفة والمأزومة. ومن ضمن خطط «العربية» في هذا الإطار، تقديم وثائقيات من إنتاجنا الخاص عن أهم المفكّرين المسلمين والعرب مثل فرج فودة ونجيب محفوظ، وأخيراً نصر حامد أبو زيد. كل هذا بهدف دعم الرؤى الفكرية المعتدلة والإنسانية لأننا نرى في ذلك مصلحة كبيرة للشباب العربي... بعكس مَن يروج لخطاب الكراهية والعنف.
> بعيداً عن مسؤولياتك في «العربية»... على مستوى شخصي أنت أيضاً كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط»... كيف تجمع بين الدورين؟
- الكتابة بالنسبة لي متعة كبيرة وتمرين عقلي وتحتاج ساعات طويلة من القراءة... والكتابة في صحيفة عريقة مثل «الشرق الأوسط» تجربة مختلفة وجميلة. وأنا أشكر القائمين على هذه الصحيفة على منحي الفرصة للكتابة فيها. والعمل الصحافي في التلفزيون أو الصحيفة هو تقريباً نفسه مع اختلاف الأشكال والأنماط، ولكن في العمق يحرّكه البحث عن الانفراد والحصول على المعلومات الحصرية والمقابلات الخاصة... وقبل كل ذلك الشغف بالمهنة، وهذا هو أهم شيء في عملنا الصعب والممتع في آن معاً.


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟