برامج ذكاء صناعي منفلتة تزوّر الوجوه والأصوات

تقنية «التزوير العميق» تزدهر مع انعدام التشريعات القانونية

يغطى الوجه بإطار من الأسلاك بهدف إجراء التغييرات بتقنية «التزوير العميق»
يغطى الوجه بإطار من الأسلاك بهدف إجراء التغييرات بتقنية «التزوير العميق»
TT

برامج ذكاء صناعي منفلتة تزوّر الوجوه والأصوات

يغطى الوجه بإطار من الأسلاك بهدف إجراء التغييرات بتقنية «التزوير العميق»
يغطى الوجه بإطار من الأسلاك بهدف إجراء التغييرات بتقنية «التزوير العميق»

تُستخدم تقنية «ديب فيك» (برنامج إلكتروني يتيح للنّاس تبديل الوجوه، والأصوات، وغيرها من السمات لابتكار محتوى رقمي مزوّر) منذ بضع سنوات لصناعة بديلٍ لإيلون ماسك وهو يروّج لعملية احتيال بواسطة العملات المشفّرة، أو «لتعرية» أكثر من 100 ألف امرأة رقمياً على منصّة تليغرام، أو لسرقة ملايين الدولارات من شركات عبر تقليد أصوات تنفيذيّيها على الهاتف.

تقنية منفلتة

تعجز السلطات في معظم أنحاء العالم عن التعامل مع هذه التقنية، حتّى إنّ القوانين التي تضبط انتشارها لا تزال قليلة جداً، على الرغم من نموّ هذا البرنامج وزيادة تطوّره ووصوله للمستخدمين.
وتأمل الصين أن تكون استثناءً في هذا المجال بعد أن أقرّت الشهر الماضي قوانين جديدة تفرض الحصول على موافقة الشخص أو صاحب موضوع المادّة التي أخضعت للتلاعب، وأن تحمل دمغات بتواقيع رقمية أو علامات مائية، وإجبار مزوّدي خدمات «ديب فيك» على توفير وسائل لـ«دحض الشائعات».
لكنّ الصين تواجه العقبات نفسها التي أدت إلى إحباط جهود سابقة لتنظيم المواد المزيّفة التي تنتجها هذه التقنية. ذلك لأنّ أسوأ مستخدميها يكونون غالباً الأصعب ضبطاً لأنّهم يعملون دون هوية، ويتأقلمون بسرعة، ويتشاركون بابتكاراتهم الصناعية من خلال منصّات إلكترونية مفتوحة. سلّطت خطوة الصين الضوء أيضاً على سببٍ آخر لتبنّي عددٍ قليلٍ من الدول قوانين ضابطة في هذا المجال، وهو شعور كثيرين بالقلق من استخدام الحكومات هذه القوانين لخنق حريّة التعبير.
ويرى خبراء التقنية أنّ مجرّد مضيّ الصين بتطبيقها لقوانينها الجديدة سيؤثّر على كيفية تعاطي حكومات أخرى مع التعلّم الآلي والذكاء الصناعي اللذين يشغّلان تقنية «ديب فيك». وبسبب السوابق القليلة في هذا المجال، يبحث المشرّعون اليوم حول العالم عن حالات اختبار للّحاق بالصين أو رفض خطوتها.
يعتبر رافيت دوتان، باحثٌ في مرحلة ما بعد الدكتوراه ومدير مختبر «كولابوريتف إي آي ريسبونسبليتي» في جامعة بيتسبرغ، أنّ «مشهد الذكاء الصناعي مثير لاهتمام السياسات العالمية، لأنّ الدول تتنافس لفرض طريقة التعامل مع هذه المسألة. نعلم أنّ القوانين آتية، لكنّنا لا نعرف ما هي بعد، إذ يوجد كثير من الاحتمالات».

تطبيقات واعدة ومخيفة

تحمل تقنيات «ديب فيك» آمالاً واعدة في قطاعات كثيرة. فقد أحيت الشرطة الهولندية العام الفائت قضية مجمّدة من عام 2003 بابتكار شخصية رقمية لضحية جريمة قتل (13 عاماً) ونشرت صوراً له يسير بين مجموعة من أصدقائه وأفراد عائلته في الزمن الحاضر. تُستخدم التقنية أيضاً للسخرية والتهكّم، وتخدم المتبضّعين الإلكترونيين في تجربة الملابس في غرف تبديل افتراضية، وفي محاكاة المتاحف، ومن قبل الممثلين الذين يأملون التحدّث بلغات عدّة في إطلاقات الأفلام الدولية. علاوةً على ذلك، استخدم باحثون من مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتقنية، وفي منظّمة اليونيسف، تقنيات مشابهة لدراسة حالات التعاطف، من خلال وضع مشاهد الحرب والدمار، التي سبّبتها الحرب السورية، على صور مدن في أميركا الشمالية وأوروبا.
في المقابل، يساهم برنامج «ديب فيك» في تطبيقاتٍ مخيفة كثيرة أيضاً، إذ يتخوّف خبراء القانون من أن سوء استخدام تقنيات «ديب فيك» يهشم ثقة الناس بشرائط المراقبة الأمنية، والكاميرات الجسدية، وغيرها من الأدلّة، «ففي قضية حضانة في إحدى المحاكم البريطانية عام 2019، قدّم وكيل أحد الأبوين مقطعاً معدّلاً يظهر الطرف الآخر وهو يهدّد الطفل بعنف».
قد يساهم المحتوى الرقمي المزوّر أيضاً بتشويه سمعة رجال الشرطة والتحريض عليهم، أو في إرسالهم في مهام كاذبة. وكانت وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة قد حذّرت من مخاطر أخرى للـ«ديب فيك»، أبرزها التنمّر الإلكتروني، والابتزاز، والتلاعب بالبورصة، والاضطرابات السياسية.
ويتوقّع بعض الخبراء أن يصبح 90 في المائة من المحتوى الإلكتروني مفبركاً خلال سنواتٍ قليلة.
وأشار تقرير لليوروبول (وكالة تطبيق القانون الأوروبية) العام الماضي إلى أنّ العدد المتزايد لمواد «ديب فيك» يمكن أن يؤدّي إلى وضعٍ يفتقر فيه النّاس إلى واقعٍ مشترك، أو يؤسس لارتباك اجتماعي حول أيّ من مصادر المعلومات يتمتّع بالموثوقية، أي ما يُعرف بـ«نهاية عالم المعلومات» أو «لا مبالاة الواقع».

فشل قانوني

تحدّث مسؤولون بريطانيون العام الفائت أيضاً عن تهديدات عدّة، أبرزها موقع إلكتروني «يعرّي النساء افتراضياً» حصد 38 مليون زيارة في الأشهر الثمانية الأولى من 2021. لكنّ الاقتراحات القاضية بوضع ضوابط لهذه التقنية في المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لا تزال بانتظار تحويلها إلى قوانين.
وفي الولايات المتّحدة، باءت محاولات تشكيل قوّة خاصّة لمعاينة تقنية «ديب فيك» بالفشل. ففي عامي 2019 و2021 تقدّمت عضو الكونغرس إيفيت د. كلارك، بمشروع قانون، عنوانه «الدفاع عن كلّ شخص من الإطلالات المزيفة من خلال شمل فعل الاستغلال بقانون المحاسبة»، لكنّه لا يزال بانتظار التصويت عليه. وتحدّثت كلارك عن نيّتها تقديم مشروع القانون نفسه هذا العام أيضاً.
واعتبرت كلارك أنّ قانونها، الذي سيفرض على محتوى «ديب فيك» عرض علامات مائية أو أسماء تعريفية، كان «إجراءً للحماية» على عكس القوانين الصينية التي وصفتها بأنّها «تميل إلى آليات للسيطرة».
وتستهدف القوانين المطبّقة في الولايات المتّحدة بمعظمها المقاطع المزيّفة السياسية والإباحية. من جهته، قال مارك بيرمن، عضو الحزب الديمقراطي في جمعية ولاية كاليفورنيا، الذي يمثّل أجزاء من وادي سيليكون، ويرعى هذا النوع من التشريعات، إنّه ليس على علمٍ بأيّ جهود تُبذل لإنفاذ قوانينه عبر الدعاوى القانونية أو الغرامات.
وتحظر ولايات قليلة أخرى، كنيويورك، المحتوى المزيّف الإباحي. وخلال ترشّحه لدورة أخرى في انتخابات عام 2019، قال حاكم ولاية هيوستن إنّ إعلاناً حساساً تابعاً لمرشّح آخر خرق أحد قوانين تكساس التي تحظر المحتوى السياسي المضلّل المصمّم بتقنيات «ديب فيك».
لكنّ القوانين وقرارات الحظر قد تواجه صعوبة في احتواء تقنية صُمّمت للتأقلم والتحسّن المستمر. فقد أثبت باحثون من مؤسسة راند للأبحاث والتطوير مدى صعوبة تحديد محتوى «ديب فيك»، بعرض مجموعة مقاطع فيديو على أكثر من 3 آلاف شخص، طلبوا منهم تحديد المقاطع المزوّرة (كمقطع «ديب فيك» الذي أظهر الناشطة في مجال المناخ غريتا تونبرغ وهي تتنصّل من نظرية وجود التغير المناخي).
أخطأت المجموعة المشاركة في ثلث الحالات، حتّى إنّ عشرات الطلّاب الذين يدرسون التعلّم الآلي في جامعة كارنيغي ميلون أخطأوا في أكثر من 20 في المائة من المرّات.
وتحاول مبادرات من شركات كـ«مايكروسوفت» و«أدوبي» اليوم إثبات أصالة المواد الإعلامية وتدريب تقنيات الاعتدال للتعرّف على التناقضات التي تكشف المحتوى المفبرك. لكنّ المعاناة في التفوق على صانعي محتوى «ديب فيك» حقيقية ومتواصلة، لأنّهم يكتشفون غالباً وسائل جديدة لتصحيح العيوب، وإزالة العلامات المائية المعرّفة، وتعديل البيانات الوصفية لتغطية آثارهم.
وأخيراً، يقول جاريد موندشين، عالم في مؤسسة راند: «يوجد سباق تسلّح تقني بين صانعي مقاطع (ديب فيك) وراصديها، وحتّى يحين وقت البدء بابتكار وسائل تحسّن رصد المحتوى المزوّر، سيكون من الصعب على أيّ تشريعات، مهما كثرت، أن تضع حداً لهذا الموضوع».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

يوميات الشرق العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك رسم توضيحي يُظهر مجسمات صغيرة تحمل أجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

هل تثق بالذكاء الاصطناعي لتحديد طعامك؟ دراسة تحذر المراهقين

دراسة علمية جديدة تحذر من أن الاعتماد على هذه الأدوات لتخطيط النظام الغذائي قد يحمل مخاطر صحية حقيقية؛ إذ قد تقود بعض المراهقين إلى تناول كميات أقل من المطلوب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.