«حميدتي» في دارفور لتنفيذ قرارات التحقيق في أحداث «بليل»

على رأس وفد من «مجلس السيادة» وقيادات أمنية وعدلية رفيعة

محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
TT

«حميدتي» في دارفور لتنفيذ قرارات التحقيق في أحداث «بليل»

محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)
محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)

تشهد ولاية جنوب دارفور اجتماعات مهمة تتعلق بتنفيذ قرارات لجان التحقيق في أحداث العنف القبلي الدامي الذي شهدته ولاية جنوب كردفان في الأشهر الماضية، وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى وآلاف النازحين، وهي الأحداث التي يواجه بعض الجنود التابعين لقوات «الدعم السريع» اتهامات بالضلوع فيها، أو بعدم التدخل لوقف نزف الدم بها.
ووصل نائب رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى حاضرة الإقليم، نيالا، وبرفقته عضو «مجلس السيادة»، الهادي إدريس، ووفد عدلي مكوَّن من وزير العدل المكلف محمد سعيد الحلو، والنائب العام المكلف خليفة أحمد خليفة، ومن ممثلين عن جهازي الشرطة والمخابرات الوطنية، وممثل عن «حركة تحرير السودان»، وقيادات عسكرية وأمنية.
وقالت نشرة صحافية، أمس، إن زيارة «حميدتي» تهدف لمتابعة تنفيذ القرارات التي كان قد أصدرها في زيارته السابقة للولاية، فضلاً عن مراجعة النتائج التي توصلت إليها لجنتا التحقيق والحصر اللتان كوّنهما للتحقيق في الأحداث التي تعرضت لها منطقة بليل، في ولاية جنوب دارفور، نهاية العام الماضي.
وشهدت بليل، وهي منطقة إدارية في دارفور، في ديسمبر (كانون الأول) 2022، أعمال عنف قبلي دامية بين إثنية داجو الأفريقية وإثنية رزيقات العربية، راح ضحيتها 35 شخصاً بين قتيل وجريح، وأدت إلى نزوح أكثر من 16 ألف شخص، وإحراق نحو 18 قرية.
وإبان زيارته للولاية، التي أعقبت الأحداث مباشرة، شكل «حميدتي» لجنة تحقيق في الأحداث، بإشراف النائب العام، وأوكل لها سلطة حصر الخسائر، وتحديد المجرمين، متعهداً بتقديم كل مَن يثبت ضلوعه في تلك الأحداث إلى المحاكمة، وأرجأ توقيع اتفاق الصلح بين المجموعتين إلى ما بعد محاسبة الضالعين في الأحداث، مؤكداً أن تقديم المتهمين للمحاكمة سيوقف تكرار مثل هذه النزاعات الأهلية، بخلاف الإجراءات التي كانت تُتبع في النزاعات الأهلية؛ بدفع الديات وجبر الضرر.
ونقلت مواقع تواصل اجتماعي وقتها فيديوهات تشير إلى ضلوع رجال بثياب قوات «الدعم السريع» في الأحداث، والقتال إلى جانب قبائلهم، وهو ما اعتبره «حميدتي» دعاية ممن أطلق عليهم «أصحاب الأجندة»، وبناء على ذلك أمر بتوقيف كل مَن ظهر في تلك الفيديوهات من أفراد قواته، وأمر بوضعهم قيد الحبس لحين تسليمهم للجنة التحقيق للبت في أمرهم.
وانتقد «حميدتي» سلوك بعض أفراد قواته الذين ظهروا في الفيديوهات، وقال: «إنهم وقفوا يشاهدون الأحداث دون تدخل»، بيد أنه رجح أن تكون هناك جهات وأفراد صوروا تلك القوات لإلصاق التهمة بها، وهو ما يُنتظر أن تبت فيه لجان التحقيق.
وعادةً ما تُوجَّه أصابع الاتهام إلى رجال القوات الحكومية العاملة في إقليم دارفور، من جيش و«دعم سريع» ودفاع شعبي، بالانحياز إلى قبائلهم وبسلاحهم الحكومي، في حال نشوب نزاعات بينها وبين قبائل أخرى، وهو الاتهام الذي دأبت وسائط التواصل الاجتماعي على توجيهه إلى قوات «الدعم السريع»، نظراً لثقلها الأساسي في المجموعة العربية في الإقليم المضطرب.
وترجع جذور النزاعات العرقية في دارفور إلى عهد حكم الرئيس السابق عمر البشير وأنصاره من الإسلامويين، الذين استخدموا التناقضات العرقية والثقافية في الإقليم في حربهم ضد المجموعات المناوئة للحكومة والحركات المسلحة، وتصادف أنْ كان معظم حلفاء القوات الحكومية من مجموعة القبائل العربية في مواجهة الحركات المتمردة التي يغلب عليها الطابع الأفريقي.
وتُعدّ الأحداث التي يشهدها الإقليم حالياً ارتدادات للنزاع بين القوات الحكومية والحركات المتمردة الدارفورية في 2003، الذي أدى لمقتل أكثر من 300 ألف شخص، وتشريد الملايين داخلياً وخارجياً، وحَرْق آلاف القرى، وبسببه أرسلت الأمم المتحدة إلى الإقليم واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية، وهي بعثة «يوناميد» التي أنهت مهمتها بعد سقوط نظام البشير وتوقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان.
ونتيجة لهذه الأحداث، أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية» مذكرتَيْ قبض ضد الرئيس السابق عمر البشير، و3 من مساعديه، باتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي.
ولا تزال محكمة لاهاي تطالب بتسليم البشير ووزير دفاعه، عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة في الداخلية وقتها، أحمد هارون، في الوقت الذي سلم فيه علي كوشيب، الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام الدولية لقب «زعيم الجنجويد»، نفسه طوعياً، ويخضع للمحاكمة الآن.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
TT

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)

تتجه الأزمة داخل السلطة القضائية الليبية إلى مزيد من التعقيد، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، بشأن انتداب وإقالة القضاة، ما يفاقم المخاوف من انقسام المؤسسة، ويعكس اتساع الخلاف داخل أعلى هرم قضائي في البلاد.

ويأتي هذا التطور في بلد لا يزال يعيش انقساماً سياسياً منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وسط تحذيرات قانونيين من أن هذا التطور لم يعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير حكم أو حدود اختصاص، بل أصبح وفق رؤية أستاذ القانون العام الليبي، مجدي الشعباني، أقرب إلى «واقع مؤسسي جديد فرض نفسه داخل السلطة القضائية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الانقسام «لم يعد نظرياً أو محتملاً، بل بات ينعكس عملياً على عمل بعض الهيئات القضائية».

قضاة ليبيون مع رئيس أحد السلطتين المتنازعتين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس الأربعاء (حساب المجلس على «فيسبوك»)

وتصاعد الجدل خلال اليومين الأخيرين، بعد صدور سلسلة قرارات عن المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، برئاسة المستشار عبد الله أبو رزيزة، تقضي بنقل وندب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي، المستشار مفتاح القوي، الذي جرى نقله للعمل في إدارة المحاماة بإحدى محاكم شرق البلاد.

وفي خطوة حملت رسالة رمزية على استمرار عمل المجلس في طرابلس، تسلم عدد من خريجي المعهد العالي للقضاء مهام عملهم، بعد أداء اليمين القانونية أمام أبو رزيزة في مقر المجلس الأعلى للقضاء بالعاصمة.

في المقابل، ردّ المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي برفض قاطع لما وصفه بصدور قرارات وبيانات «منتحلة لصفته»، تتعلق بنقل وندب أعضاء في السلطة القضائية، مؤكداً في بيان رسمي أن تلك القرارات «منعدمة الأثر القانوني». كما أعلن إصدار قرار بتعيين عشرات الملتحقين الجدد بالهيئات القضائية.

اجتماع لأحد المجلسين المتنازعين على المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي الأحد الماضي (حساب المجلس الرسمي في «فيسبوك»)

وأثار هذا السجال قلقاً داخل الأوساط القضائية، إذ وصف القاضي الليبي المستشار حيدر العائب الوضع القائم بأنه «ازدواج في المرجعية العليا داخل السلطة القضائية»، محذراً في منشور عبر «الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية» من أن هذا الانقسام «الخطير» قد يمس بنية العدالة، ويضعف ثقة المجتمع في مؤسساته.

وفي السياق ذاته، حذّرت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية في ليبيا من أن هذا الانقسام غير المسبوق «يهدد استقلال القضاء، وقد يطال وجوده نفسه»، مؤكدة أن الأولوية «باتت الحفاظ على بقاء المؤسسة القضائية ومنع انهيارها».

ويرى الشعباني أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز مسألة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء لتطال شرعية منظومة التقاضي بأكملها. وقال إن وجود مرجعيات متوازية لإدارة الهيئات القضائية «قد يؤدي إلى تضارب في القرارات الإدارية والتنظيمية، بما يهدد استقرار المراكز القانونية ويقوض ثقة المواطنين في العدالة»، مشدداً على أن «القضاء يمثل آخر مؤسسات الدولة التي يمكن أن تتحمل الانقسام».

ويأتي هذا التصعيد على خلفية نزاع قانوني أعاد إلى الواجهة الجدل حول شرعية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بعدما قضت المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب الليبي على قانون النظام القضائي، وهو حكم فتح نقاشاً واسعاً حول الأساس القانوني للمجلس وصلاحياته.

وتفاقمت الأزمة في 18 فبراير (شباط) الماضي مع تصاعد الخلاف حول تنفيذ الحكم القضائي، قبل أن يعلن المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة المستشار مفتاح القوي، نقل إدارة القانون مؤقتاً إلى بنغازي بسبب ما وصفه بـ«القوة القاهرة».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

يأتي ذلك في ظل استمرار الانقسام السياسي في ليبيا بين حكومتين متنافستين: حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة مكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويثير تساؤلات حول فرص احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى واقع دائم داخل المؤسسة القضائية.

ومن منظور الشعباني فإن «الأزمة في الحالة الليبية تجاوزت الإطار التقليدي، إذ باتت أزمة مؤسسية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الواقع السياسي»، موضحاً أن «معالجة الأزمات القضائية في الظروف العادية تتم عبر مسارين متكاملين: قضائي لحسم النزاعات القانونية، وتشريعي لإصلاح النصوص التي تكشف الأزمات عن قصورها».

وقال الشعباني إن «البداية الطبيعية للحل في ليبيا تكون بحسم قضائي، يعيد وضوح المرجعية داخل المؤسسة القضائية، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم لها»، منتهياً إلى أن «أي معالجة حقيقية ستظل بحاجة إلى حد أدنى من التوافق السياسي لتحييد القضاء عن الصراع، لأن انقسامه قد ينعكس في نهاية المطاف على وحدة الدولة القانونية واستقرار مؤسساتها».

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من خطورة النزاع داخل القضاء الليبي، مؤكدة أن المؤسسة القضائية تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة، وأن أي انقسام في بنيتها قد ينعكس على مختلف جوانب الحياة في البلاد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات التي اندلعت في صيف 2024. كما لوحظ غياب حدّة التصريحات من الجانبين، لتحلّ محلها لغة التهدئة، واستحضار القواسم المشتركة، ما يوحي بأن التطبيع بات وشيكاً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى قرب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر؛ حيث كشفت تقارير متطابقة نقلتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية نصف الشهرية، في آخر عدد لها، عن «عدم ممانعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عودة الدبلوماسي الفرنسي لممارسة مهامه بالعاصمة الجزائرية.

وقد برز هذا الملف بوضوح خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير (شباط) الماضي؛ إذ أكد الرئيس تبون خلال محادثات جمعته بالوزير الفرنسي أن السفير روماتيه يمكنه استئناف عمله، حسب التقارير نفسها.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وفُسر «ترحيب» تبون المفترض بعودة روماتيه بأنه خطوة ملموسة نحو التهدئة، تهدف إلى كسر جمود التوتر الذي طبع علاقات البلدين منذ أن أعلن الإليزيه في يوليو (تموز) 2024، دعمه الصريح لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء تحت السيادة المغربية. وعلى أثرها سحبت الجزائر سفيرها من باريس، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

سفير في قلب العاصفة

غاب ستيفان روماتيه عن منصبه منذ أبريل (نيسان) 2025، حين قرر الرئيس إيمانويل ماكرون استدعاءه إلى باريس في ذروة أزمة دبلوماسية حادة، جاءت إثر سلسلة من الأحداث المعقدة، كان أبرزها «قضية خطف اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص»، وقرار الجزائر ترحيل 12 دبلوماسياً فرنسياً، إثر اتهام موظف قنصلي جزائري بباريس بالوقوف وراء عملية الاختطاف، التي لم تُحقق هدفها في النهاية وهو تصفيته، أو على الأقل ترحيله سراً إلى الجزائر.

وزير الداخلية الفرنسي مع عميد مسجد باريس ورئيسة بلدية باريس (مسجد باريس)

وردّت باريس على طرد دبلوماسييها بإجراء مماثل، شمل استدعاء سفيرها وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. كما زاد تقرير بثته قناة «فرانس 2» من حدّة الخلافات، بعد أن أثار محتواه غضب السلطات الجزائرية التي عدّته مسيئاً.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً حاداً في الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني)، بعدما أعلنت «القناة الدولية الجزائرية» الحكومية أن السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أصبح «غير مرحب به» في الجزائر، رداً على مشاركته في وثائقي بثه التلفزيون العمومي «فرانس 2»، عدّته السلطات الجزائرية «اعتداءً على مؤسسات الدولة، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وزير الداخلية الفرنسي خلال إلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني السنوي بمسجد باريس الكبير (المسجد)

وتناول التحقيق ما وصفه بـ«حرب خفية» بين البلدين، تقوم على صراع الروايات وتبادل الاتهامات. كما ظهر فيه المعارض أمير بوخرص مهاجماً الرئيس تبون؛ حيث اتهمه بإعطاء الضوء الأخضر لمحاولة خطفه عام 2024 قرب باريس، وهي قضية تقول التحقيقات الفرنسية إنها تورط فيها 8 جزائريين بينهم دبلوماسيان.

وظهر السفير ستيفان روماتيه في التقرير، معتبراً أن البلدين قادران على تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر عدّت مشاركته «خطأ جسيماً»، ورأت فيها مؤشراً على دعم من الحكومة الفرنسية لمضمونه.

بوادر الانفراج

وشكّلت زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي نقطة تحول محورية؛ حيث ناقش الوزير الفرنسي مع مسؤولين جزائريين ملفات أمنية وسياسية حساسة، كان من بينها الوضع القانوني والبروتوكولي للسفير.

ويُنظر اليوم إلى «الضوء الأخضر»، الذي منحه الرئيس تبون لعودة روماتيه، بوصفه بادرة حسن نية لترميم جسور الثقة، وفق التقارير نفسها التي استندت إليها «جون أفريك». وفي تقدير متتبعي تطورات الأزمة، ستضع عودة روماتيه، في حال تأكدت، حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار الدبلوماسي المستقر، وتنهي واحدة من أصعب فترات الفتور بين باريس والجزائر.

وسبق هذا المؤشر الإيجابي، مبادرة لافتة على تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، تمثلت في موافقة فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين جدد، معلنة بذلك عن طي «أزمة تبادل طرد الدبلوماسيين». وتم ذلك في سياق نتائج زيارة نونيز.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعاد لوران نونيز، الخميس الماضي، إلى العلاقات مع الجزائر بمناسبة حضوره الإفطار السنوي الرمضاني، الذي ينظمه «مسجد باريس الكبير» المموَل جزائرياً، مشيداً في كلمة قرأها، بأهمية الحوار بين باريس والجزائر، منتقداً في الوقت نفسه مواقف سلفه برونو روتايو، الذي تصدّر الأزمة لمدة عام تقريباً، وبعض القوى اليمينية التي تدعو إلى التصعيد مع الجزائر.

وشدد نونيز في خطابه، الذي نشره «مسجد باريس» بموقعه، على أن «الحوار (مع الجزائر) يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتجاوز الخلافات»، مشيراً إلى أن زيارته للجزائر ولقاءه رئيسها، أسهم في إعادة إطلاق التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والهجرة بعد نحو 18 شهراً من الجمود.

وتطرّق نونيز أيضاً إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، مشيراً إلى إحصاء 326 اعتداءً معادياً للمسلمين خلال عام 2025، وذلك بزيادة بلغت نحو 90 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. ومن بين الحوادث التي أثارت صدمة واسعة، أشار إلى مقتل الشاب المالي أبو بكر سيسي داخل مسجد في منطقة غارد بجنوب غربي فرنسا في أبريل 2025، ومقتل التونسي هشام مراوي في منطقة فار بالجنوب الشرقي نهاية مايو (أيار) من العام نفسه، واصفاً مرتكبي هذه الجرائم بأنهم «أعداء للجمهورية».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر (رويترز)

وفي ملف الحجاب، جدّد نونيز رفضه المقترح، الذي تدعمه بعض أحزاب اليمين بمنع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، قائلاً: «لن أكون الشخص الذي يذهب ليقول للأطفال إن ارتداء الحجاب يُهدد العيش المشترك الجمهوري»، عاداً أن مثل هذه الإجراءات «قد تصرف الانتباه عن التحدي الحقيقي المتمثل في مواجهة التطرف الديني».


محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
TT

محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)

أصدرت محكمة استئناف تونسية في وقت متأخر من ليلة الجمعة، حكماً بسجن رئيسة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي، 10 سنوات، بعد جلسة محاكمة استمرت ساعات عدة، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الألمانية».

وأودعت عبير موسي -وهي محامية وسياسية معارضة للرئيس قيس سعيد- السجن منذ 23 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتعود القضية إلى عام 2023 عندما تقدمت عبير موسي بتظلُّم ضد مراسيم أصدرها الرئيس سعيد قبل الانتخابات الرئاسية، عند مكتب الضبط بالقصر الرئاسي، قبل أن تعتقلها قوات الأمن وتودعها السجن بتهمة «الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وإثارة الهرج». كما تواجه رئيسة الحزب تهمتَي تعطيل حرية العمل، واستخدام معطيات شخصية دون إذن صاحبها.

ونفت هيئة الدفاع وجود جرائم مرتكبة، وأعلنت أنها ستلجأ إلى الطور التعقيبي. وقال عضو الهيئة والقيادي بالحزب، كريم كريفة، إن «هيئة الدفاع ترافع في لا جريمة». وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكمها الأول بالسجن 12 عاماً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قبل أن تطعن فيه هيئة الدفاع.

وصدرت الأحكام في جلسة الجمعة، وسط اعتراضات عدد كبير من المحامين وقياديي الحزب الذين تجمعوا خارج المحكمة حتى وقت متأخر في الليل.

ويقبع في السجن عشرات من السياسيين المعارضين، ونشطاء، ورجال أعمال، بتهمة التآمر على أمن الدولة، وهي تهم تعتبرها المعارضة «ملفقة وسياسية»، كما تتهم السلطة التي يقودها الرئيس سعيد بترسيخ نظام حكم فردي.

ويتهم الرئيس سعيد الذي فاز بولاية ثانية من 5 سنوات في 2024، خصومه، بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، وإشاعة الفوضى.