التشكيلي المغربي محمد المرابطي يعرض أفريقيا «بلا حدود» في مراكش

محمد المرابطي الفنان التشكيلي المغربي أمام لوحة من لوحاته (الشرق الأوسط)
محمد المرابطي الفنان التشكيلي المغربي أمام لوحة من لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

التشكيلي المغربي محمد المرابطي يعرض أفريقيا «بلا حدود» في مراكش

محمد المرابطي الفنان التشكيلي المغربي أمام لوحة من لوحاته (الشرق الأوسط)
محمد المرابطي الفنان التشكيلي المغربي أمام لوحة من لوحاته (الشرق الأوسط)

يحتضن المركز الثقافي «نجوم جامع الفنا» في مراكش، ضمن فعاليات الدورة الأولى من «مهرجان الكتاب الأفريقي»، معرضاً تشكيلياً للفنان المغربي محمد المرابطي، اختار له عنوان «بلا حدود، مركز العالم»، يتمحور موضوعه حول قارة أفريقيا.
وقال المرابطي لـ«الشرق الأوسط» إن المعرض يأتي امتداداً لمعرض سابق، قدمه قبل نحو 5 سنوات في الموضوع نفسه، لكن مع تطور في التقنية واختيار الألوان، والتركيز على ما يجمع أفريقيا على مستوى نسيج اللغات والثقافات والطقوس والعلامات والرموز.
وشدد المرابطي على أن التركيز على القارة في لوحاته، لا يقصي باقي القارات، وإنما ينقل لما نعيشه ونلاحظه من تركيز على القارة السمراء.
وبالنسبة للمرابطي، فإن من يتابع تجربته الفنية، سيجد في المعرض لمحات من أعماله السابقة، خصوصاً على مستوى العمق الفني الذي يعبر عن زيارات سابقة قام بها إلى عدد من دول القارة، خصوصاً السنغال وموريتانيا، حيث أخذ فكرة عن الطقوس المرتبطة بالأولياء والأضرحة، ليقارنها بالطقوس المغربية، المرتبطة بهذا المجال.

من معرض «بلا حدود» لمحمد المرابطي في مراكش (الشرق الأوسط)

ويقترح المعرض 12 لوحة تركز على قارة أفريقيا، بأحجام وألوان مختلفة، يربط من خلالها الفنان بين الفن والخرائطية بشكل يبرز انتماءه وبلده المغرب إلى القارة، موظفاً منسوجات تنقل لحنين ونوستالجيا شخصية، مقدماً عملاً عن الذاكرة والتذكر والزمن الذي يمر، في علاقة بالمقدس، منتهياً إلى شكل رفيع منحوت لخريطة القارة الأفريقية، حيث نكون مع أفريقيا مركزاً للعالم، أو قل هي العالم، وحيدة، قوية، فارضة نفسها بمختلف الألوان، فإذا هي ملونة كسجادة أو سوداء محاطة بالأزرق أو الأحمر أو البنفسجي، وغيرها من الألوان؛ بحيث تتأكد صورتها وتؤكد ذاتها بلا حدود، أرضاً لما قبل الاستعمار وما قبل حروب التجزئة: أفريقيا أصيلة، حالمة ووديعة.
لكن المرابطي وهو يدخل، من خلال معرض «بلا حدود»، تجربة مغايرة، سواء من حيث الألوان أو السند، مقارنة بأعماله السابقة، قد بقي وفياً للرموز، فاستعمل الألوان الأفريقية مع تنوع في الأحجام والاشتغال على الدائرة.
ويبقى المرابطي، الذي ولد في مراكش في 1968، كما كتب عنه الشاعر والفنان التشكيلي المغربي عزيز أزغاي، «صاحب تجربة صباغية متميزة في مدونة الفن الحديث في المغرب»، و«أحد الأسماء النشطة المنخرطة في بلورة طموح التشكيل المغربي للخروج إلى العالم».
ويعرف عنه أنه راهن، منذ بداية مساره لتعزيز خياراته التشكيلية والجمالية على «صياغة جملة تشكيلية خاصة ترتكز على توظيف الأثر المقدس والصوفي والمرتفع، وعلى علاقة ذلك بالكائن الأعزل الذي بات عرضة لهجمة التقنية وتحول الزمن إلى آلة رهيبة»، فـ«استطاع، بجهد فردي وروح منصتة، أن يلفت الانتباه باكراً إلى طاقته الإبداعية الخلاقة والمتجددة التي ما فتئ يعبر عنها في أعماله الفنية».
ويقول المعطي قبال، الكاتب المغربي المقيم في فرنسا، إن أفريقيا ليست غريبة على المرابطي؛ فهي «تزوره» باستمرار عبر فنانيها الوافدين من عدة دول من مختلف مناطقها، بمشغله «المقام» الواقع في مدينة تحناوت (ضواحي مراكش)، كما ينصت لأهازيجها وموسيقاها.
ويرى قبال أن أفريقيا، في معرض المرابطي، أضحت «خرائط بلا حدود، مركزا للكون تحيط به بحار ليست بالضرورة زرقاء، بحار لا تسمية لها ولا هوية، نسيجا مرصعا على أقمشة من كتان أو حرير بألوان زاهية وزخرفة زهرية، أليافا من الألواح الدائرية، أفريقيا مفعمة بالمرح والبهجة على النقيض مما هو رائج عنها كونها فريسة للمجاعة والبؤس والحروب».
وقال قبال لـ«الشرق الأوسط» إن المرابطي، يقلب أفريقيا في معرضه، رأساً على عقب، يمسح الحدود، ليجعل منها فضاء جميلاً، يقوم على الزخرفة والطرز، خالقاً مجموعة مسارب للتقارب بين دولها، عبر خياطة هذه البلدان وربطها ببعضها، فأزال الأسلاك والحدود، مقترحاً خريطة جديدة لأفريقيا، ومقدماً صورة مغايرة حولها بصيغة الجمع.
ولاحظ قبال أن كل لوحة هي عبارة عن دوائر تستدعي كرة أرضية تظهر لنا قارة مفتوحة على المعابر والمجالات الجغرافية بلا حدود، عاكسة حلم هذا الفنان الذي قدم لنا عملاً جديداً وغير مألوف، يذكرنا بفنانين أوروبيين اشتغلوا على الخرائط الجغرافية كمادة استيتيقية (جمالية) وفنية.
ورأى قبال أن المرابطي قلب الآية المألوفة والمعتادة للجغرافيا التي تقدم أفريقيا كمحيط وهامش، مشيراً إلى أن الفنان المغربي يطرح، في معروضاته، عدداً من القضايا، يذكرنا من خلالها برواية «في الولايات المتحدة الأفريقية» للكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابري، التي تصور بلدان الشمال بئيسة وفقيرة، اضطر أهلها للهجرة إلى أفريقيا، بحثاً عن لقمة العيش، متسكعين وشحاذين، يعيشون وضعاً بائساً.
وزاد قبال قائلاً إن معرض المرابطي ينقل لموقف فني ينتصر لأفريقيا مختلفة عن تلك التي تحضر في المتخيل كقارة أوبئة وصراعات دموية ومجاعة وفقر. موقف فني يحلم بقارة مفتوحة في وجه أبنائها، بلا حدود وتكون مركزاً للعالم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

في كواليس «ذا فويس كيدز» مع رفيق المواهب ومدرّبها وديع أبي رعد

وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
TT

في كواليس «ذا فويس كيدز» مع رفيق المواهب ومدرّبها وديع أبي رعد

وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)

في كل مرةٍ يتجدّد فيها الموعد مع «ذا فويس كيدز»، يحلُّ موسمٌ جديد من الدهشة. ليست مواهب الأطفال العابرين على الشاشة اعتيادية. بعضُها خارق وقادرٌ على اصطحاب الجمهور في رحلةٍ قصيرة إلى الحلم والإحساس، والأخير قيمةٌ مُفتَقدة حالياً في المحتوى الإعلامي والترفيهي.

في مرحلة «الصوت وبسّ»، تُرافق لهفةُ المُشاهدين المشتركينَ الصغار، وتخفق القلوب انتظاراً لكرسيٍ يلتفّ لهم. أما في المرحلة الثانية أي المواجهة، فتتضاعف الدهشة أمام الأداء المحترف شكلاً ومضموناً.

صحيح أنّ مجهوداً كبيراً يُبذَل من أجل إنجاز تلك اللوحات الموسيقية، إلّا أنّ الجزء الأكبر من السحر سببُه الأطفال أنفسهم، وفق ما يرى مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس»، وديع أبي رعد. ففي حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول أبي رعد إنّ «سرّ جاذبيّة البرنامج يكمن في براءة الطفولة وعفويّتها، وقبل أي شيء في المواهب الحقيقية لدى المشتركين».

سرّ «ذا فويس كيدز» براءة الأطفال ومواهبهم الحقيقية (وديع أبي رعد)

يرافق أبي رعد «ذا فويس» بنُسَخ الكبار والصغار منذ عام 2012 أي منذ انطلاقة البرنامج، وهو بذلك يكون قد واكب جيلاً كاملاً من المواهب المتلاحقة. غير أنّ هذا الموسم من نسخة الصغار يستوقفُه بشكلٍ خاص نظراً لِما يسمّيه «النضج اللافت لدى الجيل الحالي»، وهو نضجٌ نفسيّ وعاطفيّ وموسيقي في آنٍ معاً. يضيف أبي رعد: «وَعيُهم وثقتُهم يذهلانني. هم أصحاب رأي وموقف، ويعبّرون عن أنفسهم وعن مشاعرهم من دون خجل. حتى إنهم يتدخّلون في تفاصيل الأغنية والأداء ويعطونني الملاحظات»، يخبر ضاحكاً.

جيلٌ كامل عبر ما بين الموسم الأول من «ذا فويس كيدز» وموسمه الرابع. تبدّلت شخصيات الأطفال وتطوّر وعيُهم مع مرور الزمن وتأثير التكنولوجيا والإنترنت. أما أبرز ما تغيّر لدى وديع أبي رعد، فهو أنه بات يستمتع أكثر بالعمل مع الأطفال منبهراً بـ«انضباطهم، وقدراتهم الاستيعابيّة ومعرفتهم الواسعة بالأغاني، على اختلاف أنواعها ولهجاتها وحِقَبِها الزمنيّة».

تضع إدارة البرنامج الصحة النفسية للأطفال في المرتبة الأولى. ويشير أبي رعد إلى أنّ كل شخصٍ يعمل مباشرةً مع المواهب الصغيرة يشارك في جلساتٍ مع المتخصصة النفسية المواكِبة للأطفال للاستماع إلى نصائحها. «منها تعلّمتُ مثلاً أنه يجب الانخفاض جسدياً إلى مستوى الولد عند مُحادثتِه، إذ يجب أن يشعر بأننا متساويان». ويتابع المدرّب الموسيقي أنّ هذه الطريقة قرّبته كثيراً من الأطفال، فباتوا يفاتحونه بكل ما يُقلقُهم أو يُحزنُهم.

«في كل مرةٍ لم يلتفّ فيها كرسيٌّ للمواهب كنت أحزن، لكن هذه شروط اللعبة»، يشارك أبي رعد المتبارين حزنهم. مع العلم بأنهم هذه المرة أكثر تعبيراً وأقلّ كبتاً لمشاعرهم، وهذا الأمر من علامات النضج، ومن آثار المتابعة النفسية التي يحظون بها طيلة فترة مشاركتهم في البرنامج.

وكما أنه يحزن أمام كل دمعةٍ يذرفونها، فهو يفرح «بكل لمعةٍ في عيونهم» تختصر أحلامهم الصغيرة المتّقدة وتحكي عن شغفهم بالغناء والموسيقى. مع ذلك، فإنّ المدرّب المتمرّس في برامج المواهب، منذ «ستار أكاديمي» مروراً بـ«أراب أيدول» وليس انتهاءً بـ«ذا فويس» وغيرها الكثير، لا يشجّع على أن يتحوّل «ذا فويس كيدز» إلى هاجسٍ لدى الأطفال وأهاليهم. «أنصح بالتعامل مع هذه المحطة بوصفها مرحلة جميلةً ومنصةً لإبراز موهبة الطفل، لكن لا يجب أن تتحوّل إلى محور حياته، وأن يرتبط بها مصيره ومستقبله»، يوضح أبي رعد. ويتابع: «في هذه السن، المكان الطبيعي للولد هو مدرسته وألعابه، ولا يجب بالتالي أن يفكّر جدياً باحتراف الغناء ودخول المجال قبل إنهاء دراسته وعَيش طفولته».

إلى جانب المتابعة النفسية، يلعب المدرّبون النجوم دوراً محورياً في مشوار الأطفال داخل البرنامج، مهما طالت مدّته أو قصرت. «هم بمثابة عرّابي الأطفال، ونصائحهم أساسية، ولكلٍ منهم بصمتُه وأثرُه»، يقول أبي رعد. ويضيف: «رامي صبري ملحّن وعازف، إضافةً إلى كونه مطرباً، وهذا مهم في صقل أصوات فريقه. خصوصيّة داليا مبارك، إضافةً إلى حسّ الأمومة لديها، فهي تضخّ الثقة والطاقة في نفوس المشتركين. أما الشامي فميزتُه أنه الأقرب إلى عُمرهم وهو صبور في التعامل معهم، كما أنّ للونه الغنائي الخاص أثراً على أدائهم».

وديع أبي رعد مع نجوم لجنتَي «ذا فويس»: رامي صبري ورحمة رياض وداليا مبارك وناصيف زيتون (إنستغرام)

وصل «ذا فويس كيدز» إلى مرحلته الثانية، أي المواجهات وأولى التصفيات. لكنّ الرحلة لم تبلغ هذه المحطة من دون عناء. بدءاً بجَمع المواهب من مختلف أنحاء العالم العربي، وصولاً إلى مشاهدة وديع أبي رعد 3 آلاف فيديو لأداء الأطفال، وقيامه بالتصفيات على مراحل لبلوغ العدد النهائي المطلوب.

«عندما أختار المواهب المنتقلة إلى مرحلة (الصوت وبسّ)، أتجرّد من رأيي وذوقي، وأنتقي مَن يجيدون الغناء فعلاً». في الأداء الأول أمام اللجنة، يُترك خيار الأغنية للأطفال، مع تقديم النصائح لهم. أما في مرحلة المواجهة فيلفت أبي رعد إلى أنَّه حرصَ هذا الموسم على «إدخال الأغاني الرائجة والتي يغنّيها فنانون شباب، إلى جانب الأغاني الكلاسيكية والطربية». يبرّر قراره هذا بالقول: «التنويع ضروري لأنّ المحتوى يجب أن يشبه الأطفال ويحاكي الجيل».

حرصت على إدخال الأغاني الرائجة هذا الموسم لأنها تحاكي الجيل (وديع أبي رعد)

كلّما تقدّم البرنامج في مراحله، تكثّفت التمارين. لكن مهما بلغَ العمل جدّيّةً واحترافاً، يبقى المرح هو الأساس. «لا يجب أن يشعر الأطفال وكأنهم في امتحان»، يشدِّد أبي رعد. «كلما ازداد القلق لديهم أحاول طمأنتهم. إذا كانوا خائفين من أغنيةٍ مثلاً، أطلب منهم أن يسردوها لي كما لو أنها حكاية؛ هو الغناء بأسلوب الـ(storytelling). أدرّبهم أيضاً على تحرير أجسادهم على المسرح، أن يركضوا ويقفزوا ويرقصوا خلال التمارين».

لا يريد أبي رعد أن يتحوَّل لحظةً إلى الأستاذ الصارم في عيون الأطفال، بل أن يبقى في ذاكرتهم صورةً حلوة كما هو برنامج «ذا فويس كيدز» في عيون المشاهدين العرب.


«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
TT

«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)

عاد زياد عيتاني إلى المسرح عبر الكوميديا، في مرحلة لبنانية تركت الجمهور داخل حالة من الإنهاك الجماعي. في مسرحيته «إسعاف» (مسرح المونو) بمشاركة نور سعد، حاول الممثل والمخرج أن يُقدّم عملاً يستدعي الضحك داخل أيام فقدت كثيراً من طَعْمها. هذه النيّة تستحق أن تُقرأ بإنصاف، لأنّ الحرب تدفع كثيرين إلى العجز، في حين اختار عيتاني أن يبقى داخل فعل الكتابة والعمل. وإنما الإنصاف لا يمنح المسرحية حصانة نقدية، ولا يجعل المحاولة إنجازاً فنّياً تلقائياً.

«إسعاف» واعية إلى أنها لا تطمح إلى طَرْح مسرحيّ كبير، ولا تسعى إلى تغيير نظرة المُشاهد إلى الحياة أو دفعه نحو تساؤلات وجودية. لكنَّ البساطة في المسرح لا تعني انخفاض الصُّنعة. هذه معضلة شائكة. تحت شعار العمل الخفيف والضحك المطلوب لجمهور خرج من حرب قاسية، يمكن أن تمرَّ مواد كثيرة متوسّطة الجودة، تستند إلى حُسن النيّة أكثر ممّا تستند إلى بناء مسرحي مُتماسك. الترفيه ليس ضحكة تنتهي عند باب المسرح. الحقيقي منه يحتاج إلى ذكاء وتوقيت ورؤية وإحساس عميق بالجمهور الذي يضحك كي لا يختنق، لا كي ينسى كلّ شيء بعد دقائق.

بين الترفيه وأثره... مسافة لا يقطعها الضحك فقط (الجهة المنظّمة)

في العرض لحظات مُضحكة حقاً. يعرف زياد عيتاني كيف يستخدم جسده ونبرته ولهجته ليصنع ألفة فورية مع الجمهور. يملك خبرة في اللعب الكوميدي وتحويل المفارقات إلى مادة قابلة للضحك. لكنَّ هذا وَصَل على قَدَم واحدة. النصّ والإخراج لم يمنحا الضحك تُربة لتنمو داخلها كوميديا ساخرة ولاذعة. ظلَّت النكات أقرب إلى مقاطع متفرّقة تشتعل سريعاً وتخبو سريعاً، مثل دعابة صالحة لمنصات التواصل أكثر من خشبة تحتاج إلى تراكُم وتصعيد وأثر يبقى بعد انتهاء العرض.

يدعم هذا الانطباع تركيز المسرحية على البُعد الجنسي بطريقة بدت أحياناً أثقل من حاجتها الدرامية. تحقُّ للمسرح مقاربة الرغبة والعلاقات من زوايا مختلفة، وإنما الإشكالية تظهر حين يصبح هذا العنصر مركز الجذب الأبرز ويتقدَّم على عناصر أخرى كان يمكن أن تمنح النصّ عمقاً أو مفارقة. بذلك يصبح أداة لاستدعاء انتباه المُشاهد وطُعْماً مسرحياً لتعويض نقص الثقة ببقية المكوّنات. عندها تضيق الدلالة ويبدأ هذا العنصر بابتلاع مساحات أخرى تمنح العمل تلقّياً أكثر تنوُّعاً.

يطلّ عيتاني على المسرح قريباً جداً من عيتاني المعروف خارج الخشبة. لهجته وخلفيته وإيقاعه الاجتماعي، وانتماؤه إلى ذاكرة منطقة «طريق الجديدة» البيروتية... تحضر في الشخصية. ليس عيباً تمثلياً الالتصاق بين الفنان والدور. تجارب فنّية كبرى بُنيت على حضور شخصي متكرّر وعلى فنانين يوسّعون ذواتهم عوض أن يختفوا تماماً داخل شخصيات غريبة عنهم. لكنَّ هذا الخيار يحتاج إلى نصّ أقوى كي لا يتحوّل حضور الممثل إلى بديل من الشخصية المكتوبة. في «إسعاف»، بدا عيتاني قادراً على حَمْل لحظات كثيرة بكاريزمته، لكنَّ العرض لم يُقدّم له دائماً مادة تفتح منطقة جديدة في أدائه أو تُفاجئ المُشاهد بصورة غير مألوفة عنه.

إلى جانبه، جاءت نور سعد بإطلالة أنثوية لطيفة وطاقة حاولت أن تضيف إلى المشهد حيوية، فاستطاعت أن تقتطع مساحة ضوء إلى جانب ممثل مُتمكّن من الخشبة، وهذا يُحسَب لها، خصوصاً أنها في بدايات اكتساب الخبرة. لكنَّ الأداء يحتاج إلى صَقْل وتدريب أكبر على الثبات داخل المشهد. كانت موجودة حيناً، ثم تراجع وجودها حيناً آخر حتى غابت عن إيقاع المشهد المسرحي. هذه ليست مسؤولية الممثلة وحدها، فالإخراج كان مُطالَباً بحمايتها أكثر وبصناعة توازن أدق بين ممثّل يمتلك أدواته وآخر لا يزال يبحث.

الخشبة تضحك... والإنهاك الجماعي يجلس بين المقاعد (الجهة المنظّمة)

الأغنيات والموسيقى أدّتا وظيفة مناخية لا يمكن إنكارها. أضافتا جوّاً، وخفّفتا من جفاف بعض الانتقالات، ومنحتا العرض نَفَسَاً أكثر حيوية. ومع ذلك، ظهرت أحياناً مثل وسيلة لملء فراغ لم يسدّه النصّ. الموسيقى في المسرح تشتغل بقوة حين تنبع من صُلب البناء وحين تُكمل المشهد لا حين تسنده كي لا يقع. في «إسعاف»، نجحت الأغنيات جزئياً في إنعاش الإيقاع، لكنها حملت أحياناً عبئاً أكبر من وظيفتها.

أما الإخراج فبقي ضمن مساحة آمنة. لا يحتاج العرض إلى استعراض بصري ولا إلى حلول شكليّة مُتكلّفة، لكنه كان يحتاج إلى إدارة أكثر ابتكاراً للمساحة والإيقاع. الجوارب الطفولية التي ارتداها البطل تفصيلة لها دلالة، وإنما لا تكفي كي تكون أبرز ما يُذكَر إخراجياً. أمكن للإخراج مَنْح المادة الخفيفة كثافة أكبر والحدّ من الإحساس بأنها مكتفية بكونها للترفيه السريع.

حملت مسرحية «إسعاف» نية مفهومة ومحاولة حقيقية في توقيت صعب، وكشفت في الوقت نفسه عن حاجة المسرح الترفيهي إلى احترام أكبر لصُنعته. الجمهور المُتعب من الحرب يستحق الضحك، لكنه يستحق ضحكاً يترك داخله أثراً يستمرّ بعد العودة إلى البيت.

Your Premium trial has ended


قناة مصرية تحذف حلقة عن الكلاب الشاردة بعد إثارتها الجدل

الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
TT

قناة مصرية تحذف حلقة عن الكلاب الشاردة بعد إثارتها الجدل

الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)

حذفت قناة «النهار» المصرية حلقة «الكلاب الشاردة»، التي عُرضت ضمن برنامج «صبايا الخير»، من تقديم ريهام سعيد، من على جميع منصاتها الرقمية، بهدف احتواء الأزمة بعد إثارة الحلقة للجدل.

وأوضحت إدارة القناة في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك» السبت، أن الحذف جاء بسبب حالة الجدل، وردود الفعل الواسعة التي أثارتها حلقة «الكلاب الشاردة»، وأن القرار يعود لرغبة القناة في تهدئة الأجواء، ومنع تفاقم الخلاف بين الأطراف المتنازعة، لافتةً إلى أن هدف الحلقة الأساسي كان فتح مساحة للحوار بين الجميع، واستعراض الحلول والمقترحات الحكومية لمعالجة هذا الملف وليس إثارة الاشتباك».

وعقب عرض الحلقة، طالبت آراء «سوشيالية» عدة بمقاطعة القناة المصرية، بعدما ناقشت أزمة انتشار «كلاب الشوارع»، بمصر، واستضافت المذيعة إحدى السيدات التي ظهرت في فيديو بأحد المجمعات السكينة الشهيرة، وهي تقوم برش «الماء المخلوط بالجاز»، على أطعمة «الكلاب الشاردة»، بهدف إبعادها عن منزلها وخوفها على الأطفال، وتشاجرت حينها مع سيدة أخرى بسبب اعتراضها على ما تفعله.

وبينما دافع البعض عن «الكلاب الشاردة»، ووصفوا ما يحدث بأنه «جريمة»، وطالبوا بحلول إنسانية مثل، التعقيم، وإنشاء ملاجئ، دافع البعض الآخر عن وجهة نظر السيدة صاحبة واقعة رش «الماء بالجاز»، والتي تم اتخاذ إجراءات قانونية حيالها وفقاً لبيان وزارة الداخلية المصرية عقب انتشار الفيديو بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً.

وشهدت الحلقة المحذوفة، مشادة كلامية حادة، حيث قامت السيدة المشار إليها التي استضافها البرنامج، بالانسحاب من الحلقة في أثناء مواصلة المذيعة حديثها، وانقسمت الآراء حول جدية المشكلة وواقعيتها ومعاناة الناس منها، وبين طريقة عرضها على الشاشة، وأحقية السيدة فيما فعلت.

واتهمت منشورات «سوشيالية»، مذيعة البرنامج بالانحياز لحقوق الكلاب، وعدم الحيادية والمهنية في عرض الموضوع، والخلط بين الإنسان والحيوان، والمساواة بينهما، وتجاهل ضرر الكلاب الضالة، وتغليب العاطفة على المنطق.

من جانبه أكد أستاذ الإعلام الدكتور محمود خليل، أن «ما فعلته مذيعة الحلقة لا يصح أن نصفه بأنه إعلام بنّاء، لكنه جلسة عادية تتم في الحياة اليومية»، لافتاً إلى أن «هذا اللون أصبح سائداً، وانتشر في الآونة الأخيرة بصورة كبيرة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا النوع من الطرح المتباين، يتطلب حضور وجهات نظر عدة، وأرقاماً واقعية للحالات، ومعلومات دقيقة حول المخاطر، وتكلفة اللقاح، وإيجاد حلول، بعيداً عن الآراء الشخصية العاطفية والتحيز، وذلك بهدف معالجة الظاهرة»، مشدداً على أنه «لا يجب على المحاور فرض رأيه، بل إدارة الحوار بحيادية ومهنية».

وتفاقمت أزمة «كلاب الشوارع» بمصر، خلال الفترة الأخيرة بشكل مكثف على مواقع التواصل بين مؤيد ومعارض، ودخل على خط الأزمة بعض الفنانين من بينهم الفنان محمد غنيم، الذي تعرض للوقف من «نقابة الممثلين»، قبل أيام على خلفية منشور دعا خلاله بعمل «شلاتر» للسيدات اللاتي يطعمن كلاب الشارع، مع الكلاب.

من جانبها أعلنت الدكتورة شيرين علي زكي، من مديرية الطب البيطري بمحافظة الجيزة، مقاطعتها القناة المصرية على خلفية حلقة «الكلاب الشاردة»، وذلك عبر منشور عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، ودعت الناس في منشورها، إلى المقاطعة أيضاً لحين اتخاذ إدارة القناة إجراءات ضد ما تم في الحلقة، من تجاوز وهجوم واتهام ومخالفة للأكواد الإعلامية، ومراعاة حيادية المذيع، واحترام الضيوف، وفق قولها.

وأكدت الدكتورة شيرين رفضها أسلوب طرح الموضوع الذي استهان بمشاعر الغضب في الشارع، وبدماء الأطفال ضحية هجوم الكلاب، وبالتصريحات الرسمية التي أكدت أن عقر الكلاب الضالة أصبح ظاهرة ترهق مخصصات وزارة الصحة، وبمليون ونصف حالة عقر سجلتها سجلات الدولة 90 في المائة منها بسبب الكلاب الضالة، وكذلك برأي المتخصصين من الأطباء البيطريين عن الأمراض التي تنتقل عبر هذه الحيوانات ومخلفاتها وتغيير سلوكها بالإطعام العشوائي، وباتجاه الدولة لتخصيص أراضٍ وملاجئ لتلك الحيوانات لحمايتها وحماية الناس منها.

في السياق، أعلنت محافظة القاهرة قبل أكثر من شهرين بدء تنفيذ مشروع «شلتر» للكلاب الضالة، بالتعاون مع الهيئة العامة للخدمات البيطرية، بهدف توفير مكان لإيوائهم، وضمان السلامة العامة للمواطنين.