فيرمير المطلق في عرض أثمن من اللؤلؤ

أضخم معرض لأعمال الفنان الهولندي

معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
TT

فيرمير المطلق في عرض أثمن من اللؤلؤ

معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)
معرض «فيرمير» في متحف رايكس في أمستردام يعد الأضخم عن الفنان الهولندي (نيويورك تايمز)

ما هي التحفة الفنية؟
هناك صنف من الثقة، سخية وإنما خاطئة، تلك التي نوليها الأعمال الفنية الكلاسيكية. لقد اجتازوا «اختبار الزمن»؛ لقد هزموا شكوك الموضة، وكشفوا عن بعض العظمة الداخلية التي لا يمكن لأحد الاختلاف عليها. ننظر إلى منحوتة «فينوس دي ميلو» ونرتجف، تماماً كما لو كنا نشاهدها للمرة الأولى منذ ألفي عام مضت؛ ونستمع إلى سيمفونية بيتهوفن التاسعة ونلتقط أنفاسنا، من النوتة الموسيقية نفسها التي عُزفت في فيينا عام 1824.

«ساكبة الحليب» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

على مدى نطاق الرسم الأوروبي، قد لا تكون هناك حالة أكثر إرباكاً من الفنان يوهانس فيرمير (1632 - 75). كان مقيماً في مدينة «ديلفت» خلال حياته، وكان فنه يُباع، لكن بعد قرنين من وفاته، لم تجذب صوره الصغيرة الصامتة لنساء يقرأن الرسائل أو يسكبن اللبن أي اهتمام على الإطلاق. عندما ظهرت «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» في المزاد سنة 1881، لم تجلب سوى غيلدرين اثنين فقط (غيلدر: العملة الهولندية). الآن فيرمير يوقف حركة المرور، ويحول مسار الطائرات.

«الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

ولعلك تتساءل: ذلك السطوع، وذلك الهدوء الداخلي، كيف يمكن ألا يوقفوا قلوب كل الناس كما أوقفوا قلبي؟
افتتح أكبر معرض لفيرمير أمام الجمهور يوم الجمعة الماضي في متحف «رايكس ميوزيام» هنا في أمستردام. ومن المؤكد أن هذا المعرض سوف يدخل التاريخ بوصفه المعرض الحاسم لهذا الفنان، الذي لن يتكرر أبداً. وقد انضم إلى مقتنيات المتحف الخاصة، بما في ذلك لوحة «ميلك مايد» (ساكبة الحليب) الواضحة للغاية ولوحة «الشارع الصغير» الهادئة، ما يزيد على ثلاثة أرباع من أعماله الكاملة الباقية على قيد الحياة. بناءً على دليل مبيعات التذاكر المسبقة (أكثر من 200 ألف تذكرة بيعت)، لم يُسجل أي تراجع يُذكر في صعود فيرمير من النسيان إلى الشهرة العارمة. كنا دائماً ما نقع أسرى تعويذاته الصامتة — في التفوق البلوري لمشاهده الفنية الصغيرة ودراسات أساليبه في الرسم، تلك التعديلات والتفاصيل الحادة والضبابية التي تحول الألوان الزيتية ضوءاً.

لوحة «الجغرافي» من معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

المعرض باسم «فيرمير»، ومن العنوان يتسم هذا المعرض بالثقة المذهلة والتأني العميق. ولأن نُطلق عليه صفة الندرة يعني الإقلال كثيراً من شأنه. فقد استغرق تنظيمه سبع سنوات من الدبلوماسية. كان الحصول على القطع المُعارة بهذه القيمة الكبيرة مهمة مستحيلة بالفعل قبل عام 2020 — لم يكن هناك متحف يملك لوحات لفيرمير يستطيع التخلي عنها إلا إذا كان الطلب قانونياَ بحق — وأسفر الوباء والغزو الروسي لأوكرانيا عن زيادة التكاليف والمحن اللوجيستية.
في حقيقة الأمر، العرض مثالي تماماً، ومتقن من حيث النقاش، ونُظم بوتيرة بارعة، وواضح وغير ملوث مثل الضوء المتدفق من خلال نوافذ مدينة ديلفت.
وفي صالات العرض الإضافية شعرت بشيء من القرب لفهم الاستحواذ الشديد لهذه الصور الماسية على الجمهور المعاصر، إنها لا تزال أقوى تأثيراً حتى في وقت تكاثر صور الغيغابيكسل.

نفدت كل تذاكر معرض «فيرمير» لمتحف رايكس في أمستردام (نيويورك تايمز)

هنا في متحف رايكس، تتألق تلك الـ28 لوحة صغيرة إلى الأصغر حجماً متوزعة عبر 10 صالات للعرض. ويحيط بكل صورة حاجز بسيط شبه دائري، مما يسمح بالتفحص الدقيق، وتفريق الحشود أيضاً. ولما بعد ذلك، وبعض النصوص الصغيرة، لا شيء هنالك. لا توجد أعمال مقارنة، ولا توجد مقاطع فيديو تشتت الانتباه. حتى المقاعد تتواجد بعيداً على جوانب الجدران. يستمر العرض ببطء، ومن دون صوت؛ إذ يمتلئ فراغه بالتفاصيل، ويبدو الصغير اللامتناهي في الشعور بالاتساع اللامتناهي.
عُزلت العديد من الصور في غرفهم الخاصة — بما في ذلك لوحة «ساكبة الحليب»، التي يبلغ طولها 18 بوصة فقط. هنا، في هذه اللوحة الصغيرة لخادمة المطبخ التي تصب الحليب على ما هو على الأرجح عصيدة الخبز، يمكنك أن ترى كل قوة وإمكانات فيرمير. في نظرتها المركزة، في الصدرية الجلدية المتواضعة، تتماسك كلها من خلال ضربات الطلاء الصلبة غير الممزوجة. الدبابيس شبه المنقطة الأولية التي تُشكل لفائف الخبز، تبعد كل البعد عن «الطبيعة» التي لا نزال ننسبها إلى أسلوبه. في ذلك الفن الهولندي الدقيق والمثالي في الوصف، وصولاً إلى المسامير المطروقة على جدار المطبخ وبلاط ديلفت الأزرق الصغير الممتد على طول الأرضية. في الضوء، قبل كل شيء، الذي جعله فيرمير واضحاً من خلال الانحلال الناعم للتفاصيل، من الخلفية إلى المقدمة، والتي نسميها على نحو غير معتاد «التصوير الفوتوغرافي».
كما هو الحال في أهم القطع المُعارة هنا، فإن لوحة «الفتاة التي تقرأ رسالة في نافذة مفتوحة»، المستعارة من دريسدن، مُنحت أيضاً معرضها الخاص كي تُظهر عودة لافتة للنظر. تلك واحدة من أول المشاهد الفنية العظيمة لفيرمير، بعد بعض سنواته الأولى المهملة من الرسم الديني والأسطوري.
امرأة شابة تقف في الصورة، ورأسها منحنٍ قليلاً. نرى انعكاس صورتها في ألواح النافذة المفتوحة، تبدو مذهلة ومنشغلة. كما نرى أيضاً في اللوحة سجادة شرقية، ولمعان وعاء فاكهة صيني، وتجاعيد ستارة معلقة. على مدى 250 عاماً أو أكثر، بدا الجدار الخلفي فارغاً - لكن في عام 2021، أزالت أعمال الترميم طلاءً زائداً لتكشف عن صورة لإله الحب كيوبيد: واحدة من لوحات فيرمير المتعددة داخل اللوحة الأصلية. يبدو الآن أن الرسالة هي رسالة حب. كما أن هذه اللوحة هي رسالة حب أيضاً.
يظهر الكيوبيد نفسه في خلفية لوحتين أخريين هنا (إضافة إلى لوحة رابعة، غير مُعارة)، رغم أنه لم يُرسم بالطريقة نفسه قط. كان فيرمير دائماً مُختلقاً، ومُبدعاً؛ إذ أخفت قوته الحادة في الوصف البصري مدى تعمّده في بناء مشاهده الصامتة. من اللوحات المفتقدة في هذا المعرض لوحة «فن الرسم» 1668، التي يمتلكها متحف «كونستوريسز» في فيينا ورفض إعارتها للمعرض، رغم أن الكتالوج نفسه يعترف بأنها من أهم الأعمال الفنية لفيرمير. كما حجبت متاحف المتروبوليتان، واللوفر، والملك تشارلز بعضاً من اللوحات أيضاً. (فمن اللوحات الغائبة عن المعرض لوحة «الحفلة الموسيقية» التي تُصور ثلاثة موسيقيين مُصورين من مسافة بعيدة، رغم أنك إذا كنت تعرف مكانها يرجى الاتصال بمكتب التحقيقات الفيدرالية! فلم يشاهدها أحد منذ عام 1990، عندما انتزعت من على جدار متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في بوسطن).
عندما أعيد اكتشافه في منتصف القرن التاسع عشر، بدا فيرمير أكثر من مجرد فنان قديم تعرض للتجاهل. وبدا أن لديه ما يقوله بصفة خاصة لأوروبا الساعية نحو الحداثة، لا سيما في حيله البصرية الحادة إلى الضبابية، والاقتطاعات غير التقليدية التي تجعل لوحاته، بالنسبة للمشاهدين آنذاك وحتى الآن، تبدو «حقيقية» كمثل الصورة الفوتوغرافية.
سحرت تلك البراءة الكاذبة الكثيرين في القرن العشرين، والذي تحول إلى فيرمير من أجل الشفافية، والنظام، والانسجام. غير أن الجمال والهدوء وحدهما ليسا كافيين لتفسير شدة الهوس بلوحات فيرمير اليوم، وأعتقد أن جاذبيته تكمن الآن في موضع آخر. وتكمن، أكثر من ذلك بكثير، في قدرة اللوحات على التباطؤ، وكيف أن الفرق بين حقيقتها الملموسة وبنائها الواضح لا يمكن تمييزه إلا مع مرور الوقت.
التزم الهدوء وانظر إلى الفتاة ذات الشفتين المزمومتين، قارئة الرسالة بصوت عالٍ في الضوء الخافت. في المنظر الغائم الخالي من الحركة لمدينة ديلفت. تكرس الخادمة كل انتباهها إلى الحليب المصبوب من إبريق خزفي متواضع. لا شيء مهم يحدث، وأيضاً فإن «اللا شيء» صار هو كل شيء الآن.
أصبح فيرمير واحداً من آخر عناصر إزالة الارتباك لدينا من حيث الاستيعاب والوعي. وتزداد أهميته الآن تحديداً لتأكيده بأننا لم نتحول كلياً إلى كيانات مُستقبلة للبيانات، وأننا ما زلنا بشراً، وأننا إذا وجدنا الأستاذ المناسب يمكننا إبطاء الوقت.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.