فيرمير المطلق في عرض أثمن من اللؤلؤ

أضخم معرض لأعمال الفنان الهولندي

معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
TT

فيرمير المطلق في عرض أثمن من اللؤلؤ

معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)

ما هي التحفة الفنية؟
هناك صنف من الثقة، سخية وإنما خاطئة، تلك التي نوليها الأعمال الفنية الكلاسيكية. لقد اجتازوا «اختبار الزمن»؛ لقد هزموا شكوك الموضة، وكشفوا عن بعض العظمة الداخلية التي لا يمكن لأحد الاختلاف عليها. ننظر إلى منحوتة «فينوس دي ميلو» ونرتجف، تماماً كما لو كنا نشاهدها للمرة الأولى منذ ألفي عام مضت؛ ونستمع إلى سيمفونية بيتهوفن التاسعة ونلتقط أنفاسنا، من النوتة الموسيقية نفسها التي عُزفت في فيينا عام 1824.

«ساكبة الحليب» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

على مدى نطاق الرسم الأوروبي، قد لا تكون هناك حالة أكثر إرباكاً من الفنان يوهانس فيرمير (1632 - 75). كان مقيماً في مدينة «ديلفت» خلال حياته، وكان فنه يُباع، لكن بعد قرنين من وفاته، لم تجذب صوره الصغيرة الصامتة لنساء يقرأن الرسائل أو يسكبن اللبن أي اهتمام على الإطلاق. عندما ظهرت «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» في المزاد سنة 1881، لم تجلب سوى غيلدرين اثنين فقط (غيلدر: العملة الهولندية). الآن فيرمير يوقف حركة المرور، ويحول مسار الطائرات.

«الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

ولعلك تتساءل: ذلك السطوع، وذلك الهدوء الداخلي، كيف يمكن ألا يوقفوا قلوب كل الناس كما أوقفوا قلبي؟
افتتح أكبر معرض لفيرمير أمام الجمهور يوم الجمعة الماضي في متحف «رايكس ميوزيام» هنا في أمستردام. ومن المؤكد أن هذا المعرض سوف يدخل التاريخ بوصفه المعرض الحاسم لهذا الفنان، الذي لن يتكرر أبداً. وقد انضم إلى مقتنيات المتحف الخاصة، بما في ذلك لوحة «ميلك مايد» (ساكبة الحليب) الواضحة للغاية ولوحة «الشارع الصغير» الهادئة، ما يزيد على ثلاثة أرباع من أعماله الكاملة الباقية على قيد الحياة. بناءً على دليل مبيعات التذاكر المسبقة (أكثر من 200 ألف تذكرة بيعت)، لم يُسجل أي تراجع يُذكر في صعود فيرمير من النسيان إلى الشهرة العارمة. كنا دائماً ما نقع أسرى تعويذاته الصامتة — في التفوق البلوري لمشاهده الفنية الصغيرة ودراسات أساليبه في الرسم، تلك التعديلات والتفاصيل الحادة والضبابية التي تحول الألوان الزيتية ضوءاً.

لوحة «الجغرافي» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

المعرض باسم «فيرمير»، ومن العنوان يتسم هذا المعرض بالثقة المذهلة والتأني العميق. ولأن نُطلق عليه صفة الندرة يعني الإقلال كثيراً من شأنه. فقد استغرق تنظيمه سبع سنوات من الدبلوماسية. كان الحصول على القطع المُعارة بهذه القيمة الكبيرة مهمة مستحيلة بالفعل قبل عام 2020 — لم يكن هناك متحف يملك لوحات لفيرمير يستطيع التخلي عنها إلا إذا كان الطلب قانونياَ بحق — وأسفر الوباء والغزو الروسي لأوكرانيا عن زيادة التكاليف والمحن اللوجيستية.
في حقيقة الأمر، العرض مثالي تماماً، ومتقن من حيث النقاش، ونُظم بوتيرة بارعة، وواضح وغير ملوث مثل الضوء المتدفق من خلال نوافذ مدينة ديلفت.
وفي صالات العرض الإضافية شعرت بشيء من القرب لفهم الاستحواذ الشديد لهذه الصور الماسية على الجمهور المعاصر، إنها لا تزال أقوى تأثيراً حتى في وقت تكاثر صور الغيغابيكسل.

نفدت كل تذاكر معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

هنا في متحف رايكس، تتألق تلك الـ28 لوحة صغيرة إلى الأصغر حجماً متوزعة عبر 10 صالات للعرض. ويحيط بكل صورة حاجز بسيط شبه دائري، مما يسمح بالتفحص الدقيق، وتفريق الحشود أيضاً. ولما بعد ذلك، وبعض النصوص الصغيرة، لا شيء هنالك. لا توجد أعمال مقارنة، ولا توجد مقاطع فيديو تشتت الانتباه. حتى المقاعد تتواجد بعيداً على جوانب الجدران. يستمر العرض ببطء، ومن دون صوت؛ إذ يمتلئ فراغه بالتفاصيل، ويبدو الصغير اللامتناهي في الشعور بالاتساع اللامتناهي.
عُزلت العديد من الصور في غرفهم الخاصة — بما في ذلك لوحة «ساكبة الحليب»، التي يبلغ طولها 18 بوصة فقط. هنا، في هذه اللوحة الصغيرة لخادمة المطبخ التي تصب الحليب على ما هو على الأرجح عصيدة الخبز، يمكنك أن ترى كل قوة وإمكانات فيرمير. في نظرتها المركزة، في الصدرية الجلدية المتواضعة، تتماسك كلها من خلال ضربات الطلاء الصلبة غير الممزوجة. الدبابيس شبه المنقطة الأولية التي تُشكل لفائف الخبز، تبعد كل البعد عن «الطبيعة» التي لا نزال ننسبها إلى أسلوبه. في ذلك الفن الهولندي الدقيق والمثالي في الوصف، وصولاً إلى المسامير المطروقة على جدار المطبخ وبلاط ديلفت الأزرق الصغير الممتد على طول الأرضية. في الضوء، قبل كل شيء، الذي جعله فيرمير واضحاً من خلال الانحلال الناعم للتفاصيل، من الخلفية إلى المقدمة، والتي نسميها على نحو غير معتاد «التصوير الفوتوغرافي».
كما هو الحال في أهم القطع المُعارة هنا، فإن لوحة «الفتاة التي تقرأ رسالة في نافذة مفتوحة»، المستعارة من دريسدن، مُنحت أيضاً معرضها الخاص كي تُظهر عودة لافتة للنظر. تلك واحدة من أول المشاهد الفنية العظيمة لفيرمير، بعد بعض سنواته الأولى المهملة من الرسم الديني والأسطوري.
امرأة شابة تقف في الصورة، ورأسها منحنٍ قليلاً. نرى انعكاس صورتها في ألواح النافذة المفتوحة، تبدو مذهلة ومنشغلة. كما نرى أيضاً في اللوحة سجادة شرقية، ولمعان وعاء فاكهة صيني، وتجاعيد ستارة معلقة. على مدى 250 عاماً أو أكثر، بدا الجدار الخلفي فارغاً - لكن في عام 2021، أزالت أعمال الترميم طلاءً زائداً لتكشف عن صورة لإله الحب كيوبيد: واحدة من لوحات فيرمير المتعددة داخل اللوحة الأصلية. يبدو الآن أن الرسالة هي رسالة حب. كما أن هذه اللوحة هي رسالة حب أيضاً.
يظهر الكيوبيد نفسه في خلفية لوحتين أخريين هنا (إضافة إلى لوحة رابعة، غير مُعارة)، رغم أنه لم يُرسم بالطريقة نفسه قط. كان فيرمير دائماً مُختلقاً، ومُبدعاً؛ إذ أخفت قوته الحادة في الوصف البصري مدى تعمّده في بناء مشاهده الصامتة. من اللوحات المفتقدة في هذا المعرض لوحة «فن الرسم» 1668، التي يمتلكها متحف «كونستوريسز» في فيينا ورفض إعارتها للمعرض، رغم أن الكتالوج نفسه يعترف بأنها من أهم الأعمال الفنية لفيرمير. كما حجبت متاحف المتروبوليتان، واللوفر، والملك تشارلز بعضاً من اللوحات أيضاً. (فمن اللوحات الغائبة عن المعرض لوحة «الحفلة الموسيقية» التي تُصور ثلاثة موسيقيين مُصورين من مسافة بعيدة، رغم أنك إذا كنت تعرف مكانها يرجى الاتصال بمكتب التحقيقات الفيدرالية! فلم يشاهدها أحد منذ عام 1990، عندما انتزعت من على جدار متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في بوسطن).
عندما أعيد اكتشافه في منتصف القرن التاسع عشر، بدا فيرمير أكثر من مجرد فنان قديم تعرض للتجاهل. وبدا أن لديه ما يقوله بصفة خاصة لأوروبا الساعية نحو الحداثة، لا سيما في حيله البصرية الحادة إلى الضبابية، والاقتطاعات غير التقليدية التي تجعل لوحاته، بالنسبة للمشاهدين آنذاك وحتى الآن، تبدو «حقيقية» كمثل الصورة الفوتوغرافية.
سحرت تلك البراءة الكاذبة الكثيرين في القرن العشرين، والذي تحول إلى فيرمير من أجل الشفافية، والنظام، والانسجام. غير أن الجمال والهدوء وحدهما ليسا كافيين لتفسير شدة الهوس بلوحات فيرمير اليوم، وأعتقد أن جاذبيته تكمن الآن في موضع آخر. وتكمن، أكثر من ذلك بكثير، في قدرة اللوحات على التباطؤ، وكيف أن الفرق بين حقيقتها الملموسة وبنائها الواضح لا يمكن تمييزه إلا مع مرور الوقت.
التزم الهدوء وانظر إلى الفتاة ذات الشفتين المزمومتين، قارئة الرسالة بصوت عالٍ في الضوء الخافت. في المنظر الغائم الخالي من الحركة لمدينة ديلفت. تكرس الخادمة كل انتباهها إلى الحليب المصبوب من إبريق خزفي متواضع. لا شيء مهم يحدث، وأيضاً فإن «اللا شيء» صار هو كل شيء الآن.
أصبح فيرمير واحداً من آخر عناصر إزالة الارتباك لدينا من حيث الاستيعاب والوعي. وتزداد أهميته الآن تحديداً لتأكيده بأننا لم نتحول كلياً إلى كيانات مُستقبلة للبيانات، وأننا ما زلنا بشراً، وأننا إذا وجدنا الأستاذ المناسب يمكننا إبطاء الوقت.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».


السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
TT

السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)

أعلنت الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي (GPAI)، التي تعمل تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، انضمام السعودية رسمياً بصفتها عضواً في الشراكة، في خطوة تعكس مكانة المملكة المتقدمة لاعباً محورياً في مسيرة البيانات والذكاء الاصطناعي عالمياً، وتعزز دورها الريادي في صياغة مستقبل هذه التقنيات المتقدمة على المستوى الدولي.

وجاء إعلان انضمام السعودية خلال أعمال «مؤتمر تأثير الذكاء الاصطناعي 2026» المنعقد في الهند، إذ تمثّل المملكة في هذه الشراكة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وذلك امتداداً للدعم المتواصل الذي تحظى به من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس إدارة «سدايا»، لتضطلع بدورها في ترسيخ مكانة المملكة مرجعاً عالمياً في حوكمة وتنظيم وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتُعدّ «الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي» إحدى المبادرات المنبثقة عن قمة مجموعة السبع (G7)، وتهدف إلى دعم الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الدولي لسد الفجوة بين الجوانب النظرية والتطبيقات العملية.

وتضم الشراكة 46 دولة، يمثلها خبراء رائدون من المجتمع المدني والحكومات والصناعات والأوساط الأكاديمية، بهدف سد الفجوة بين البُعدَين النظري والتطبيقي في مجال الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دعم أنشطة البحث والتطوير المرتبطة بأولويات هذا المجال. وتُعدّ منصة عالمية ومرجعاً دولياً لأبرز القضايا المتعلقة به، كما تتبنى تعزيز الثقة في استخداماته.

ويُتوقع أن يسهم هذا الانضمام في تعزيز ثقة المجتمع التقني العالمي بالبيئة التنظيمية في السعودية، وجذب الاستثمارات النوعية والشركات التقنية الكبرى ورواد الأعمال، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة في توطين التقنيات المتقدمة وزيادة إسهام الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، تماشياً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتيح عضوية السعودية في «GPAI» فرصة للمشاركة الفاعلة في الحوارات الدولية المؤثرة، والإسهام في صياغة المعايير والسياسات المنظمة للتقنيات الحديثة، إلى جانب تبادل الخبرات مع الدول الأعضاء والخبراء من الحكومات والصناعات والأوساط الأكاديمية، بما يعزز حضور المملكة في صناعة القرار التقني العالمي.

السعودية تنضم إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي لتعزيز ريادتها الدولية في التقنيات المتقدمة (واس)

من جهته، أكد رئيس «سدايا»، الدكتور عبد الله الغامدي، أن انضمام السعودية إلى الشراكة العالمية يُجسّد خطوة استراتيجية تُرسّخ مكانتها عالمياً، وتعكس التزامها بربط الأولويات الإقليمية بالمسؤولية العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك في كلمة ألقاها خلال رئاسته وفد المملكة في الجلسة الخاصة بالشراكة في أثناء «مؤتمر تأثير الذكاء الاصطناعي 2026» في الهند.

وأوضح أن السعودية تُعد أول دولة عربية تنضم إلى هذا التجمع الدولي الذي يعمل تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بما يؤكد دورها الريادي في تعزيز الاستخدام المسؤول والموثوق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومساهمتها الفاعلة في صياغة مستقبله على المستوى الدولي. وأشار إلى أن المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث حجم المساهمات في مرصد الذكاء الاصطناعي التابع للمنظمة، حيث أسهمت بأكثر من 60 سياسة، بما يعكس دورها المؤثر في دعم الأطر الدولية المعنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية وتبادل المعرفة.

وأضاف أن السعودية تعمل على تعميق تعاونها الاستراتيجي مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، من خلال توسيع نطاق مرصد حوادث الذكاء الاصطناعي، ليشمل منطقة الشرق الأوسط، بما يُسهم في تعزيز الفهم الإقليمي لمخاطر الذكاء الاصطناعي، ويدعم تطوير سياسات قائمة على الأدلة والمعايير الدولية.

ولفت إلى أن هذه الشراكة ستعزز ريادة السعودية إقليمياً في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول، إلى جانب مبادراتها النوعية، ومنها «ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي» الذي تبنّته 53 دولة إسلامية، ويهدف إلى ترسيخ المبادئ الأخلاقية وتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات المتقدمة بما يخدم الإنسان والمجتمع.