الوجه غير الروائي لنجيب محفوظ

3 مجلدات في الفلسفة والسياسة والعلم تحمل توقعاته المستقبلية

الوجه غير الروائي لنجيب محفوظ
TT

الوجه غير الروائي لنجيب محفوظ

الوجه غير الروائي لنجيب محفوظ

عن الدار «المصرية - اللبنانية» بالقاهرة صدرت «حوليات نجيب محفوظ» في ثلاثة مجلدات هي: «الدين والفلسفة والثقافة» و«العرب والعلم والتقدم» و«السياسة والمجتمع والشباب». وتعود أهمية هذا الإصدار إلى أنها المرة التي تصدر فيها مقالات وكتابات أديب نوبل غير الروائية كاملة في عمل واحد لتكشف الوجه الفكري الصريح والمباشر لمحفوظ على مدار حياته.
المجلدات تحرير وتحقيق وتقديم الشاعر والباحث مصطفى عبادة، الذي أوضح في مقدمة العمل أن عميد الرواية العربية كتب أكثر من ألف مقال، على مدى حياته الطويلة. وبدايته مع فن المقال أسبق من إبداعه الروائي. تنوعت هذه المقالات موضوعياً بين ثلاثة حقول كبيرة، أولها، وأكثرها عناية من نجيب محفوظ: حقل الدين والفلسفة والثقافة، التي بدأ يعبر عنها وينشرها في الصحف منذ ثلاثينات القرن العشرين، وهي آراء كانت متأثرة بدراسته للفلسفة، حيث اتسمت أعماله الأدبية بعمق فكري، كما كان يرى أن الأدب والفلسفة حقلان متقاربان، بل ربما يصدران من منبع واحد، ويشكلان معاً ذائقة متكاملة يمكنها أن تمتلك رؤية وموقفاً واضحاً من الوجود والحياة.
في مقال: «احتضار معتقدات... وتولد معتقدات»، يرصد نجيب محفوظ ميلاد الاتجاهات السياسية والفلسفية الجديدة، التي ستهيمن فيما بعد على مجمل القرن العشرين كله، وكيف أن المعتقدات القديمة التي قامت عليها مدنيات بأسرها تخضع للنَقد والتحليل بل التسفيه أحياناً، فهي وإن كانت قد أقامت مدنيات عمرت قروناً، فإنها تحتوي في باطنها على خرافات لا يقبلها العقل بحالٍ من الأحوال، وكانت غاية النقد الذي تتعرض له هذه المعتقدات القديمة: «أنه إذا كان معتقد ما أساساً لمدنيته، فقد آن الأوان لانهيارهما معاً، ونحن نشاهد في عصرنا هذا - ثلاثينات القرن العشرين - أن جميع العقائد القديمة؛ التي اطمأنت لها النفوس أجيالاً طويلة أخذت تتزعزع رويداً رويداً، وتتزحزح عن مكانتها الأولى شيئاً فشيئاً، وذلك بنقد المفسرين الجدد لهذه المذاهب والمعتقدات، ولما كتبه المفسرون القدامى. ينطبق ذلك على الديانات، ومذاهب الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت بين أيدينا مجموعة وافية من الكتب والقصص تبعث قراءتها على الشك في الماضي بآرائه ومعتقداته، أو تدعو إلى مذهب جديد كالاشتراكية والعالمية».
وحسب المحرر، يذهب محفوظ إلى حد المجازفة، وإن أصبحت حقيقة واقعة فيما بعد، فيتنبأ بالمذهب الجديد الذي سيسود العالم في القرن العشرين، وهو الاشتراكية، ومن ضمن توقعاته في هذا السياق، أن هذه الاشتراكية سوف تنهار، ولن تعمر طويلاً، ذلك أن سعادة الاشتراكية الموعودة دنيوية تُنال في هذه الحياة، لا في حياة أخرى، وإنها لذلك قد تعجز لسبب من الأسباب عن إنجاز وعودها تامة، وعليه فينفض من حولها أعظم مؤيديها حماسة ونشاطاً، ولكننا لا ننسى كذلك أن الكمال في الدنيا ضرب من المستحيلات.
والحقل الثاني لمقالاته الفكرية هو «السياسة والمجتمع والشباب»، وتتناول قضايا غاية في الخطورة، ولا تزال تناقش في حياتنا حتى اليوم، مثل علاقة الدين بالمجتمع ودوره في التحضر أو الثبات، وعلاقته بالديمقراطية بشكل خاص والعملية السياسية بشكل عام، حيث يرى نجيب محفوظ: «أن الدين ليس علماً من العلوم، ولا فرعاً من المعرفة، ولكنه تربية روحية يتجلى جوهرها في المعاملة والسلوك والرؤية».
بدأت هذه المقالات عام 1974 بمقال «الدين والمدرسة»، وانتهت بمقال «توترات مرضية» عام 1994، أي أنه يضم آراء نجيب محفوظ، على مدى عشرين عاماً، وقد كتب المقال الأخير قبل أن يتعرض الرجل للطعنة الغادرة أمام منزله.
ويفرق نجيب محفوظ بين التطرف والانحراف، حيث: «يمثل التطرف بلوغ الغاية القصوى في الإيمان بأي عقيدة، تنتمي إليه الصفوة المجاهدة المؤسسة على العلم والأخلاق، والمستعدة دائماً وأبداً للبذل والتضحية بالنفس في سبيل المثل الأعلى، أما الانحراف فهو الخروج عن الحدود بضغط من انفصال أهوج قائم على الجهل، مسُوقٍ بالتضليل مندفع إلى الأذى والعدوان».
والمتأمل لمقالات نجيب محفوظ، في هذا المجال، يلاحظ أنه يرجع الانحراف الديني المسوق بالجهل، إلى طريقة التعليم الخاطئة لدرس الدين في المدارس، ففي مقاله الأول المكتوب عام 1974، في مرحلة مبكرة من حياته، وهو المقال الذي يدعو فيه إلى «أن يكون درس الدين تربية روحية تُتَلَقى في جو من التعاطف والإرشاد والمحبة، بعيداً عن معاناة الحفظ والتسميع والخوف من الرسوب، مع الاقتناع الكامل بأن الدين ليس معرفة تحفظ، ولكنه معاملة وسلوك، تقوم عليها الحياة الإنسانية الكريمة».
ويضع نجيب محفوظ خطة مبدئية لتدريس الدين في المدارس، حين يقول: «إنني أتصور أن تكون السيرة هي العماد الأول لهذه التربية، بما هي حياة وسلوك ورؤية ومثل أعلى، فتدرس السيرة النبوية بدءاً من السنة الأولى الابتدائية، حتى السنة الثانية الثانوية، تعرض في السنة الأولى في صورة مبسطة يسيرة، ثم تتدرج في النمو والتفاصيل عاماً بعد عام، وتتضمن من الآيات ما يناسب المقام، وما تتطلبه الحاجة».
ثم لا يترك نجيب محفوظ قضية دينية أثيرت في زمنه دون أن يبدي رأيه فيها، مثل حوادث الفتن الطائفية، والإسلام وصراع المبادئ، والمناظرات الدينية المدنية، والتجارب الإسلامية، حيث يرى فيما يتعلق بفلسفة الحكم وتوجهات السياسة: «تعاصرت تجارب شتى منها السلَفي والثوري والمعتدل والعلماني، وكل نظام يواجه الحياة بمقوماته الفكرية واجتهاداته، متصدياً لتحديات الحياة المعاصرة، عاقداً العزم على التوفيق والنجاح، وسوف يتقرر النجاح لهذا التيار أو ذاك وفقاً لما يحقق من نتائج ويحل من مشكلات، وأعتقد أن الناجح هو الذي سيسود وينتشر، ولن ينجح ويسود إلا بشروط منها: أن يثبت أنه كفء للحياة المعاصرة، وأقدر على حل مشكلاتها، ومنها: أن يحقق العدالة الاجتماعية والحرية الفردية والاجتماعية معاً، ومنها: أن يحترم قولاً وفعلاً حقوق الإنسان».
والحقل الثالث، هو «العرب والعلم والتقدم»، وفيه يحمل نجيب محفوظ على فكرة «السياسي المستقل»، ويتساءل محفوظ: مستقل عن ماذا؟ فالسياسي في نظره إما يسار أو يمين أو وسط: «ما جدوى الاستقلال اليوم؟ ما مغزاه، وما هدفه؟ ربما كان الشخص الذي لم يجد ذاته لا في اليمين ولا في الوسط ولا في اليسار، وإنه لاستقلال سلبي عجيب ينفي عن صاحبه أي هوية، ويجعل منه شخصاً بلا صفات سياسية حتى ليتعذر علينا تصديق ما يدعيه... وفي جميع الأحوال فالترشيح على أساس الاستقلال عودة إلى انتخاب الشخص بصفته الشخصية، لا كممثل لرأي، ونحن نريد لانتخاب (الرأي) أن يبرز ولانتخاب الشخص أن يندثر». الانتماء، في رأي نجيب محفوظ، هو أساس العمل السياسي.
وتتسم آراء نجيب محفوظ السياسية كما يتبدى من هذه المقالات بليبرالية واضحة، ومثله الأعلى في ذلك الزعيمان سعد زغلول، ومصطفى النحاس. إنه يبدو أقرب إلى دور الواعظ الأخلاقي، المطالب بالديمقراطية على استحياء، والتغيير الاجتماعي، بشكل إصلاحي وليس ثورياً، حتى أنه عندما سئل عن ثورة يوليو (تموز) قال: نعم فرحت بها ولكنها لم تأتِ بالديمقراطية. وفي روايتي «اللص والكلاب» 1962 و«السمان والخريف» 1965، يطرح نجيب محفوظ مسألة التغيير الثوري، ويحكم عليها بالفشل.
تخرج نجيب محفوظ في كلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم الفلسفة، وبدأ مقالاته بالكتابة في الفلسفة، دون موقف واضح من أي مذهب فلسفي، لا مع أو ضد، بل اقتصرت مقالاته على شرح النظريات الفلسفية باستفاضة، وكأنه كان يذكر بها نفسه، فيما هو مخلص جداً للفلسفة الوجودية، كما في روايتي «الشحاذ»، و«الطريق»، فالسؤال الأهم فيهما: من أنا؟
ويذكر عبادة أن محفوظ لا يشير إلى المرأة في مقالاته إلا نادراً، ولا يقف طويلاً أمام مشكلاتها. بينما في رواياته ينتصر للمرأة الحرة، التي تمتلك حياتها، وتتصرف فيها كما تشاء، فهو يكره المرأة النمطية، الخاضعة لقوانين المجتمع الذكوري، وفي الحوار المشار إليه مع «باريس ريفيو»، لا يبدو مهموماً كثيراً بأن تغطي إحداهن رأسها، بل ووجهها، مؤكداً أن ما يخشاه حقاً هو التعصب الديني الذي يصفه بـ«تطور هدام معارض تماماً للإنسانية».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.