حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

وصفت قادة صهيونيين في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية
TT

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

المنتج الفكري الضخم والعميق الذي تركته الباحثة والمفكرة الألمانية حنة أرنت (1906 - 1975)، والذي أحاط بقضايا عديدة منها ما يتصل باليهود بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو لا يتصل بهم لكنه يمس مواقفها وآراءها العامة من حيث هي منتمية للجماعة اليهودية في ألمانيا، كل ذلك يجعل الإحاطة بمنجزها أمراً في غاية الصعوبة. لا شك أن انتماءها اليهودي وما يتصل بذلك الانتماء احتلا مكانة واسعة في أعمالها، لكنها عنيت بمسائل فكرية وثقافية أكثر عمومية من أن تحصر بالمسائل التي تهم اليهود بصورة مباشرة، ولا شك أن هذا يصدق على باحثين آخرين من اليهود ممن جرى تناولهم ضمن ما أسميته النموذج السبينوزي، لكن أرنت اختلفت في تعدد اهتماماتها ومنجزاتها ضمن السياق اليهودي، وربما حجم وتأثير تلك الاهتمامات والمنجزات. ومما لا شك فيه أنها الأكثر بروزاً وحضوراً بين جيل المفكرين اليهود في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يكتب أحد من أولئك المفكرين عملاً ترك من الأثر ما تركه، مثلاً، كتابا أرنت «أسس التوتاليتارية» و«الحالة الإنسانية». هذان العملان يعدان بين الأبرز والأكثر شهرة وتأثيراً في الفكر الغربي الحديث. تضاف إلى ذلك تجربتها مع النازية واعتقالها وهروبها من معسكرات الاعتقال ونشاطها السياسي المباشر، سواء مع النشطاء الصهيونيين أو المنظمات اليهودية الأخرى، إلى غير ذلك من أوجه التفاعل والتأثير الواسعة.
النموذج السبينوزي يصدق على أرنت من الناحية الأساسية، أي الانتماء لليهود ونقد بعض أوجه حياتهم أو القضايا التي تهم بعضهم أو الكثير منهم. وصفها لبعض قادة الحركة الصهيونية في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية في المحرقة أو في تصفية الملايين من اليهود هو ربما أكثر مواقفها حدة، فضلاً عن نقدها لإسرائيل ورفضها الانسياق مع ما اتخذه بعض زعمائها من مواقف. غير أن علاقتها بمهادها اليهودي في ألمانيا تتجاوز ذلك إلى مسائل أعمق وأكثر شمولية واتصالاً بالإنسان بصفة عامة، مثل الحرية والسلطة والتعليم والتاريخ، إلى غير ذلك. وبوجه عام، ظلت أرنت تؤكد انتماءها اليهودي من ناحية، وتتخلى عنه أو تقلل من شأنه، من ناحية أخرى. لكن تأكيدها له يبدو أوضح وأقوى.

بدايات الانشغال بالانتماء اليهودي
انشغلت أرنت منذ فترة مبكرة بانتمائها إلى الجماعة اليهودية، وكان من الطبيعي والمتوقع لفتاة على قدر عالٍ من الذكاء ولدت في بيت مثقف تتوفر فيه الكتب أن تعي مبكراً موقعها الاجتماعي بين فئة من اليهود الألمان حققت قدراً عالياً من الرخاء الاقتصادي والتمكن السياسي والقبول الاجتماعي. كما كان متوقعاً من شابة مثقفة مثلها أن تتعرف على التاريخ الاجتماعي والثقافي للجماعات اليهودية في أوروبا مثلما تتعرف على تاريخ الفكر والثقافة الغربية عامة. أكدت ذلك التعرف مقالة نشرتها عام 1932 بعنوان «التنوير والمسألة اليهودية»، المسألة التي ستشغلها بقية حياتها. دراستها لحياة راحيل فارنهاغن، المثقفة الألمانية اليهودية التي اشتهرت بصالونها الأدبي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، أكدت ذلك الانشغال الذي تركز في تلك الدراسة على سعي الجماعات اليهودية للاندماج في المجتمعات الأوروبية المحيطة، وتفرد فارنهاغن بحفاظها على هويتها اليهودية رغم سعي الكثير من المحيطين بها إلى التماهي مع المجتمعات المسيحية بالتخلي عن انتمائهم اليهودي.
شهد مطلع الثلاثينات أيضاً اكتشاف أرنت أن الحزب النازي الصاعد بدأ يمارس تأثيره في المشهد السياسي الألماني على النحو الذي اتضح من فرض القيود على بعض الناشطين اليهود من أمثال أرنت، في الوقت الذي بدأ نشاط الحزب يفرز الوضع السياسي بتحديد أنصاره من المعارضين له. وبينما كانت أرنت وغيرها من المثقفين اليهود يكتشفون أنهم غير مرحب بهم في البلاد التي كانوا يعدونها بلادهم، كان بعض أصدقائهم من الألمان ينضمون إلى القوة السياسية الصاعدة بما تحمل من آيديولوجيا ومواقف سياسية وثقافية واجتماعية مقيدة لنشاط الأقليات، لا سيما اليهود منها.
وكانت خيبة أمل أرنت تحديداً كبيرة حين اكتشفت أن الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي كانت تلميذته لبعض الوقت، كان يحضر اجتماعات الحزب، ويظهر ميلاً لآيديولوجيته. ومما زاد من صعوبة الأمر وحدة مرارته أن أرنت كانت على علاقة عاطفية بهايدغر. الفيلسوف الألماني الآخر كارل ياسبرز، الذي أشرف على رسالتها للدكتوراه، حاول إقناعها بأن تنظر إلى نفسها بوصفها ألمانية أولاً، أي قبل أن تكون يهودية، فكانت إجابتها أنه بالنسبة لها ألمانيا هي اللغة الأم، هي الفلسفة والشعر. قالت لأحد محاوريها مستذكرة تلك المرحلة المبكرة: «أنا نفسي، مثلاً، لا أعتقد أنني نظرت إلى نفسي على أنني ألمانية مطلقاً - بمعنى الانتماء إلى الشعب في مقابل كوني مواطنة، إن كان لي أن أميز بين الاثنين. أتذكر أنني ناقشت ذلك مع ياسبرز في الثلاثينات»، وذلك بالفعل ما كان عليه الحال، لا سيما حين اضطرت أرنت للهرب إلى خارج ألمانيا فراراً من الاضطهاد مع أن الاضطهاد ظل يلاحقها حين احتجزت لبعض الوقت ثم تمكنت من الهرب مرة أخرى.

موقفها من الصهيونية وإسرائيل
تلك المعاناة دفعت بأرنت، قبل هروبها من ألمانيا، إلى المشاركة في دعم اليهود الراغبين في الهروب، لكنها لم تدفعها إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية. قالت لأحد محاوريها:
«لقد ألقي القبض علي، وكان علي أن أترك البلاد بصورة غير شرعية... منحتني المنظمات الصهيونية الفرصة (لتقديم المساعدة). كنت صديقة لبعض القياديين، بصورة رئيسية لرئيسها كيرت بلومفيلد. لكني لم أكن صهيونية، ولم يسع الصهاينة لضمي إلى صفوفهم. لكني بصورة أو بأخرى تأثرت بهم، لا سيما بالنقد، النقد الذاتي الذي أشاعه الصهاينة بين اليهود. تأثرت بذلك وأعجبت به، لكن من الناحية السياسية لم تكن لي صلة بالصهيونية».
عدم انتمائها إلى الحركة الصهيونية لم يؤثر بطبيعة الحال على شعورها بالانتماء اليهودي، على الأقل في تلك المرحلة الحاسمة (مع أن المؤرخ البريطاني اليهودي توني جُت يرى أنها انتمت للحركة الصهيونية أثناء وجودها في ألمانيا). ومما يؤكد أثر ذلك الشعور، وليس شعورها بالانتماء الذي يعد أمراً طبيعياً، أن الحدث الحاسم في حياتها بألمانيا، كما ذكرت هي، لم يكن صعود النازية، لم يكن عام 1933، وإنما كان عام 1943؛ في ذلك العام، تقول أرنت، «علمنا عن أوشفتز»، أي اكتشفنا المحرقة التي راحت ضحيتها تلك الأعداد الغفيرة من اليهود، والتي كادت هي أن تكون أحد ضحاياها أيضاً. غير أن الشواهد على مشاعرها تجاه اليهود فيما تركت من كتب ومقالات أكثر من أن تحصى. وبالطبع فإن المشاعر وحدها ليست الأمر الحاسم حين يتصل الأمر بالمنتج الفكري، سواء كان تحليلاً فلسفياً أو تأريخياً، وفي حالة أرنت يلعب البعد الفكري دوراً أساسياً لأنها مفكرة تقارب الفلسفة والتأريخ معاً.
لكن الجانب العاطفي ليس أيضاً بالأمر الذي يجوز استبعاده، لا سيما حين يتدخل البعد الشخصي أو التجربة الشخصية. فأرنت في نهاية المطاف إنسان عانى شخصياً، بل كاد يهلك جراء الأحداث التي تتناولها تحديداً. ولذا من الصعب تصور أن تنظر لما حدث لليهود أو للمواقف المعادية لهم نظرة باحث من الصين أو الهند أو أفريقيا أو أي منطقة أخرى لم تنغمر بالأحداث وتتأثر بها، ناهيك عن أن يكون خارجاً بل ناجياً منها للتو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

200 عام من علاقة التاج بالكاميرا: معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» يجوب بريطانيا

معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
TT

200 عام من علاقة التاج بالكاميرا: معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» يجوب بريطانيا

معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)

من قاعات قصر كنسينغتون العريقة في وسط لندن، ينطلق معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في جولة بصرية آسرة، حاملاً أكثر من مائة صورة تختزل قرنين من العلاقة المتشابكة بين التاج البريطاني وعدسة الكاميرا، حسب «بي بي سي» البريطانية.

افتتح المعرض أبوابه أولاً في قصر كنسينغتون، قبل أن ينطلق في جولة تبدأ من «أميليا سكوت» في بلدة تونبريدج ويلز.

في هذا الإطار، قال جيريمي كيميل، مدير الفنون والتراث والتفاعل في «أميليا سكوت»: «لقد تشكَّلت ملامح (رويال تونبريدج ويلز) عبر قرون من الصلات الملكية، بدءاً من أول زيارة ملكية في أوائل القرن السابع عشر؛ حين كانت المنطقة مجرد غابات، وصولاً إلى تحولها إلى المصيف المفضل للأميرة فيكتوريا».

وأضاف كيميل أن معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» لا يقتصر على العائلة المالكة فحسب، موضحاً: «تعكس الصور لحظات من الهوية الوطنية، والتحولات الثقافية، والتجارب المشتركة».

وتُعد العائلة المالكة البريطانية من أكثر العائلات إقبالاً على التصوير في العالم، ويجسِّد المعرض مراسم الدولة والجولات الملكية، إلى جانب صور شخصية تتيح لمحة عن الحياة خلف الكواليس.

كما يضم المعرض آخر صورة علنية التُقطت للملكة إليزابيث الثانية في السادس من سبتمبر (أيلول) 2022، أي قبل يومين فقط من وفاتها، عن عمر ناهز 96 عاماً.

وأوضح كيميل: «التُقطت الصورة في قلعة بالمورال، قبل مراسم (تقبيل الأيدي) التاريخية، التي أعلنت خلالها تعيين رئيسة الوزراء البريطانية (رقم 15 خلال فترة حكمها) ليز تراس».

ويمكن للجمهور أيضاً مشاهدة صور بورتريه وصور صحافية، من الأعوام الثلاثة الأولى من عهد الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا.

جدير بالذكر أن «هيستوريك رويال بالاسز»، مؤسسة خيرية مستقلة تتولى رعاية قصر كنسينغتون، وتولت مسؤولية إنشاء المعرض.

وقالت إليري لين، القيِّمة الرئيسة في «هيستوريك رويال بالاسز»، إن العرض الذي يضم صوراً تمتد عبر 300 عام من جلسات التصوير العائلية، والبورتريهات التي جاءت بتكليف رسمي، والارتباطات الرسمية، سينطلق في جولة مخطط لها أن تتضمن أنحاء المملكة المتحدة.


«ميموريا»... نافذة على ثقافات العالم في صور تختصر الإنسان بلا كلمات

صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
TT

«ميموريا»... نافذة على ثقافات العالم في صور تختصر الإنسان بلا كلمات

صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)

ليست كل المعارض الفنية تُشاهَد بالعين المجردة؛ فالبعض منها يُختبر بالقلب، وخير دليل أن ما يحدث في دار فرنسا بجدة، لم يكن «ميموريا»، أو مجرد مساحة لعرض الصور، بل مساحة للإنصات للوجوه، وللتفاصيل، ولحكايات جاءت من مسافات بعيدة لتستقر في ذاكرة الزائر. وفيه قدَّم المصور السعودي، محمد محتسب، خلاصة سنوات من الترحال، جمع خلالها أكثر من 100 عمل فوتوغرافي، لا توثق العالم بقدر ما تعيد تعريفه إنسانياً.

طالبات في مدرسة تحفيظ قرآن ببنغلاديش متوشحات بلون واحد عدا طالبة... نالت الصورة 150 جائزة منها 48 ميدالية ذهبية (إنستغرام)

فخلال فترة امتدت 4 سنوات، تنقّل محتسب بين نحو 15 دولة، التقط خلالها تفاصيل الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، والموروثات الثقافية والدينية. ومن بين هذه الرحلة الطويلة، اختار مجموعة تمثل «جزءاً من الحصيلة» ليقدّمها في «ميموريا».

يقول لـ«الشرق الأوسط» إن المعرض يحمل رسالتين واضحتين: «رسالة محبة وسلام»، هدفها تعريف المجتمع السعودي والخليجي بثقافات الشعوب الأخرى وجمال إرثها، ورسالة أخرى تؤكد «أننا بشر، ويجب أن نحترم اختلافاتنا، وأن الاختلاف يجب ألا يتحول إلى كره».

بهذا المعنى، لا تبدو الصور مجرد لقطات عابرة، بل دعوة مفتوحة للانفتاح، حيث يتحول الآخر من فكرة بعيدة إلى تجربة قريبة.

رقصة كيتشاك تقليد شعبي ثقافي شهير في بالي بإندونيسيا (إنستغرام)

ويرى محتسب أن المصوّر «لا يصنع اللحظة بل ينتظرها»، وهي فلسفة تنعكس بوضوح في أعماله؛ فالصورة، في رأيه، لا تكتسب قيمتها من جمالها البصري فقط، بل من قدرتها على الوصول إلى إحساس الإنسان مباشرة.

ويؤكد أن الصورة التي تعيش طويلاً في الذاكرة هي تلك التي تحمل قصة؛ إما في لقطة واحدة تختصر مشهداً كاملاً، أو في سلسلة صور تروي تفاصيله. «إذا لامست الصورة مشاعر الإنسان، فإنها تبقى، حتى لو لم يرها مرة أخرى».

ومن بين عشرات الحكايات، تبرز صورة من الهند لا تغادر ذاكرة المصوّر ولا جمهور المعرض؛ طفلة في السادسة تحمل شقيقها الرضيع تحت شمس أغسطس (آب) الحارقة، بينما يعمل والداها في جمع الملح مقابل أجر يومي لا يتجاوز دولاراً واحداً.

صورة من مهرجان باكو جاوي يقام في سومطرة بإندونيسيا بعد موسم حصاد الأرز (إنستغرام)

يستعيد محتسب تفاصيل اللحظة: دهشة، ثم صدمة، ثم سؤال عن قسوة الواقع الذي يدفع طفلة لهذا الدور المبكر. لكن الإجابة كانت أكثر قسوة: «من الحاجة». فالصورة، كما يقول، لم تحتج إلى شرح، بل كانت كافية لتوصيل القصة كاملة، ولإثارة مشاعر كل مَن رآها. هنا، تتجاوز الفوتوغرافيا حدود الجمال، لتصبح شهادة إنسانية على واقع لا يُرى كثيراً.

في قراءة لدور هذا النوع من الفعاليات، يرى القنصل محمد نهاض أن التصوير الفوتوغرافي يملك قدرة فريدة على تجاوز الحواجز اللغوية، والوصول مباشرة إلى الإنسان؛ ما يجعله أداة فعّالة لتعزيز التفاهم بين الثقافات.

ويشير إلى أن استضافة «ميموريا» تعكس إيماناً بأن الثقافة ليست نشاطاً هامشياً، بل وسيلة حقيقية لبناء جسور بين فرنسا والسعودية، حيث تتيح هذه المبادرات للجمهور اكتشاف رؤى فنية مختلفة، وتفتح المجال لتفاعل أوسع بين المبدعين، بما يعزز التقارب الثقافي، مؤكداً أن العمل الدبلوماسي لا ينحصر في السياسة، بل يمتد ليشمل دعم المبادرات التي تحمل قيمة إنسانية، خصوصاً تلك التي تربط الإبداع بالمسؤولية الاجتماعية.

ومع نهاية الأمسية، بدا واضحاً أن المعرض لم يكن مجرد حدث فني عابر، بل تجربة متكاملة تعيد طرح أسئلة كبرى حول الإنسان، والاختلاف، والعدالة.

في «ميموريا»، لا تُعرض الصور لتُشاهد فقط، بل لتُحفظ. لأنها ببساطة كما أرادها محتسب ليست صوراً عن العالم، بل عنّا نحن البشر أيضاً.

مشهد صباحي في قرغيزستان لنساء يحلبن الأبقار (إنستغرام)

.

طفلة تحمل شقيقها الرضيع في حين يعمل والداها في جمع الملح بالهند (إنستغرام)

التبوريدة فن مغربي عريق في عالم الفروسية (إنستغرام)

الشيخ يحيى الفيفي متوشحاً بلحافه الجنوبي في مزرعته بجبال فيفاء (إنستغرام)

صورة لعائلة تمتهن العمل الزراعي (إنستغرام)


مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.