نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي: السعودية تلعب دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي

بنايم قال لـ«الشرق الأوسط» إن الإيرانيين خسروا فرصة العودة السريعة للاتفاق النووي... والخيار العسكري الملاذ الأخير

دانيال بنايم
دانيال بنايم
TT

نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي: السعودية تلعب دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي

دانيال بنايم
دانيال بنايم

يعتقد دانيال بنايم، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، أن الإيرانيين خسروا فرصة العودة سريعاً لتنفيذ كامل الاتفاق النووي في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد أن أداروا ظهورهم للاتفاق الذي كان معروضاً عليهم بموافقة الكل.
ويرى بنايم في رده على سؤال «الشرق الأوسط» عن المخاوف القائمة بشأن مصير الاتفاق النووي مع إيران والخيارات المتاحة، أن «التزام الرئيس جو بايدن بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي هو أمر باق بوضوح».
وأضاف نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي الذي كان يتحدث لمجموعة محدودة من الصحافيين في منزل السفير الأميركي بالرياض: «الإيرانيون خسروا فرصة العودة سريعاً لتنفيذ كامل خطة العمل الشاملة المشتركة في سبتمبر عندما أداروا ظهورهم للاتفاق الذي كان معروضاً عليهم، والذي حظي بموافقة الجميع، وحيث إن هذه الخطة لم تعد على جدول أعمالنا لشهور مضت، إلا أنه يبقى لدينا الآن التزام الرئيس بايدن بعدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي».
ورغم أن دول الخليج والولايات المتحدة تفضل الخيار الدبلوماسي المدعوم بالشراكة والتعاون الأمني القوي، بحسب دنيال بنايم، فإن «الرئيس بايدن كان واضحاً عندما أكد أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة، وأن الخيار العسكري سيظل الخيار الأخير».
المسؤول الأميركي قلّل، في رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، من أهمية فرضية فقدان الولايات المتحدة دورَها التاريخي في المنطقة لحساب الصين، مؤكداً أن بلاده ملتزمة «بضمان أمن الشرق الأوسط بطريقة لا تستطيع أي دولة أخرى أن تنتهجها».
وكشف بنايم، الذي بدا عليه الإرهاق بعد ساعات طويلة من المناقشات قضاها ضمن وفد أميركي مع الشركاء في دول الخليج، «أن السعودية تلعب دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وأن هنالك رغبة أميركية بالمشاركة في تحديث الاقتصاد والمنافسة عبر تقديم رؤية مقنعة».
- الدور الإيراني
وأكد نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، «أن إيران تقوم بتوفير الأسلحة والتدريب والمعدات مثل طائرات الدرونز وكثير من الدعم لميليشيا الحوثي في اليمن»، مبيناً أن «النقل غير القانوني للمساعدات القاتلة من إيران، تصرف غير مسؤول وخطير، ويؤدي إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط».
وتعهد بأن «تستمر الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها في ردع ومنع دخول هذه المواد القاتلة للمنطقة»، مستدلاً بالإجراءات الأخيرة، ومنها ضبط كميات من الأسلحة والمتفجرات عدة مرات خلال الشهور القليلة الماضية، وتابع: «نحن ملتزمون بالتعاون الوثيق مع دول الخليج، وبضمان أنها باستطاعتها الدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء».
- العلاقات مع السعودية
وأوضح دنيال بنايم أن المملكة تلعب دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى «أن ذلك يتضح من خلال تعاونها مع لبنان والسودان ومصر والعراق وأفغانستان، إلى جانب جهودها لتحويل وقف إطلاق النار في اليمن إلى مسار أكثر ديمومة».
وأضاف، بينما يراجع ملفاً مليئاً بالأوراق أمامه: «لدى الولايات المتحدة تاريخ لا مثيل له في العمل مع الشعب السعودي لتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتحديث الاقتصاد، ونعتزم المنافسة وتقديم رؤية مقنعة. وكما سمعت من الشركات الأميركية، فهي حريصة على لعب هذا الدور، ونحن كذلك حريصون على هذا».
ولفت نائب مساعد وزير الخارجية إلى أن هنالك «أكثر من 18 ألف طالب سعودي يدرسون في الولايات المتحدة، سيشكلون جزءاً من الخطط الطموحة لمستقبل المملكة، وجزءاً من بناء مستقبل هذا البلد».
وقال إن «فترة انتظار الحصول على تأشيرة الدخول قد قلّت كثيراً، وهذا أنسب وقت للتقديم والحصول عليها (...) نشجع الشباب السعودي الموهوب على المجيء للولايات المتحدة وخوض هذه التجربة».
- المنافسة مع الصين
وأجاب بنايم عن سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة قد بدأت تخسر دورها التاريخي في المنطقة لحساب الدخول التدريجي للصين، بقوله: «لا» (قالها ضاحكاً)، واستطرد قائلاً إن «كل دولة لها علاقاتها التاريخية مع الصين، نحن في الولايات المتحدة لدينا علاقات مع الصين تتضمن تجارة واسعة النطاق، ونحترم سيادة جميع الدول، ونتوقع أنهم سيتخذون قرارات تخدم مصالحهم، وكل دولة يمكنها الحديث من منطلق سيادتها عن علاقاتها الثنائية، والتي لا نشكل نحن جزءاً منها».
إلا أن المسؤول الأميركي أشار إلى أن التعامل بمسؤولية مع التنافس الأميركي - الصيني في هذه المنطقة «يتطلب أن نكون واضحين حول من نكون، وما الذي لا نطلب من شركائنا القيام به». مقتبساً كلمات وزير الخارجية أنتوني بلينكن: «لا يتعلق الأمر بإجبار الدول على الاختيار، بل يتعلق بمنحها خياراً والتأكد من أن لديها خياراً حقيقياً».
وأضاف: «عندما أفكر في مسألة تنافس القوى في هذه المنطقة، أجد أن هناك قضايا عدة، ولكن ما يمثل أولوية بالنسبة لي هو ضمان أن شراكات الولايات المتحدة مع دول الخليج شراكات قوية ومقنعة ومحدثة، ويمكنها مواجهة تحديات المستقبل، كما أنها مناسبة للغرض في القرن الحادي والعشرين ومستدامة وقادرة على التعامل مع التحديات المستقبلية وانتهاز الفرص الجديدة».
ولمح دنيال بنايم إلى أن العلاقات مع الخليج «تتجاوز الحديث عن الدفاع ومكافحة الإرهاب، إلى العمل معاً في مجالات التكنولوجيا، وحماية البيئة، والسياحة»، وتابع: «من المهم أن يكون لدى الولايات المتحدة قيمة فريدة من نوعها عند الحديث عن هذه المنطقة، فنحن ملتزمون بضمان أمن الشرق الأوسط بطريقة لا تستطيع أي دولة أخرى أن تنتهجها، كما أن لنا ميزتنا النسبية في بناء تحالفات مثل تحالف محاربة داعش».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.

 

 


من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
TT

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية التي لطالما شكَّلت أساس العلاقة، بل باتت تتحرك على مساحة أوسع تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، وتضع تنفيذ المشروعات في صدارة المرحلة المقبلة.

وتحمل زيارة الدولة دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، كونها تأتي في توقيت يختبر فيه البلدان قدرة الشراكة التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية على الانتقال من مستوى التفاهمات والاتفاقات إلى مشروعات ذات أثر مباشر، في وقت تعيد فيه التحولات الاقتصادية السعودية رسم احتياجاتها من الشركاء الدوليين، فيما تبحث فرنسا عن موقع أكثر رسوخاً في مسار التحول الذي تشهده المملكة.

ويعكس انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي للمرة الأولى، خلال الزيارة، هذا التحول في طبيعة العلاقة؛ فالمجلس الذي أُنشئ في أعقاب زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية 2024، صُمم ليكون إطاراً جامعاً للعلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية وغيرها، بما يمنح التعاون بين الرياض وباريس قناة مؤسسية على مستوى قيادتي البلدين.

شراكة تبحث عن «المشروع»

في السنوات السابقة، كان من السهل تعداد مجالات التعاون السعودي - الفرنسي: الطاقة، والدفاع، والطيران، والنقل، والثقافة والسياحة. أما المرحلة الجديدة فتبدو أكثر ارتباطاً بسؤال مختلف: ما الذي يمكن أن يبنيه البلدان معاً؟

وهنا تتقاطع أولويات «رؤية السعودية 2030» مع القدرات الصناعية والتقنية الفرنسية؛ فالسعودية توسع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، وتبحث عن تقنيات متقدمة وخبرات صناعية ونماذج استثمارية قادرة على دعم قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والصحة والسياحة والضيافة والطاقة الجديدة.

في المقابل، تنظر الشركات الفرنسية إلى السوق السعودية بوصفها واحدة من كبرى ساحات النمو الجديدة في العالم، لا مجرد سوق للمنتجات والخدمات. ويمنح حجم المشروعات السعودية وتنوعها، الشركات الفرنسية، فرصة للمشاركة في مراحل مختلفة من دورة المشروع؛ من التصميم والهندسة إلى التشغيل والتوطين ونقل المعرفة.

وتُظهر الأرقام اتساع القاعدة الاقتصادية للعلاقة؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار (69.45 مليار ريال) في 2024، مقارنةً بنحو 7.49 مليار دولار (28.09 مليار ريال) في 2015، وفق البيانات الواردة في الدراسات الحديثة عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وخلال عقد واحد، بلغ إجمالي التجارة السعودية - الفرنسية نحو 93.04 مليار دولار (348.9 مليار ريال)، في مؤشر إلى أن العلاقة الاقتصادية أصبحت أكثر رسوخاً من كونها نتاجاً لصفقة أو مشروع منفرد.

علاقة تتغير دون انقطاع

لسنوات طويلة، شكلت الطاقة أحد أكثر جسور العلاقة صلابةً. إلا أن طبيعة هذا التعاون تتغير مع تحول قطاع الطاقة نفسه؛ فمن الشراكات الكبرى في التكرير والبتروكيماويات، وفي مقدمتها «ساتورب» بين «أرامكو السعودية» و«توتال إنرجيز»، تتجه أجندة التعاون إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب المعادن الحيوية.

وهذا التحول يلتقي مع سعي الرياض إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، ومع رغبة باريس في توسيع حضور شركاتها في مشاريع التحول الصناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات.

وبذلك لم تعد الطاقة في العلاقة السعودية - الفرنسية ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من إعادة صياغة الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتقنيات التي ستخدم الاقتصادين خلال العقود المقبلة.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

من المورد إلى الشريك

ينسحب التحول نفسه على التعاون الدفاعي؛ فالعلاقة التي قامت تاريخياً على التدريب والتسليح وتطوير القدرات العسكرية، تتحرك تدريجياً نحو مجالات أكثر ارتباطاً بالتوطين ونقل التقنية والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المحلية.

ويمنح توجه المملكة إلى توطين جزء أكبر من صناعاتها الدفاعية، الشراكات الدولية، معنى مختلفاً؛ فالمطلوب لم يعد فقط الحصول على منظومة أو منصة عسكرية، بل بناء قدرة محلية مستدامة حولها.

وهذا يفتح مجالاً أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في منظومة أوسع تشمل التصنيع والخدمات الهندسية والتدريب والبحث والتطوير.

الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية

يقول دومينيك برونان، مدير الغرفة التجارية الفرنسية - العربية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاستراتيجية الاقتصادية التي يتعين على المجموعات والشركات الفرنسية العمل بموجبها تقوم على ضرورة تعزيز الحضور الفرنسي في الاقتصاد السعودي، والمشاركة في المشاريع والخطط الكبرى المرتبطة بـ(رؤية 2030)، وعلى رأسها معرض إكسبو الدولي في الرياض عام 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034، وغيرها من الاستحقاقات المقبلة». ويضيف برونان أن السعودية تسعى لتعزيز شراكاتها في أوروبا وآسيا، ولذا «من الضروري مواكبة هذه الدينامية».

وبشأن الاستثمارات المباشرة في الاقتصاد السعودي، يرى المسؤول الفرنسي أن مرتبة فرنسا «لا يستهان بها، حيث إنها تحتل المرتبة الثانية». بيد أنه يستدرك قائلاً: «لا بد أن نستثمر المزيد، خصوصاً أن السعودية تريد تطوير كثير من القطاعات، وتسعى لإقامة شراكات رابحة للطرفين».

ويتوقف برونان عند القطاعات التكنولوجية والرقمية والذكاء الاصطناعي والفضاء، إلى جانب الكلاسيكية مثل الطاقة والمواصلات والصحة. وبنظره، فإن باريس تتمتع بخبرات كبرى في كل ما يتناول القطاعات التي تمس السيادة بمعناها الشامل، لكنه بالتوازي يحث الشركات المتوسطة على الإقدام على قطاعات «أقل استراتيجية».

كما أشار إلى قطاعات الثقافة والفنون والرياضة، حيث إنها مفتوحة أمام الشركات الفرنسية التي ينبهها إلى قوة المنافسة بسبب انفتاح السوق السعودية. وبينما يبدو حضور المجموعات والشركات الفرنسية في غالبية القطاعات السعودية «وازناً»، إلا أنه يؤكد أن أمامه فرص إضافية يمكن استغلالها.
 

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية - ديسمبر 2024 (رويترز)

بوابة أوروبية وثقل إقليمي

لا تنفصل الأجندة الاقتصادية عن السياق السياسي؛ فالسعودية تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً متزايداً في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بينما تتمتع فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وحضور مؤثر داخل الاتحاد الأوروبي وقدرة على التحرك في ملفات المنطقة.

ومن هنا اكتسب التنسيق بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة.

وفي ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة، تبرز كذلك أهمية البحث عن مسارات أكثر تنوعاً ومرونة لنقل الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ملف يتقاطع فيه الاقتصادي مع الاستراتيجي.

العلا... الوجه الأكثر وضوحاً

إذا كانت الطاقة والدفاع يعكسان الجانب الاستراتيجي من العلاقة، فإن العلا تقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر وضوحاً للشراكة التي تتشكل حول مشروع طويل الأمد.

الرئيس الفرنسي وأمير المدينة المنورة ووزراء الثقافة والخارجية والتجارة ومسؤولون من الجانبين في صورة جماعية بمنطقة «الحِجر» التاريخية (واس)

فالتعاون الفرنسي في العلا لم يقتصر على السياحة؛ بل امتد إلى التخطيط والهندسة والآثار والثقافة والفنون والتدريب والتعليم والبيئة، ليصبح أحد أبرز النماذج على دخول الخبرة الفرنسية في مشروع سعودي يتجاوز فكرة الاستثمار التقليدي.

ومن خلال هذا النوع من المشروعات، تلتقي الخبرة الفرنسية مع التحول السعودي في قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة، وهي قطاعات باتت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الجديد للمملكة.

علاقة تاريخية وأجندة مستقبلية

تعود العلاقات الدبلوماسية السعودية - الفرنسية إلى عام 1926، فيما افتتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة عام 1932. غير أن محطة الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 ولقاءه الرئيس شارل ديغول، مثَّلا منعطفاً مهماً في بناء علاقة سياسية أكثر عمقاً.

ومنذ ذلك الوقت، توالت الزيارات والاتفاقات، وصولاً إلى مرحلة شهدت خلالها العلاقات توسعاً متسارعاً بالتزامن مع «رؤية السعودية 2030».

لكن أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية تكمن في أنها تأتي بعد تراكم طويل من الاتفاقات والتفاهمات، وفي وجود إطار مؤسسي جديد للشراكة.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

ولذلك، تبدو المهمة الأساسية أمام الرياض وباريس اليوم، أقل ارتباطاً بإثبات قوة العلاقة، وأكثر ارتباطاً بإظهار ما تستطيع هذه العلاقة إنتاجه.

فالمعادلة التي تتشكل بين البلدين لم تعد: ماذا تبيع فرنسا للسعودية؟ وماذا تشتري السعودية من فرنسا؟ بل كيف يمكن للطرفين أن يستثمرا التحولات الكبرى في اقتصاديهما وموقعيهما الدولي لبناء مصالح مشتركة تمتد لسنوات مقبلة؟

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة الدولة إلى باريس محطة في مسار العلاقة، وليست مجرد محطة جديدة فيه.


السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)

لا تصل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في ظرف إقليمي عادي. فالمنطقة تعيش مرحلة تعيد فيها الحروب وأمن الملاحة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي، فيما تواجه الدول الأوروبية أسئلة متزايدة حول استقرار إمدادات الطاقة، ومرونة طرق التجارة. وفي هذه البيئة تكتسب الشراكة السعودية-الفرنسية بعداً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

فالرياض وباريس تنظران إلى أمن المنطقة من زاويتين متكاملتين: السعودية من موقعها في قلب منظومة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، وفرنسا من موقعها الأوروبي والدولي، بما يجعل التنسيق بينهما ذا أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية خطوط الإمداد، وفتح بدائل أكثر أمناً، ومرونة.

وتأتي الزيارة فيما يتجه البلدان إلى بحث تنويع مسارات نقل الطاقة، والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المسارات البحرية، والمشروعات الإقليمية المرتبطة بالسكك الحديدية، وخطوط الأنابيب، في محاولة لبناء شبكة لا تعتمد على مسار واحد في منطقة باتت الجغرافيا فيها عاملاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي يلتقي بوزيرة تحوّل الطاقة الفرنسية آنياس بانييه روناشيه بالرياض في يوليو 2023 (واس)

الأمن لم يعد عسكرياً فقط

أظهرت السنوات الأخيرة أن أمن الطاقة لا يبدأ عند منشأة إنتاج، ولا ينتهي عند محطة استقبال في أوروبا. فالممر البحري، والميناء، وخط الأنابيب، وشبكة الكهرباء، ومراكز التخزين أصبحت جميعها حلقات في مفهوم واحد للأمن، ومن هنا تتقاطع المصالح السعودية والفرنسية.

وتملك السعودية موقعاً محورياً بين الخليج والبحر الأحمر، بينما تمتلك فرنسا حضوراً عسكرياً وبحرياً في المنطقة، إضافة إلى موقعها داخل المنظومة الأوروبية.

ويمنح ذلك الطرفين مساحة للتنسيق في أمن الملاحة، وحماية طرق التجارة، وتطوير البنية التحتية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.

الطاقة تتغير

ولا تنحصر المسألة في النفط؛ فالعلاقة السعودية-الفرنسية تتحرك باتجاه الهيدروجين، والطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون، بما يعكس التحول في طبيعة سوق الطاقة نفسها.

أعضاء الوفدين الفرنسي والسعودي في مجال الطاقة خلال اجتماعهم بالرياض في يوليو 2023 (واس)

وتملك السعودية ميزة الموارد، والمساحات، والإمكانات الاستثمارية، بينما تمتلك فرنسا قاعدة صناعية وتقنية واسعة في الطاقة، والهندسة، والنقل.

وإذا نجح الطرفان في دمج هذه المزايا فإن التعاون يمكن أن ينتقل من شراء الطاقة، أو تطوير منشأة إلى بناء منظومات إنتاج، ونقل، وتكنولوجيا.

الاقتصاد في قلب الحسابات

تأتي هذه الملفات في وقت ارتفع فيه حجم التجارة السعودية-الفرنسية إلى نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما قفز رصيد الاستثمارات الفرنسية في المملكة خلال أقل من عقد من نحو 7.49 مليار دولار (28.1 مليار ريال) إلى 18.53 مليار دولار (69.5 مليار ريال).

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها اتجاه العلاقة المقبلة؛ فالرهان الأكبر يتمثل في الاستثمار في القطاعات التي ستقود الاقتصاد خلال العقد المقبل: الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والصحة، والسياحة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة الجديدة.

وهنا تلتقي «رؤية السعودية 2030» مع «فرنسا 2030» في البحث عن اقتصاد أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار.

شراكة تتجاوز الثنائية

وتحمل باريس كذلك قيمة سياسية بالنسبة إلى الرياض؛ ففرنسا ليست فقط دولة أوروبية ذات اقتصاد متقدم، بل هي عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة ذات حضور تاريخي في الشرق الأوسط. وفي المقابل ترى باريس في السعودية طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات إقليمية واسعة.

وتتسع مساحة التشاور بين البلدين لتشمل القضية الفلسطينية، ولبنان، وسوريا، وأمن البحر الأحمر، إلى جانب التطورات الإقليمية الأوسع.

ولهذا فإن مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي-الفرنسي، الذي يعقد اجتماعه الأول خلال الزيارة، يأتي في توقيت مناسب لتحويل هذا التواصل إلى آلية أكثر انتظاماً، وربط الملفات الاقتصادية بالسياسية والاستراتيجية.

من خريطة الموانئ إلى خريطة المصالح

ما تبحثه الرياض وباريس في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بممر جديد للطاقة، أو مشروع نقل جديد؛ إنه في جوهره محاولة لبناء شبكة مصالح قادرة على الصمود أمام الأزمات.

فكلما تنوعت مصادر الطاقة وطرق نقلها، وكلما تعددت مسارات التجارة، وتوطنت التقنيات والصناعات، أصبحت الدول أقل تعرضاً للصدمات المفاجئة.

ومن هنا يمكن قراءة الزيارة السعودية إلى باريس باعتبارها جزءاً من نقاش أوسع حول شكل المنطقة، والعلاقة بين الخليج وأوروبا في السنوات المقبلة.

فالرياض تريد أن تكون مركزاً اقتصادياً ولوجستياً عالمياً، وباريس تريد أن تحافظ على حضور أوروبي مؤثر في منطقة تعيد تشكيل موازينها، وعلى هذه المساحة تحديداً تلتقي مصالح البلدين.