«أقل من عادي»: تفرُّد لم يكتمل

يرتقي بالخصوصية عن الدراما اللبنانية - السورية المتشابهة

أبطال المسلسل يجرجرون التشرذم وراءهم
أبطال المسلسل يجرجرون التشرذم وراءهم
TT

«أقل من عادي»: تفرُّد لم يكتمل

أبطال المسلسل يجرجرون التشرذم وراءهم
أبطال المسلسل يجرجرون التشرذم وراءهم

تمايُز مسلسل «أقل من عادي» (13 حلقة - «شاهد») عن الشكل المألوف للدراما اللبنانية - السورية، يمنحه نقطة لمصلحته من دون أن يُكسبه السباق كاملاً. قلم كاتبته يم مشهدي يجعله يرتقي بخصوصية شبه مفقودة في هذا الصنف من الأعمال ذات التشابُه الرتيب. من خلال وجوه ليست هي المسيطرة في المسلسلات المشتركة، يتحلّى العمل بقدرة على التفرّد.
كلمة «يتبع» في النهاية تدلّ على احتمال الاستعداد لجزء ثانٍ. فالختام مفتوح على أكثر من سؤال. للعمل مسار موجّه نحو العلاقات الإنسانية المعقّدة، المستحيلة الرسوّ على برّ. ينطلق من هذه الاستحالة في تناوله مسائل كالحمل خارج الزواج، والحب المشوّش، والثرثرة، والتلاعب بالمشاعر... ويعلق بها.
فيما كارمن لبّس تؤدّي بشطارة شخصية الأم المتسلّطة «سما»، يمنح الشبابُ المسلسلَ ما يُجمّل اختلافه. بين دمشق وبيروت، حكايات يلعب صنّاعها بالنار لتكون الكلمة للرماد. تأتي «مايا» (هيا مرعشلي بدور لم يُبرزها كما تستحق) مع صديقتها «فَي» (مي إبراهيم بأداء بارع) من سوريا إلى لبنان، مُحمّلتين بالخذلان. ارتماؤهما في مجتمع آخر يقود إلى تحوّلات تهبّ كعصفٍ يُخلّع الأوهام الجميلة.
عائلة «حداد» المفككة، يجرجر أبناؤها التشرذم. ليست الأم (لبّس في دور مُتقن) نموذجاً لنساء يذبن في التركيبة ويغرّدن مع السرب. الولاء الوحيد القادرة على إعطائه بلا شروط هو لكلبتها «دوبي». غير ذلك تُخضعه لقانون العرض والطلب. أُم صلبة من الخارج، وحيدة من الداخل، مع أب (جهاد سعد) يرتكب التجاوزات بلا اكتراث للتداعيات، يثمران ثلاثة أبناء مبلّلين بالتهشم.
تفترس الرتابة مسلسلاً يحوم حول إظهار التعقيدات الإنسانية وما يصيب الشباب الآتي من عائلةٍ باردة. يسير على مهل باتجاه رسائله، ولا يرى نفسه متأخراً عن اللحاق بالإيقاع. منطلقه خصوصيته، وهي «تبرّر» بطأه وتمنح أسباباً تخفيفية لتداخُلٍ مُبالَغ فيه للعلاقات المرضيّة.
لشابات المسلسل وشبابه نصيب من الخسارة. فالتربة المسمومة لا تبارك الزهر الفواح. تصبّ لعنتها على الشوك. والأبناء كما الآباء، يحصدون الزرع المنكوب لكون الأيادي الضالعة في الحصاد حلَّ عليها يباس كل المواسم.
نساء المسلسل متورّطات بالجملة. نرى حباً يجول على أكثر من رجل، مصحوباً بذرف دموع وغرور (شيرين الحاج). عاشقة تبكي بمبالغة طوال الوقت (ترف التقي في دور عادي بعد دور لافت في «على قيد الحب»)؛ أرملة تحاكي الخيالات (ميا سعيد)، و«ضحية» تُجهض على وَقْع المؤامرة (جوي الهاني). تُضاف الخيانة والجريمة (مروة الأطرش) وما يجعل تكدُّس القضايا يُسرّب الفوضى.
من الجهة السورية، تلملم ابنة «كريم» (سعد) من زواج سابق، «مايا»، أغراضها وتركب مع صديقتها «فَي» سيارة أجرة إلى بيروت. إنه الأسبوع الفاصل بين عام يموت وآخر يولد. الوقت القليل أيضاً كفيل بتغيير الكثير. المفارق أحياناً تنوب عن الطرقات الرئيسية بتلقين الدروس. صبيتان من الشام، تُشارك المدينة الأخرى، بيروت، في غربتهما. يلتفان عليها التفاف المرء على الفرصة الثانية، فإذا باستحالة التكيّف ترتدّ عليهما بالخيبة.
شباب المسلسل يرسمون مقاربة أخرى للتيه العميم، تختلف في الشكل فقط. ثلاثية «جواد»، و«فارس»، و«عمر» (طيف إبراهيم، وملهم بشر، وإيلي متري، بأداء حقيقي)، مع «يوسف» (وسام صبّاغ)، اختمروا بسوء الفهم ولاعدالة الأحكام. بعضٌ يملك جاهاً هشاً كـ«جواد» فُضح على حقيقته، وبعض أسير أحزانه، وآخر يحلم فتُجهض الأحلام أو يحاول ويُخفق.
كما أن الدواخل متصدعة، فالحال هذه تطول المكان. مسرح الأحداث مهزوز، أكان فندق «كريم» الفخم أم وكالة أزياء «سما»، ليمتدّ إلى أسرّة الخيانة، وحوض الاستحمام، فالمدينة. ليست بيروت بمنأى عن الوجع، يصوّرها نصّ يم مشهدي بنزيف أبنائها والوافدين إليها. تُردّد ألسنة الشخصيات أن هذا هو «وجهها الحقيقي، غير ما نراه على التلفزيون»، في إشارة إلى سيطرة الشرخ.
أمام نيران مُفتعلة تلتهم طبقات الفندق، بعد صعود المفرقعات إلى السماء استقبالاً للعام الجديد، يقف الخاسرون شهوداً على فداحة خسائرهم. يمرّ وقت ولا يحضر مَن يُطفئ اللهب أو يحدّ من تماديه، فيما تغلب البرودة الوجوهَ المتفرّسة بالمشهد الخرابي. تفرّ دمعة من عين «كريم»، وسط نواح «مايا» وحيرتها على مصير صديقتها. وللمرة الأولى يتحرّك «جواد» في اتجاه الخير فينقذ «فَي» من اختناقها، ليخرج من «عمر» انجذاب ملتبس حيال «مايا» فيخاطر بحياته لنجدتها.
تداخُل العلاقات يترك سؤالاً عمَّن يحب مَن، ومَن ينفر مِمَّن! الدوّامة الواحدة ليست النوع المفضّل لمعالجة تصبح مبتورة وناقصة. الجزء الأول يخلو من سياق متين يضبط الأحداث ويلمّ شملها، فتبدو متفرّقة. يطول التمهيد بانتظار شيء ما يحصل، وحين يقع، يترافق وقوعه مع صوت الفراغ.
الغموض حول شخصية «طلال» (كفاح الخوص) من تداعيات صدى الفراغ هذا. اسم بوزنه يمرّ بضآلة في المسلسل! إن كان لا بدّ من جزء أول مُشبّع، وَجَب على نور أرناؤوط (المسلسل من إنتاجها وهلال أرناؤوط)، تكثيف تجربتها الإخراجية الأولى فتسدّ الثغر. الحوارات العفوية وتشبّث النصّ بخصوصيته، مع بعض الـ«كاست» المُتقن، يجنّب المسلسل انعكاس اسمه على سمعته.


مقالات ذات صلة

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

يوميات الشرق عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

وعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مسلسل «روج إسود» (ماسبيرو)

«ماسبيرو» لاستعادة تألقه الرمضاني بعد سنوات من الأفول

يسعى التلفزيون المصري «ماسبيرو» لاستعادة تألقه بالموسم الرمضاني الجديد بعد سنوات من الأفول، حيث يعرض 8 مسلسلات جديدة للمرة الأولى منذ 15 عاماً.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي وبطلات المسلسل في أحد مشاهد «راجل وست ستات» (الشرق الأوسط)

عودة «راجل وست ستات» بحكايات جديدة بعد غياب 10 سنوات

يعود المسلسل الكوميدي المصري «راجل وست ستات» مجدداً للجمهور بعد غياب 10 سنوات، عبر حكايات جديدة بين أبطاله بعدما كبروا وتغيرت أحوالهم.

انتصار دردير (القاهرة )

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)

أقر صندوق النقد الدولي بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان، مشيراً إلى أن الجهود السياسية المبذولة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد»، ساعدت في استقرار الاقتصاد واحتواء التضخم وإعادة بناء الثقة، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لجولة جديدة من محادثات المراجعة في وقت لاحق من هذا الشهر.

وفي حديثها في مؤتمر صحافي واشنطن، قالت مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، إن فريقاً من موظفي الصندوق سيزور باكستان بدءاً من 25 فبراير (شباط)، لإجراء مناقشات حول المراجعة الثالثة في إطار برنامج تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية في إطار برنامج تسهيل المرونة والاستدامة، حسب صحيفة «إكسبرس تريبيون» الباكستانية السبت.

ووصفت كوزاك الأداء المالي لباكستان في العام المالي 2025، بأنه «قوي»، مشيرة إلى أن البلاد حققت فائضاً مالياً أولياً بنسبة 1.3 من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يتماشى مع أهداف البرنامج المتفق عليها.

وكانت باكستان قد توصلت إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قروض بقيمة 1.2 مليار دولار ضمن برنامجين منفصلين.

وستحصل البلاد على دفعة بقيمة مليار دولار ضمن برنامج «تسهيل الصندوق الممدد»، و200 مليون دولار ضمن برنامج «تسهيل المرونة والاستدامة» الذي يدعم أجندتها لإصلاح المناخ.

وكان محافظ البنك المركزي الباكستاني، جميل أحمد، قد أكد أن الانتعاش الاقتصادي في باكستان واسع النطاق ومستدام، رغم ضعف الصادرات، مشدداً على أن الإصلاحات الهيكلية ستظل ضرورية لضمان استمرار هذا النمو.

وأوضح محافظ البنك، في تصريحات منذ أيام، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن الاقتصاد من المتوقع أن يسجل نمواً يصل إلى 4.75 في المائة، خلال السنة المالية الحالية، وذلك رداً على خفض التصنيف الائتماني الأخير من قِبل صندوق النقد الدولي. وأضاف أن الانتعاش يغطي جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وأن النشاط الزراعي صامد؛ بل تجاوز أهدافه، رغم الفيضانات الأخيرة.

وأشار إلى أن الأوضاع المالية تحسنت بشكل ملحوظ، بعد خفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 1150 نقطة أساس منذ يونيو (حزيران) 2024، مع استمرار تأثير هذا التخفيض في دعم النمو، مع الحفاظ على استقرار الأسعار والاقتصاد. وفي ضوء ذلك، أبقى البنك المركزي، الشهر الماضي، سعر الفائدة القياسي عند 10.5 في المائة، مخالِفاً التوقعات بخفضه، في خطوة تعكس الحذر تجاه استدامة النمو.

ورفع بنك الدولة الباكستاني توقعاته للنمو في السنة المالية 2026، إلى نطاق بين 3.75 في المائة و4.75 في المائة؛ أيْ بزيادة قدرها 0.5 نقطة مئوية على تقديراته السابقة، على الرغم من انكماش الصادرات، في النصف الأول من العام، واتساع العجز التجاري. وأوضح المحافظ أن الفروقات بين التوقعات الاقتصادية للبنك وصندوق النقد الدولي ليست غير معتادة، وتعكس عوامل التوقيت المختلفة، بما في ذلك إدراج تقييمات الفيضانات في أحدث تقديرات الصندوق.

وأشار أحمد إلى أن انخفاض الصادرات، خلال النصف الأول من السنة المالية، يعكس بالأساس تراجع الأسعار العالمية واضطرابات الحدود، وليس تباطؤ النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، عزّزت التحويلات المالية القوية استقرار الاحتياطات الأجنبية، وتجاوزت الأهداف المحددة ضمن برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 7 مليارات دولار، مع توقعات بمزيد من المكاسب خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع التدفقات المرتبطة بعيد الفطر.

كما أشار محافظ البنك إلى أن المؤشرات عالية التردد، إلى جانب نمو الصناعات التحويلية بنسبة 6 في المائة، خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، تدعم الطلب المحلي، في حين ظل القطاع الزراعي صامداً، رغم الفيضانات الأخيرة. وأضاف أن أي إصدار محتمل لسندات دَين في الأسواق العالمية سيكون له أثر إيجابي على الاقتصاد، في الوقت الذي تخطط فيه باكستان لإصدار سندات باندا باليوان في السوق الصينية، ضِمن جهودها لتنويع مصادر التمويل الخارجي وتوسيع قاعدة المستثمرين.

وأكد أحمد أن البنك المركزي يواصل شراء الدولار من سوق ما بين البنوك لتعزيز الاحتياطات الأجنبية، مع نشر البيانات بانتظام. وأضاف أن الإصلاحات الهيكلية تبقى أساسية لدعم نمو أقوى، وزيادة الإنتاجية، وضمان استدامة الانتعاش الاقتصادي.


الجزائر تواجه غواتيمالا والأوروغواي وديّاً

المنتخب الجزائري لكرة القدم (رويترز)
المنتخب الجزائري لكرة القدم (رويترز)
TT

الجزائر تواجه غواتيمالا والأوروغواي وديّاً

المنتخب الجزائري لكرة القدم (رويترز)
المنتخب الجزائري لكرة القدم (رويترز)

يواجه المنتخب الجزائري لكرة القدم غواتيمالا والأوروغواي، خلال فترة التوقف الدولي نهاية مارس (آذار) المقبل بإيطاليا، ضمن استعداداته للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2026.

وكشف الاتحاد الجزائري على موقعه الرسمي مساء الجمعة، أن المباراة الأولى أمام غواتيمالا ستُلعب يوم 27 مارس على ملعب «لويجيه فيراريس» بمدينة جنوا. بينما يُلعب لقاء الأوروغواي يوم 31 من الشهر ذاته على «أليانز ستاديوم» بمدينة تورينو.

يذكر أن قرعة المونديال أوقعت الجزائر ضمن المجموعة العاشرة، إلى جانب الأرجنتين حاملة اللقب، والنمسا، والأردن.


الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
TT

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)

أكدت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمينة العامة للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها، لافتة إلى أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»، قامت الدولة السعودية الأولى في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الدولة تعاني من التفكّك السياسيّ وتعدّد الكيانات المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامّة. وقد أدّى هذا الوضع غير المستقرّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضرّرت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جعل القوافل التجارية عُرضة للخطر، كما أضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، متّسماً آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أيّ تنظيم اقتصاديّ شامل.

وأضافت: عندما تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أنّ بناء دولة قوية مستقرّة لا يتحقّق إلّا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُعدّ الأساس الذي تقوم عليه أيّ نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية، بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع التّجار على معاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية.

الازدهار وليد الاستقرار

كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعاً ملحوظاً في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها، وتحسين أساليب الريّ والزراعة، فتحقّق قَدْرٌ من الاكتفاء الذاتي، وقَلّ الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة. وأسهم الفائض الزراعي في دعْم الأسواق المحلّية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن، الأمر الذي عزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.

الدكتورة هالة المطيري

وفي ظِلّ هذا النشاط الزراعيّ المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شهدت ازدهاراً كبيراً، حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التّجار من مختلف المناطق، ووفّرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات. وتنوّعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلّية، والحِرَف اليدويّة، والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحِرَف والمِهَن، مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية، فتوفّرت فرصُ عملٍ جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان.

ولم يقتصر دور الأسواق على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت -أيضاً- مراكز للتفاعل الاجتماعيّ وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزّز من مكانة الدرعية بصفتها مركزاً حضاريّاً واقتصاديّاً مهمّاً.

ورأت أن النظام الماليّ في الدولة السعودية الأولى، تميّز بالبساطة والتنظيم، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع، دون إثقال كاهل التجّار أو السّكان. كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية، ودعْم الأمْن، وتحقيق قدْرٍ من الاستقرار الماليّ، فتعزّزت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.

خفض النزاعات

شددت هالة المطيري على أن الاستقرار الماليّ أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعّمت البنية التحتية، مثل تحسين الطرق وتأمينها، وتطوير الأسواق، ودعْم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع. كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسّع السياسيّ والحفاظ على قوة الاقتصاد المحليّ، دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي، إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل النزاعات على الموارد، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية. كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية، حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة، وتوسيع نفوذها تدريجياً، دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسيّ والاجتماعيّ.

ورأت أن تجربة الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق. فكلّما ازدهرت الزراعة وتوسّعت الأسواق، تحسّن مستوى المعيشة، وازدادت الروابط الاجتماعية قوةً، مما عزّز الولاء للدولة، وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد مكّن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسّسات الدولة وتوسيع نفوذها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تُبرِز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية، على وادي حنيفة، حيث استُخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعْم النشاطَين الزراعيّ والتجاريّ، وربْط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية. وقد أسهم ذلك في تدفّق السلع ورؤوس الأموال، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، فتعزّزت مكانة الدرعية بصفتها مركزاً اقتصاديّاً حيويّاً في شبه الجزيرة العربية.

الثقة بين الدولة والمجتمع

تقول الدكتورة هالة المطيري، إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ الاقتصاد كان عنصراً أساسياً في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن، وتنشيط الزراعة، وازدهار الأسواق، وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجاً مبكراً لإدارة الموارد الاقتصادية بوعْي وحِكمة. وتُعدّ هذه التجربة مصدراً مهماً للدراسة والبحث، لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة، حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحدّيات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- على خلْق حالة من الاستقرار طويل المدى، إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية، بل سعى إلى وضْع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصاديّ. فقد شجّع ترسيخ قِيَم العمل والإنتاج، وربَط الاستقرار الاقتصادي بالعاملَيْن الدينيّ والأخلاقيّ، فانضبطت المعاملات التجارية، وقلّ الغش والاحتكار، و بُنِيت ثقةٌ متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة. كما أدّى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوْع من التكافل الاجتماعيّ، فقد دعَمت الفئاتُ القادرةُ الفقراءَ والمحتاجين، فقلّت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع. وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة، وجعل السكان أكثر استعداداً لدعمها والمحافظة على استقرارها. بالإضافة إلى ذلك، فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجّعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسّف أو الظلم، فتوسّعت القاعدة الاقتصادية للدولة.

وشددت على أنه يمكن القول إنّ هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرّد وسائل لزيادة الموارد، بل أدوات فعّالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكّل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.