حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

وصفت قادة صهيونيين في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية
TT

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

المنتج الفكري الضخم والعميق الذي تركته الباحثة والمفكرة الألمانية حنة أرنت (1906 - 1975)، والذي أحاط بقضايا عديدة منها ما يتصل باليهود بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو لا يتصل بهم لكنه يمس مواقفها وآراءها العامة من حيث هي منتمية للجماعة اليهودية في ألمانيا، كل ذلك يجعل الإحاطة بمنجزها أمراً في غاية الصعوبة. لا شك أن انتماءها اليهودي وما يتصل بذلك الانتماء احتلا مكانة واسعة في أعمالها، لكنها عنيت بمسائل فكرية وثقافية أكثر عمومية من أن تحصر بالمسائل التي تهم اليهود بصورة مباشرة، ولا شك أن هذا يصدق على باحثين آخرين من اليهود ممن جرى تناولهم ضمن ما أسميته النموذج السبينوزي، لكن أرنت اختلفت في تعدد اهتماماتها ومنجزاتها ضمن السياق اليهودي، وربما حجم وتأثير تلك الاهتمامات والمنجزات. ومما لا شك فيه أنها الأكثر بروزاً وحضوراً بين جيل المفكرين اليهود في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يكتب أحد من أولئك المفكرين عملاً ترك من الأثر ما تركه، مثلاً، كتابا أرنت «أسس التوتاليتارية» و«الحالة الإنسانية». هذان العملان يعدان بين الأبرز والأكثر شهرة وتأثيراً في الفكر الغربي الحديث. تضاف إلى ذلك تجربتها مع النازية واعتقالها وهروبها من معسكرات الاعتقال ونشاطها السياسي المباشر، سواء مع النشطاء الصهيونيين أو المنظمات اليهودية الأخرى، إلى غير ذلك من أوجه التفاعل والتأثير الواسعة.
النموذج السبينوزي يصدق على أرنت من الناحية الأساسية، أي الانتماء لليهود ونقد بعض أوجه حياتهم أو القضايا التي تهم بعضهم أو الكثير منهم. وصفها لبعض قادة الحركة الصهيونية في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية في المحرقة أو في تصفية الملايين من اليهود هو ربما أكثر مواقفها حدة، فضلاً عن نقدها لإسرائيل ورفضها الانسياق مع ما اتخذه بعض زعمائها من مواقف. غير أن علاقتها بمهادها اليهودي في ألمانيا تتجاوز ذلك إلى مسائل أعمق وأكثر شمولية واتصالاً بالإنسان بصفة عامة، مثل الحرية والسلطة والتعليم والتاريخ، إلى غير ذلك. وبوجه عام، ظلت أرنت تؤكد انتماءها اليهودي من ناحية، وتتخلى عنه أو تقلل من شأنه، من ناحية أخرى. لكن تأكيدها له يبدو أوضح وأقوى.

بدايات الانشغال بالانتماء اليهودي
انشغلت أرنت منذ فترة مبكرة بانتمائها إلى الجماعة اليهودية، وكان من الطبيعي والمتوقع لفتاة على قدر عالٍ من الذكاء ولدت في بيت مثقف تتوفر فيه الكتب أن تعي مبكراً موقعها الاجتماعي بين فئة من اليهود الألمان حققت قدراً عالياً من الرخاء الاقتصادي والتمكن السياسي والقبول الاجتماعي. كما كان متوقعاً من شابة مثقفة مثلها أن تتعرف على التاريخ الاجتماعي والثقافي للجماعات اليهودية في أوروبا مثلما تتعرف على تاريخ الفكر والثقافة الغربية عامة. أكدت ذلك التعرف مقالة نشرتها عام 1932 بعنوان «التنوير والمسألة اليهودية»، المسألة التي ستشغلها بقية حياتها. دراستها لحياة راحيل فارنهاغن، المثقفة الألمانية اليهودية التي اشتهرت بصالونها الأدبي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، أكدت ذلك الانشغال الذي تركز في تلك الدراسة على سعي الجماعات اليهودية للاندماج في المجتمعات الأوروبية المحيطة، وتفرد فارنهاغن بحفاظها على هويتها اليهودية رغم سعي الكثير من المحيطين بها إلى التماهي مع المجتمعات المسيحية بالتخلي عن انتمائهم اليهودي.
شهد مطلع الثلاثينات أيضاً اكتشاف أرنت أن الحزب النازي الصاعد بدأ يمارس تأثيره في المشهد السياسي الألماني على النحو الذي اتضح من فرض القيود على بعض الناشطين اليهود من أمثال أرنت، في الوقت الذي بدأ نشاط الحزب يفرز الوضع السياسي بتحديد أنصاره من المعارضين له. وبينما كانت أرنت وغيرها من المثقفين اليهود يكتشفون أنهم غير مرحب بهم في البلاد التي كانوا يعدونها بلادهم، كان بعض أصدقائهم من الألمان ينضمون إلى القوة السياسية الصاعدة بما تحمل من آيديولوجيا ومواقف سياسية وثقافية واجتماعية مقيدة لنشاط الأقليات، لا سيما اليهود منها.
وكانت خيبة أمل أرنت تحديداً كبيرة حين اكتشفت أن الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي كانت تلميذته لبعض الوقت، كان يحضر اجتماعات الحزب، ويظهر ميلاً لآيديولوجيته. ومما زاد من صعوبة الأمر وحدة مرارته أن أرنت كانت على علاقة عاطفية بهايدغر. الفيلسوف الألماني الآخر كارل ياسبرز، الذي أشرف على رسالتها للدكتوراه، حاول إقناعها بأن تنظر إلى نفسها بوصفها ألمانية أولاً، أي قبل أن تكون يهودية، فكانت إجابتها أنه بالنسبة لها ألمانيا هي اللغة الأم، هي الفلسفة والشعر. قالت لأحد محاوريها مستذكرة تلك المرحلة المبكرة: «أنا نفسي، مثلاً، لا أعتقد أنني نظرت إلى نفسي على أنني ألمانية مطلقاً - بمعنى الانتماء إلى الشعب في مقابل كوني مواطنة، إن كان لي أن أميز بين الاثنين. أتذكر أنني ناقشت ذلك مع ياسبرز في الثلاثينات»، وذلك بالفعل ما كان عليه الحال، لا سيما حين اضطرت أرنت للهرب إلى خارج ألمانيا فراراً من الاضطهاد مع أن الاضطهاد ظل يلاحقها حين احتجزت لبعض الوقت ثم تمكنت من الهرب مرة أخرى.

موقفها من الصهيونية وإسرائيل
تلك المعاناة دفعت بأرنت، قبل هروبها من ألمانيا، إلى المشاركة في دعم اليهود الراغبين في الهروب، لكنها لم تدفعها إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية. قالت لأحد محاوريها:
«لقد ألقي القبض علي، وكان علي أن أترك البلاد بصورة غير شرعية... منحتني المنظمات الصهيونية الفرصة (لتقديم المساعدة). كنت صديقة لبعض القياديين، بصورة رئيسية لرئيسها كيرت بلومفيلد. لكني لم أكن صهيونية، ولم يسع الصهاينة لضمي إلى صفوفهم. لكني بصورة أو بأخرى تأثرت بهم، لا سيما بالنقد، النقد الذاتي الذي أشاعه الصهاينة بين اليهود. تأثرت بذلك وأعجبت به، لكن من الناحية السياسية لم تكن لي صلة بالصهيونية».
عدم انتمائها إلى الحركة الصهيونية لم يؤثر بطبيعة الحال على شعورها بالانتماء اليهودي، على الأقل في تلك المرحلة الحاسمة (مع أن المؤرخ البريطاني اليهودي توني جُت يرى أنها انتمت للحركة الصهيونية أثناء وجودها في ألمانيا). ومما يؤكد أثر ذلك الشعور، وليس شعورها بالانتماء الذي يعد أمراً طبيعياً، أن الحدث الحاسم في حياتها بألمانيا، كما ذكرت هي، لم يكن صعود النازية، لم يكن عام 1933، وإنما كان عام 1943؛ في ذلك العام، تقول أرنت، «علمنا عن أوشفتز»، أي اكتشفنا المحرقة التي راحت ضحيتها تلك الأعداد الغفيرة من اليهود، والتي كادت هي أن تكون أحد ضحاياها أيضاً. غير أن الشواهد على مشاعرها تجاه اليهود فيما تركت من كتب ومقالات أكثر من أن تحصى. وبالطبع فإن المشاعر وحدها ليست الأمر الحاسم حين يتصل الأمر بالمنتج الفكري، سواء كان تحليلاً فلسفياً أو تأريخياً، وفي حالة أرنت يلعب البعد الفكري دوراً أساسياً لأنها مفكرة تقارب الفلسفة والتأريخ معاً.
لكن الجانب العاطفي ليس أيضاً بالأمر الذي يجوز استبعاده، لا سيما حين يتدخل البعد الشخصي أو التجربة الشخصية. فأرنت في نهاية المطاف إنسان عانى شخصياً، بل كاد يهلك جراء الأحداث التي تتناولها تحديداً. ولذا من الصعب تصور أن تنظر لما حدث لليهود أو للمواقف المعادية لهم نظرة باحث من الصين أو الهند أو أفريقيا أو أي منطقة أخرى لم تنغمر بالأحداث وتتأثر بها، ناهيك عن أن يكون خارجاً بل ناجياً منها للتو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.