الليبيون يحتفلون بـ«ثورة فبراير»... ويحمّلون القذافي تبعات «تبديد ثروتهم»

آمر «لواء الصمود»: بعض أنصارها أيدوها لأجل «السلطة والمال»

جانب من تجهيز الاحتفال بـ«ثورة 17 فبراير» في ميدان الشهداء بطرابلس (مديرية أمن طرابلس)
جانب من تجهيز الاحتفال بـ«ثورة 17 فبراير» في ميدان الشهداء بطرابلس (مديرية أمن طرابلس)
TT

الليبيون يحتفلون بـ«ثورة فبراير»... ويحمّلون القذافي تبعات «تبديد ثروتهم»

جانب من تجهيز الاحتفال بـ«ثورة 17 فبراير» في ميدان الشهداء بطرابلس (مديرية أمن طرابلس)
جانب من تجهيز الاحتفال بـ«ثورة 17 فبراير» في ميدان الشهداء بطرابلس (مديرية أمن طرابلس)

بعد 12 عاماً على إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، لا يزال الليبيون منقسمين ويتبادلون الاتهامات عما لحق ببلادهم من ضياع، و«ثورتهم» من تشويه.
ففي ميدان الشهداء بوسط طرابلس العاصمة، لا يزالون يتجمعون، كل عام، في ذكرى هذه المناسبة، لرفع «عَلَم الاستقلال» والاحتفال حتى الصباح برحيل النظام الذي حَكَمهم بقبضة حديدية، قرابة 42 عاماً، لكن جُلّهم غير راضين عما تحقق بعد هذه المدة، ويرون أن «كثيرين ممن شاركوا في (الثورة) تربّحوا من ورائها مالاً، واكتسبوا سلطة».
https://www.facebook.com/NSD.Tripoli/videos/714093493513135
غير أن ما آلت إليه ليبيا لم يسعد له حتى أشدُّ المبادلين للقذافي عداوة، فهذا صلاح بادي، المعروف بآمر «لواء الصمود»، والرقم الصعب في مدينة مصراتة (غرباً)، والمعاقَب دولياً، خرج ليرثي «الثورة والثائرين»، ورأى أن «بعض أنصارها أيّدوها لتحقيق مصالحهم أو من أجل الانتقام، أو من أجل السلطة والمادة، وكلهم ركبوا الموجة».
واللافت أن بادي، الذي شارك في مواراة جثمان القذافي الثرى في مقبرة سرّية بعمق الصحراء، عبّر بامتعاض وغضب شديدين عما صارت إليه الأمور راهناً، بل إنه فاجأ الجميع وقال إنه «لم تكن لديهم أزمة مع معمر القذافي لو سمع كلمة شعبه واهتم ببناء ليبيا بدلاً من أن يرسل أموالها للخارج».
وبقدر ما وجّه بادي سهامه إلى القذافي في أنه تسبَّب في «نشر الجهل وأهدر قدرة البلاد في حرب تشاد، ودخل في معارك أخرى لا علاقة لنا بها في أفريقيا»، تحدَّث عن أن طرابلس أصبحت تحت الميليشيات، وتساءل «عما يفعل الأتراك في الكلية الجوية بمصراتة»، و«ماذا يفعل المرتزقة السوريون الذين يسيرون في كل مكان»، وأجاب على نفسه: «الحل في ليبيا أن تخرج جميع القوات من البلاد».
وسبق أن صرّح صلاح بادي، قائد «لواء الصمود» في مصراتة (غرب)، الذي يُعدّ أحد المشاركين في دفن القذافي ونجله المعتصم ووزير الدفاع «أبو بكر يونس»، بأنه «مستعدّ للكشف عن مكان دفن جثة القذافي ومَن معه في حال اتفق مع الأعيان والمدن الليبية»، لكن حتى الآن لم يحدث شيء من ذلك.

وفي مساء اليوم الجمعة، بدأ الليبيون من أماكن مختلفة التوافد إلى ساحة ميدان الشهداء، فهناك جرى إيقاد شعلة الاحتفالات بالذكرى 12 للثورة، متناسين، ولو لساعات، شكاياتهم من الضغوط المعيشية، والأزمات الاقتصادية التي تَحرم جُل سكان جنوب البلاد من الوقود والخدمات الحكومية.
وأمام دعوات المفتي المعزول من مجلس النواب الصادق الغرياني، حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إلى منع الاحتفال بـ«الثورة»؛ لـ«حرمة الاختلاط بين الجنسين»، رأت اللجنة العليا المنظمة تخفيف برنامج الاحتفالية، وقالت إنها ستقتصر على مشاركة فنانين ليبيين، مع مراعاة الهوية المحافِظة.
وكان مقرراً مشاركة اثنين من مطربي المهرجانات في مصر، وهما حمو بيكا وعمر كمال، بالإضافة إلى المغني التونسي سمارا، لكن أُعلن عن إلغاء حضورهم لاعتبارات تتعلق بالأوضاع الناجمة عن الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا.
وفي ظل الانقسام السياسي الذي يسود البلاد، وعدم تحقيق أي خطوة باتجاه إجراء انتخابات عامة تُنهي دوامة الفترات الانتقالية، حرص ساسة البلاد، كما يفعلون، كل عام، على تهنئة الشعب الليبي على «ثورته المجيدة».
الدبيبة رأى أنه «يجب تغليب مصلحة الوطن على المصالح الشخصية والأجندات الخارجية»، بينما لفت خصمه فتحي باشاغا، رئيس الحكومة الموازية، إلى مبادئ «ثورة 17 فبراير (شباط)»، المتعلقة بـ«دولة عادلة تسودها المساواة، لا ظلم ولا تهميش ولا استبداد»، في حين تمسَّك محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، بتحقيق مبادئ الثورة، متمثلة في التداول السلمي وإنهاء المراحل الانتقالية عبر الانتخابات.
ومع دخول المساء، كانت الفِرق الأمنية والطبية قد اصطفّت حول ساحات الميدان، بينما نُصب مسرح في مقدمة الميدان على خلفية الطريق الفاصل مع البحر المتوسط.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الجيل الذي شارك في الثورة فقَد جانباً من حماسته له؛ لأسباب عدة. ويعتقد سليمان البيوضي، المرشح الرئاسي الليبي، أن «ثورة فبراير هي الآن في ذمة التاريخ كحدث وفعل، بعدما قال إنها تحوّلت إلى قميص عثمان يرفعه الفاسدون واللصوص والهاربون للمزايدة على أبناء الوطن»، وفق قوله.
ويرى البيوضي أن «ليبيا ليست بحاجة (لديمومة الثورة) قدر حاجتها لمشروع للإنقاذ يُنهي حالة العبث والفساد ويقطع دابر الفاسدين والخوَنة والعملاء المتآمرين؛ إنها بحاجة لكثير من التنازلات من أجل مستقبلها وتوفير الحياة الكريمة لأهلها بكل مشاربهم واختلافاتهم».
والبيوضي من الشباب الليبي المشاركين في الثورة، وذهب إلى أنه «لديه ذكريات معها لا تموت؛ ففيها من الأمل والوجع معاً ما يكفي لاستحضاره، حينها كنت شاباً يافعاً ومضينا في الاندفاعات إلى النهاية ولم أتردد، وتغيرت حياتي بشكل لا يصدَّق، وكان هناك الكثير من الطموح لغد أفضل».
ولمزيد من توضيح ما آلت إليه البلاد بعد الثورة، لفت البيوضي إلى أن «ليبيا تغيرت، اليوم؛ فهي تعيش شبح الفقر والعوز والتجهيل والفساد. اليوم كثير من أبناء الأمة الليبية يعيشون في ظروف قاهرة وطالهم الظلم بسبب الخوَنة والعملاء المتآمرين، لا يمكن أن يصدق مجنون لأي حال وصلنا».
وخروجاً من لحظات الأسى قال البيوضي: «نحن بحاجة للحظات الفرح؛ لكننا أيضاً بحاجة أكبر لاتفاق نحو المستقبل بعيداً عن حالة الانقسام والثورة والمضي قدماً نحو الدولة الحديثة وترسيخ قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية».
وأُطلقت حملة تبرعات شعبية لضحايا الزلزال في تركيا وسوريا، خلال الاحتفالات الرسمية في العاصمة، وفق ما أعلنته اللجنة العليا لاحتفالات «ثورة 17 فبراير».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.