بكتيريا صحراوية تساعد النباتات على التكيف مع الحرارة وشحّ المياه

علماء «كاوست» يكشفون عن «الحل السحري» للزراعة في هذا القرن

تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
TT

بكتيريا صحراوية تساعد النباتات على التكيف مع الحرارة وشحّ المياه

تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة
تستعين النباتات بمجموعةٍ من الكائنات الدقيقة في التربة

اكتشف باحثو جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) أن البكتيريا الصحراوية يمكن أن تُمثل مُفتاح النجاة لتحسين صحة كلٍّ من النبات والإنسان، حيث تمكن الباحثون على مدار السنوات الثماني الماضية، من معرفة كيف تتفاعل الميكروبات مع النباتات الصحراوية بشكل ساعدها على البقاء حتى في الظروف الأكثر تطرفاً على الأرض، مثل الجفاف، أو فرط الملوحة، أو السخونة، وعملوا على استغلال الدور النافع لهذه الميكروبات لصالح نباتات المحاصيل، لتزدهر الزراعة في المناطق القاحلة، أو في ظل الظروف البيئية القاسية.
ميكروبات صحراوية
جمع البروفيسور هريبرت هيرت، أستاذ علوم النبات في «كاوست»، مع فريقه عدة آلاف من سلالات هذه الميكروبات من مختلف الصحاري في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضمن دراسة آليات بقاء النباتات التي تعيش في الظروف القاسية، وعملوا على تطبيق ما توصل إليه على نباتات المحاصيل. وجاء إنجازهم الرائد متمثلاً في الكَشْف عن أن كثيراً من الميكروبات التي تعيش في جذور النباتات الصحراوية تستطيع العيش لدى أكثر من مضيف، ثم نجحوا بعدها في نقل هذه الميكروبات إلى أنواعٍ أخرى من النباتات. وتعليقاً على هذا الإنجاز، قال الدكتور ماجد سعد، كبير الباحثين في مركز الزراعة الصحراوية بـ«كاوست»، إن أحد التحديات التي واجهت الفريق تَمَثل في كيفية إتاحة الميكروبات النافعة لصغار مزارعي الصحراء.
وللتغلُّب على هذا التحدي، طَوَّر الفريق تقنية تُمكِّن مجموعة مختارة من الميكروبات من تغطية البذور. وبتمويلٍ من الجامعة، وفَّر الفريق كمياتٍ صغيرة من البذور المغطاة بالبكتيريا لصغار المزارعين في السعودية، من أجل اختبار التقنية على أرض الواقع على بعض المحاصيل، مثل الخيار، والطماطم، والبرسيم الحجازي.
ويرى هيرت أن ميكروبات التربة النافعة هذه يمكن أن تكون «الحل السحري» للزراعة في هذا القرن؛ إذ ستساعد النباتات على النمو في ظروف الجفاف، والإجهاد الملحي، ودرجات الحرارة القصوى.
وشرح قائلاً: «تتكيف الميكروبات الصحراوية جيداً مع الظروف البيئية القاسية، مثل الحرارة، والملوحة المرتفعة. وهي تساعد النباتات الصحراوية على النمو في مثل هذه الظروف، إذ تمدُّها بالعناصر الغذائية، وتُحسِّن من قدرتها على تحمُّل درجات الحرارة المرتفعة وشُحّ المياه».
فعلى سبيل المثال، حدد فريق هيرت سلالة من البكتيريا تُعزِّز مقاومة النباتات للجفاف عن طريق تحسين كفاءة استهلاكها للمياه. وعن نِسَب التحسُّن المُتوقعة، عَلَّق هيرت قائلاً: «يمكننا تقليل استهلاك مياه الري بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة مع الحفاظ على معدلات الإنتاج». وعن أهمية هذا يقول هيرت موضحاً: «تُقدِّر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن المزارعين سيكون عليهم زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 70 في المائة بحلول عام 2050؛ للوفاء باحتياجات سكان العالم، الذين تتزايد أعدادهم. وإذا كان بإمكانك تحسين إنتاجية المحاصيل، دون استخدام مبيدات الآفات أو الأسمدة الصناعية، فستكون هذه نقطة تَحَوُّلٍ جذرية». وأضاف الباحث: «نحن بحاجة إلى حلولٍ سريعة ومنخفضة التكلفة، وفي متناول مزارعي الكفاف، الذين يأكلون ما يزرعون». ويقول سعد إن أبحاثهم تساعد على مواجهة التحديات العالمية، مثل التغيُّر المناخي، والأمن الغذائي، والاستدامة، وإنها قد تثمر عن تطبيقاتٍ في المجال الصحي، من خلال ما يمكن أن تكشفه من أدواتٍ جينية، ومضاداتٍ حيوية جديدة، على سبيل المثال.
التأقلم مع الظروف القاحلة
من جانب آخر يعمل فريقٌ بقيادة البروفيسور دانييل دافونشيو، أستاذ العلوم البيولوجية بـ«كاوست»، على استغلال التنوع الميكروبي من أجل تعزيز نمو النباتات في التربة القاحلة. ويعكف الفريق حاليّاً على دراسة بيئة الكائنات الدقيقة في الأنظمة البيئية الصحراوية، خصوصاً الكائنات المرتبطة بالنباتات الصحراوية. وعن تأثير الميكروبات على النباتات، يقول دافونشيو: «تعمل الكائنات الدقيقة، إلى جانب التربة والمنطقة الملاصقة لجذور النباتات (الرايزوسفير)، وأيضاً منطقة الأنسجة النباتية (الإندوسفير)، بمثابة مجتمعاتٍ تفاعلية، تتضمن أنواعاً مختلفة من الميكروبات التي تتفاعل أيضاً مع النبات المضيف، ومصفوفة التربة، والعوامل البيئية المحيطة في شبكة معقدة من التفاعلات الجزيئية». ويبحث فريقه كيف يمكن لهذه التفاعلات الجزيئية أن تؤثر على استيطان الكائنات الدقيقة لجذور النباتات، وعلى نمو النباتات أيضاً. إضافة إلى هذا يدرس الباحثون حاليّاً العوامل البيئية، مثل درجة الحرارة، والرطوبة، والجفاف، ومستوى الملوحة، والخصائص الكيميائية عند مناطق التمَاس بين التربة والجذور، بالإضافة إلى أنواع النباتات، ومجتمعاتها الإيكولوجية.
على سبيل المثال، تعمل الباحثة رامونا ماراسكو، المتخصصة في البيولوجيا الدقيقة، على دراسة تَجَمُّعات المجتمعات الميكروبية في النباتات الصحراوية البرية والأنواع المُستزرَعة، مثل نخيل البلح، تحت الظروف المناخية المختلفة، وفي أنواعٍ مختلفة من الترب. وتكشف أبحاثها أنه رغم تَوفُّر مجموعة متنوعة من الكائنات الدقيقة، فإن نخيل البلح، مثل غيره من النباتات الصحراوية، دائماً ما يستعين بمجتمعاتٍ ميكروبية بالغة التشابه، تتشكّل من أنواع مختارة من مُحفزات نمو النباتات، تعمل على تخفيف الإجهاد الناتج عن الجفاف، على الرغم من تنوع الكائنات الدقيقة المتوفرة.
ومحفزات النمو، مثل السماد الطبيعي، تهدف إلى تسريع معدل نمو وانقسام الخلايا والاستطالة دون الإخلال بأفعالها الفسيولوجية الطبيعية.
ويقول دافونشيو عن ذلك: «هذا النوع من الاختيارات الثابتة تفرضه الظروف القاسية للتربة الصحراوية وللبيئات الصحراوية عموماً، التي تحدّ من الخيارات المتوفرة للنباتات».
وبينما يدرس الباحثون المجتمعات الميكروبية المُعقدة في التربة، والظروف القاسية للأنظمة الإيكولوجية الصحراوية، من المهم أن يُقيِّموا ويفهموا إيكولوجيا منظومة جذور النباتات على مستوى المجتمعات الميكروبية. وعن طبيعة ذلك يقول دافونشيو: «هناك تجري التفاعلات الخاصة بالكائنات الدقيقة المُحفزة لنمو النباتات، سواء الطبيعية منها أو المضافة، مثل الملقحات التي تتكون من كائنات دقيقة مفيدة، فتُحدِث بذلك تأثيراتها النافعة».
دروسٌ مستفادة
علاوة على ذلك، اهتم عالم البيولوجيا البروفيسور أليكساندر روسادو، وأستاذ علوم الأحياء بالجامعة بدراسة الميكروبات التي تعيش في كثير من الأنظمة البيئية بالسعودية، بما في ذلك الصحاري، والبراكين، وذلك من خلال أبحاثه على الكائنات التي تعيش في البيئات القاسية للغاية، مثل الكائنات التي تسمى مُحبات الظروف الصعبة أو «إكستريموفيل» (Extremophiles) والبيئات القاسية مثل الينابيع الساخنة، والمياه المالحة، والمستنقعات وغيرها. وقد كشف في أبحاثه عن عائلة من البكتيريا الصحراوية يمكنها أن تعيش على كمياتٍ ضئيلة من ثاني أكسيد الكربون، كما تستطيع امتصاص النيتروجين بكفاءة عالية.
يقول روسادو إن هذه الآليات الجديدة لتثبيت النيتروجين والكربون يمكن أن تساعدنا في ابتكار منتجات التقنية الحيوية الجديدة، بما يحقِّق الاستدامة في مجالات الطاقة الحيوية والزراعة.
وعن أهمية ذلك يوضح معقِّباً: «تطبيقات التقنية الحيوية الممكنة لهذه الآليات يمكن أن تشمل مزيداً من التطوير للنباتات المعدَّلة جينيّاً، القادرة على استهلاك النيتروجين، سواء في وجود كمياتٍ ضئيلة من الأسمدة الكيميائية، أو في عدم وجودها على الإطلاق».
إضافة إلى هذا، يهتم روسادو كذلك بالتطبيقات الممكنة لتلك الميكروبات في مجال استيطان الفضاء.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة
TT

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

تُعدّ النزاهة، التي تُفهم على أنها ميلٌ للتصرف بطرق اجتماعية وأخلاقية ومبدئية بدلاً من الطرق الفاسدة أو الأنانية، من أقوى المؤشرات وأكثرها ثباتاً في التأثير على الأداء الوظيفي وعلى فاعلية القيادة. والسبب في ذلك واضحٌ تماماً، كما كتب توماس تشامورو-بريموزيك(*).

القيادة جهد جماعي لا فردي

إن القيادة، مهما كان سياقها، جهدٌ جماعي، إذ لم يتحقق أي هدف ذي قيمة، من بناء الإمبراطوريات إلى إدارة الشركات... بشكلٍ فردي.

وعلى مرّ التاريخ اعتمد التعاون على الثقة أكثر من اعتماده على القوة الغاشمة.

السمعة تقيد السلوك

وازدهرت المجتمعات التجارية القديمة تحديداً لأن السمعة كانت تُقيّد السلوك: فقد اعتمد التجار في المدن الفينيقية، والنقابات في العصور الوسطى، وشبكات طريق الحرير على التفاعلات المتكررة وآليات الإنفاذ غير الرسمية لضمان وفاء الشركاء بالتزاماتهم. أما مَن غشّ، فقد تم استبعاده، وليس مجرد إدانته. وكانت الثقة، في الواقع، بمنزلة آلية مبكرة للتنسيق والتنفيذ.

وينطبق المنطق نفسه على المنظمات الحديثة، إذ يتحسن أداء الفرق عندما يثق أعضاؤها بأن القادة سيتصرفون بنزاهة، ويوفون بوعودهم، ويتجنبون استغلال اختلالات المعلومات أو السلطة، أو عندما يكون تركيزهم منصبّاً على مكاسبهم الشخصية لدرجة أنهم لا يكترثون كثيراً بالإضرار بالمجموعة.

طريقا الحقيقة والكذب متمايزان

القادة غير النزيهين لا يستقطبون المواهب

وبناءً على ذلك، تُظهر الأبحاث أن القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم يفتقرون إلى النزاهة يجدون صعوبة في استقطاب المواهب، أو تحفيز الجهود الإضافية، أو الحفاظ على التعاون على المدى الطويل. في المقابل، يستفيد القادة المعروفون بالتزامهم الأخلاقي من تنسيق أسرع، وتكاليف مراقبة أقل، واستعداد أكبر لدى الآخرين لتحمل المخاطر نيابةً عنهم.

تكلفة انعدام الثقة

إذا أُتيحت للناس الفرصة، فإنهم يُفضلون التعاون مع من يثقون بهم، ليس لأنهم ساذجون، بل لأن انعدام الثقة مكلف. فالعمل مع شركاء غير موثوقين أو غير أخلاقيين يزيد من احتمالية الفشل والصراع والإضرار بالسمعة. في مجال الأعمال، قد يعني هذا دعم قادة يُضللون بشأن الأداء أو يُلقون باللوم على غيرهم. وفي السياسة، قد يعني تمكين من يُقوّضون المؤسسات لتحقيق مكاسب شخصية. وفي كلتا الحالتين، لا يتحمل الأتباع وحدهم التكاليف، بل يتحملها النظام ككل.

الفساد المزمن... مؤشر انهيار المؤسسات

لهذا السبب يُعدّ الفساد المزمن أحد أكثر المؤشرات موثوقيةً على انهيار المؤسسات. وكما وثّقت منظمة الشفافية الدولية عاماً بعد عام في مؤشر الفساد، فإن الدول التي تُسجّل أدنى الدرجات في النزاهة والثقة تميل إلى تشاركها بمشكلات شائعة: ضعف سيادة القانون، وتسييس المؤسسات، وهروب رؤوس الأموال، ونقص الاستثمار المستمر، الذي ينتج عادةً عن حكومات طفيلية وقيادة هدّامة.

حوافز لمكافأة السلوك الأخلاقي

في المقابل، تستفيد الدول التي تحتل باستمرار مراكز متقدمة في مقاييس النزاهة والثقة من مؤسسات أقوى، وحوكمة أكثر استقراراً، ومستويات أعلى من التعاون الاجتماعي والاقتصادي. ومن المؤكد أن هذه المجتمعات لا تخلو من المصالح الذاتية أو الطموح؛ بل نجحت في مواءمة الحوافز بحيث يُكافأ السلوك الأخلاقي بينما يتحمل التكلفة اصحاب الفساد، مما يُقيّد المكاسب الفردية الأنانية قصيرة الأجل لصالح المنافع الجماعية طويلة الأجل.

قياس النزاهة

إذن، كيف لنا أن نعرف ما إذا كان الشخص يتمتع بالنزاهة، أو نقيس مدى موثوقيته او جدارته الأخلاقية؟ يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة، لا سيما عند تطبيقه على القادة، الذين تُشكّل قراراتهم نجاح الآخرين ورفاهيتهم وآفاقهم المستقبلية. ولحسن الحظ، يُقدّم علم السلوك العديد من الرؤى المفيدة، وإن لم يصل إلى حدّ اليقين التام.

أولاً- لا يُمكن ملاحظة النزاهة بشكل مباشر: فعلى عكس الصفات الجسدية كالطول أو لون الشعر، لا يُمكن رؤيتها أو قياسها بنظرة خاطفة. بل تُستنتج من أنماط السلوك، ومدى ثبات تلك الأنماط مع مرور الوقت، وتوافق الأقوال مع الأفعال. لذا، تُعدّ النزاهة سمةً نسبية وليست صفة يُمكن ملاحظتها مباشرة، مما يجعل تقييمها احتمالياً بطبيعته، وليس قطعياً.

المظهر الأخلاقي يحقق فوائد واضحة

ثانياً- غالباً ما تكون التفاعلات قصيرة الأجل مُضلّلة: فبما أن الظهور بمظهر أخلاقي يُحقق فوائد واضحة (كالثقة والنفوذ وتقليل التدقيق والوصول إلى الموارد)، فإن الناس يُحفّزون على إظهار النزاهة حتى وإن كانوا يفتقرون إليها. وهذا يُفسّر جزئياً لماذا قد تجذب البيئات التي تبدو أخلاقية ظاهرياً أحياناً جهات انتهازية تستغل حسن نية الآخرين وافتراضاتهم.

السمات المظلمة: النرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية

في المقابل، في البيئات التي يسودها الفساد، يصبح انعدام الثقة هو السائد، حتى إن الأفراد ذوي النيّات الحسنة يُعاملون بشك. فالسياق يُؤثر في السلوك والإدراك على حد سواء.

ويأتي خطٌّ موازٍ ومتزايد القوة من الأدلة من الأبحاث التي تتناول ما تسمى السمات المظلمة: النرجسية، والاعتلال النفسي، والمكيافيلية.

يُقدّم البحث فيما تُسمى السمات المظلمة، كالنرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية، دليلاً موازياً ومتزايد القوة. ورغم اختلافها المفاهيمي، تشترك هذه السمات في جوهرها المتمثل في ضعف التعاطف، والبرود العاطفي، والميل إلى استغلال الآخرين.

حقيقة أم تزوير؟

مزيج سامّ

ومن منظور النزاهة، يُعدّ هذا المزيج ساماً. فالأفراد الذين يتسمون بهذه السمات أقل تقيداً بالشعور بالذنب أو الاهتمام بالآخرين، وأكثر استعداداً لتجاوز القواعد أو تجاهلها، وأكثر ميلاً لتبرير السلوك غير الأخلاقي بوصفه ضرورياً أو مستحقاً أو ذكياً بدلاً من كونه خاطئاً.

القسوة والخداع والشعور بالاستحقاق

- الاعتلال النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقسوة وعدم الخوف، مما يقلل من الحساسية للعقاب والعاطفة الأخلاقية.

- المكيافيلية تتنبأ بالخداع الاستراتيجي، والتشاؤم بشأن الدوافع الإنسانية، والاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة.

- النرجسية، لا سيما في أشكالها الأكثر تضخماً، تضيف شعوراً بالاستحقاق والاستثناء الأخلاقي، أي الاعتقاد بأن القواعد العادية تنطبق على الآخرين دون الذات.

تُنبئ هذه السمات مجتمعةً، وبشكلٍ موثوق، بسلوكيات عملٍ غير مُنتجة، وتجاوزاتٍ أخلاقية، واختلالاتٍ في النزاهة، لا سيما في المناصب التي تُمنح السلطة، والصلاحيات التقديرية، والرقابة الضعيفة. والأهم من ذلك، أن هذا لا يعود إلى افتقار هؤلاء الأفراد للذكاء أو ضبط النفس، بل إلى عدم توافق دوافعهم مع المعايير الاجتماعية الإيجابية. فبينما تعتمد النزاهة على التعاطف، واحترام السلطة، والاهتمام المُتأصل بالنتائج الجماعية، تُوجه السمات السلبية عملية صنع القرار نحو المصلحة الذاتية، والهيمنة، والمكاسب قصيرة الأجل، مما يجعلها من أقوى المؤشرات الشخصية التي تُنذر بمخاطر النزاهة في بيئة العمل.

تقييم الأقران

ثالثاً- على الرغم من استحالة قياس النزاهة بدقةٍ تامة فإنه يُمكن تقييمها بشكلٍ فعّال: تُشير الأبحاث إلى أن تقييمات الأقران تُعد من بين أكثر المؤشرات موثوقية، وذلك تحديداً لأن النزاهة مرتبطة بالسمعة؛ فهي تتجلى في كيفية تصرف الأفراد عندما يعتمد عليهم الآخرون. وتُعد البيانات الطولية، مثل التقييم الشامل 360 درجة، ذات فائدةٍ خاصة.

الضمير الحيّ والإيثار

كما تُنبئ سمات الشخصية، مثل الضمير الحي، والإيثار، وضبط النفس (بما في ذلك القدرة على مراجعة الذات)، بالسلوك الأخلاقي، وكذلك السلوك السابق. غالباً ما تُهمل التقارير الذاتية، لكن المقاييس المصممة جيداً لا تزال قادرة على التمييز بدقة بين الأفراد ذوي النزاهة العالية والمنخفضة.

بناء السمعة يستغرق عمراً بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة

وللسجلات أهمية بالغة، حتى وإن لم تجعل أحداً محصناً ضد الإغراء. وكما لاحظ وارن بافيت الملياردير الشهير، فإن بناء السمعة يستغرق عمراً، بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة.

النزاهة شرط أساسي للتقدم

وأخيراً، للبيئة دورٌ مهم. فالإخفاقات الأخلاقية ليست نتاجاً لأفراد فاسدين فحسب، بل هي أيضاً نتيجة لبيئة فاسدة. يمكن لضعف الحوكمة، واختلال الحوافز، والتسامح مع التجاوزات الصغيرة أن تُضعف النزاهة حتى بين الأفراد ذوي الأخلاق الحميدة، بينما يمكن للأنظمة المصمَّمة جيداً أن تُعزز السلوك الأخلاقي بجعل سوء السلوك مكلفاً والشفافية أمراً لا مفر منه.

يُشير هذان العاملان مجتمعَين إلى أن النزاهة ليست غامضة ولا مضمونة. فسواء في الحكومات أو الشركات أو الفرق، تُعد النزاهة شرطاً أساسياً للتنسيق والتقدم. فعندما تتآكل الثقة، يُكرس الفاعلون جهداً أكبر للمراقبة والتحوط وحماية الذات، مما يُقلل من الطاقة المتاحة للابتكار أو النمو. وبهذا المعنى، لا تُعدّ النزاهة مجرد مثال أخلاقي، بل هي شكل من أشكال البنية التحتية الاجتماعية: غير مرئية إلى حد كبير عندما تكون فعّالة، وواضحة وضوح الشمس عندما تكون غائبة.

* مجلة «فاست كومباني».


علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي
TT

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

قبل أسابيع، راسل أحد طلاب المرحلة الثانوية، عالم الرياضيات مارتن هايرر، المعروف بإبداعاته المذهلة. كان الطالب المراهق يطمح لأن يصبح عالم رياضيات، ولكن الشكوك بدأت تراوده مع صعود الذكاء الاصطناعي، كما كتبت شيوبان روبرتس (*).

هل ستفقد الرياضيات سحرها؟

قال الطالب في رسالته: «من الصعب فهم ما يحدث حقاً. يبدو أن هذه النماذج تتحسن يوماً بعد يوم، وسرعان ما ستجعلنا عاجزين عن العمل».

وتساءل: «إذا كانت لدينا آلة أفضل منا بكثير في حل المشكلات، ألا تفقد الرياضيات جزءاً من سحرها؟».

ويقسم هايرر -الحائز على «ميدالية فيلدز» عام 2014، وهي أرفع جائزة في الرياضيات، و«جائزة بريكثرو» المرموقة عام 2021- وقته بين المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، وجامعة «إمبريال كوليدج» في لندن. وفي رده على الطالب، أشار إلى أن كثيراً من المجالات تواجه خطر التقادم الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

الباحث مارتن هايرر

​الذكاء الاصطناعي لا يولِّد فكرة ولا يصوغ مفهوماً

قال هايرر: «أعتقد أن الرياضيات في الواقع مجالٌ آمنٌ تماماً». وأشار إلى أن نماذج اللغات الكبيرة، وهي التقنية الأساسية في برامج الدردشة الآلية، أصبحت الآن بارعة في حلّ مسائل مُصطنعة. ولكنه أضاف: «لم أرَ أي مثالٍ مُقنعٍ لنموذج لغة كبير يتوصل إلى فكرة، أو يصوغ مفهوماً جديداً حقاً».

البرهان الأول

ذكر هايرر هذا الكلام في أثناء مناقشة ورقة بحثية جديدة بعنوان «البرهان الأول» (First Proof)، شارك في كتابتها مع عددٍ من علماء الرياضيات، من بينهم محمد أبو زيد من جامعة ستانفورد، ولورين ويليامز من جامعة هارفارد، وتمارا كولدا التي تُدير شركة «ماث ساي. إيه آي» (MathSci.ai) الاستشارية في منطقة خليج سان فرانسيسكو.

قياس الكفاءة الرياضية للذكاء الاصطناعي

وتصف الورقة البحثية تجربة بدأت أخيراً؛ حيث تم جمع أسئلة اختبارٍ حقيقية، مُستقاة من بحوث غير منشورة بعد لهؤلاء المؤلفين، وذلك بهدف توفير مقياسٍ ذي دلالة للكفاءة الرياضية للذكاء الاصطناعي.

يأمل الباحثون أن يُسهم هذا البحث في إضفاء مزيد من الدقة على الخطاب المُبالغ فيه حول قدرة الذكاء الاصطناعي على «حلِّ» مسائل الرياضيات، وأن يُخفف من آثار هذه الضجة، مثل تنفير طلاب الجيل القادم وإبعاد ممولي البحوث.

شكوك في القدرة على حل مسائل رياضية بحثية

وكتب الباحثون: «مع أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية قد وصلت بلا شك إلى مستوى يجعلها أدوات مفيدة لعلماء الرياضيات، فإنه لم يتضح بعد مدى قدرة هذه الأنظمة على حلّ مسائل رياضية بحثية بمفردها، دون تدخل خبير».

تقييم مختلف للشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي

وتستخدم شركات الذكاء الاصطناعي ما يصفها بعض علماء الرياضيات بأنها مسائل «مُصطنعة» أو «مُقيّدة» لتقييم أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقياس كفاءتها عند العمل دون مساعدة بشرية. وفي بعض الأحيان يُدعى علماء الرياضيات للمساهمة، ويتقاضون نحو 5 آلاف دولار أميركي لكل مسألة.

الباحث محمد أبو زيد

رفض علماء الرياضيات خدمة الشركات

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد أي صلة بين مؤلفي مشروع «فيرست بروف» وبين شركات الذكاء الاصطناعي.

في أبريل (نيسان) الماضي، رفض محمد أبو زيد، الحائز على جائزة «آفاق جديدة في الرياضيات» عام 2017، دعوة مماثلة. وقال: «أعتقد أنه ينبغي بذل جهد أوسع نطاقاً؛ جهد مستقل وعلني». وأضاف أن «فيرست بروف» (البرهان الأول) هي المحاولة الأولى.

الباحثة لورين ويليامز

من جهتها، قالت لورين ويليامز، الحاصلة على زمالة «غوغنهايم» و«ماك آرثر» أخيراً: «الهدف هو الحصول على تقييم موضوعي لقدرات الذكاء الاصطناعي البحثية».

اختبارات نماذج الدردشة

في هذه التجربة، ساهم كل مؤلف (يمثلون مجالات رياضية متنوعة) بسؤال اختباري واحد استُخلص من بحث كانوا يعملون عليه ولم ينشروه بعد. كما حددوا الإجابات. وتم تشفير هذه الحلول على الإنترنت حتى نشرها يوم الجمعة المقبل.

وقالت تمارا كولدا، وهي إحدى عالمات الرياضيات القليلات اللواتي انتُخبن عضوات في الأكاديمية الوطنية للهندسة: «الهدف هنا هو فهم الحدود: إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتجاوز بيانات التدريب والحلول الموجودة التي يجدها على الإنترنت؟».

أجرى الفريق اختبارات أولية على نموذج «ChatGPT-5.2 Pro» من شركة «أوبن إيه آي» ونموذج «Gemini 3.0 Deep Think» من «غوغل». وكتب الباحثون أنه عند إعطاء النموذج فرصة واحدة فقط للإجابة: «تواجه أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتاحة للجمهور صعوبة في حل كثير من مشكلاتنا».

«التخمير الأولي لصنع العجينة»

ويقدم الباحثون في مقدمة البحث شرحاً لعنوانه –بمقارنته مع عملية صنع رغيف الخبز- قائلين: «عند صنع الخبز، فإن البرهان الأول -أي عملية التخمير الأولي لمجموع العجينة- تعد خطوة حاسمة؛ حيث تُترك عجينة الخبز بأكملها لتتخمر ككتلة واحدة، قبل تقسيمها وتشكيلها إلى أرغفة».

وبعد نشر فريق البحث المجموعة الأولى من مسائل الاختبار، فإنه يدعو المجتمع الرياضي لاستكشافها. وبعد بضعة أشهر، وبعد تبادل الآراء والأفكار، ستُجرى جولة ثانية أكثر تنظيماً لتقييم الأداء باستخدام مجموعة جديدة من المسائل.

وكان الفريق قد نشر «البرهان الأول» في الوقت المناسب تماماً لـ«يوم أويلر» -7 فبراير (شباط)- الذي سُمّي تيمناً بعالم الرياضيات السويسري ليونارد أويلر من القرن الثامن عشر. يتوافق التاريخ مع «عدد أويلر»، وهو ثابت رياضي متعدد الاستخدامات، مثل «باي-pi » (ط- النسبة الثابتة للدائرة)؛ ويساوي تقريباً 2.71828. ويُرمز له بالحرف (العدد الثابت ه) «e».

ويعتمد تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على الشبكات العصبية على تقنية اكتشفها أويلر لحل المعادلات التفاضلية العادية، وتُعرف باسم «طريقة أويلر».

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».


علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
TT

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا

نجح علاج مناعي جديد طوره باحثو جامعة بنسلفانيا الأميركية في تدمير الخلايا السرطانية بفاعلية تضاهي العلاجات الحالية، لكن من دون التسبب في إضعاف جهاز المناعة، وهو أحد أخطر آثار العلاجات المتوفرة اليوم.

استهداف خلايا الأورام

أظهرت التجارب على فئران مصابة بالسرطان، أن العلاج يستهدف خلايا الأورام بدقة عالية ويترك الخلايا المناعية السليمة دون ضرر، ما يفتح الباب أمام جيل أكثر أماناً من علاجات السرطان. وقد يمهّد أيضاً لاستخدامه مستقبلاً في علاج بعض أمراض المناعة الذاتية.

وتشير النتائج التي نشرت في مجلة «Science Translational Medicine» بتاريخ 4 فبراير(شباط) 2026، إلى أن علاجات السرطان المستقبلية قد تصبح أكثر أماناً ودقة، ما قد يساعد المرضى في تجنّب العدوى الخطيرة التي كثيراً ما ترافق العلاجات الحالية.

نهج جديد في هندسة الخلايا المناعية

يُعدّ «العلاج بالخلايا التائية المستقبلة للمستضدات الخيمرية» المعروف باسم «CAR-T» من أكثر التطورات إثارة في علاج السرطان، إذ يعتمد على أخذ خلايا المناعة الخاصة بالمريض المعروفة بالخلايا التائية (T cells) وإعادة هندستها وراثياً في المختبر، لتصبح قادرة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أفضل.

ويزوّد العلماء هذه الخلايا ببروتينات خاصة تُسمّى «مستقبلات المستضدات الخيمرية» chimeric antigen receptors (CARs) تعمل كأنها أجهزة توجيه يساعد الخلايا المناعية في تحديد جزيئات محددة على سطح الخلايا السرطانية وتدميرها.

علاجات اللمفوما واللوكيميا

وقد اعتمد معظم علاجات «CAR-T» خلال السنوات الماضية، على استهداف جزيء يُعرف باسم «CD19» يوجد على سطح الخلايا البائية (B cells)، وهي نوع من خلايا المناعة التي قد تتحول إلى خلايا سرطانية في أمراض الدم مثل اللمفوما (Lymphoma) واللوكيميا (Leukemia). وقد نجح هذا الأسلوب في إنقاذ حياة عدد كبير من المرضى، لكنه لم يخلُ من مشكلة مهمة.

ولا يوجد جزيء «CD19» فقط على الخلايا السرطانية؛ بل يوجد أيضاً على الخلايا البائية السليمة. وهذا يعني أن العلاج يهاجم النوعين معاً فيقضي على الخلايا السرطانية، لكنه يدمّر في الوقت نفسه جزءاً مهماً من جهاز المناعة.

ونتيجة لذلك، قد يبقى المرضى بعد العلاج بجهاز مناعي ضعيف، ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى لفترات طويلة قد تمتد لسنوات. ولهذا، يؤكد العلماء أن أكبر تهديد صحي بعد الشفاء من اللمفوما، غالباً ما يكون العدوى، وهو ما يدفع الباحثين إلى البحث عن طرق علاجية جديدة أكثر دقة وأماناً.

استهداف السرطان دون إيذاء الخلايا السليمة

ويركّز العلاج الجديد على هدف مختلف هو جين يُسمّى «IGHV4-34»، وهو جين يلعب دوراً في الاستجابة المناعية، ويظهر بمستويات مرتفعة في بعض الخلايا السرطانية، خصوصاً في نوع شائع من سرطانات الدم يُعرف باللمفوما البائية كبيرة الخلايا المنتشرة (diffuse large B-cell lymphoma). والأهم من ذلك أن هذا الجين نادراً ما يوجد في الخلايا السليمة.

وطوّر الباحثون بقيادة إيفان كوهين من مركز العلاجات المناعية الخلوية بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية وآخرون، علاج «CAR-T» جديداً باسم «CART4-34» صُمّم خصيصاً لاستهداف الخلايا البائية التي تحمل هذا الجين. وعند اختباره على فئران معدلة وراثياً مصابة باللمفوما، كانت النتائج لافتة، حيث دمّر العلاج الخلايا السرطانية بفاعلية مماثلة للعلاج التقليدي. ولم يهاجم الخلايا البائية السليمة. وبقي جهاز المناعة سليماً إلى حد كبير؛ وهو ما يعني أن المرضى قد يحصلون مستقبلاً على علاج قوي للسرطان دون فقدان قدرتهم على مقاومة العدوى.

إمكانات تتجاوز علاج السرطان

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على السرطان فقط؛ بل قد تمتد إلى علاج أمراض المناعة الذاتية، حيث يهاجم جهاز المناعة أنسجة الجسم عن طريق الخطأ. ومن أبرز هذه الأمراض «الذئبة الحمراء» (Lupus)، وهي حالة مزمنة قد تؤثر في الجلد والمفاصل والأعضاء. ويُنتج كثير من مرضى الذئبة أجساماً مضادة ضارة مرتبطة بجين «IGHV4-34».

وعند اختبار العلاج الجديد باستخدام خلايا مأخوذة من مرضى الذئبة، تمكّنت الخلايا التائية المهندسة من تدمير الخلايا المسؤولة عن إنتاج هذه الأجسام المضادة، مع الحفاظ على الخلايا المناعية السليمة. ورغم أن العلاج لا يضمن الشفاء من الذئبة حتى الآن، فإنه قد يشكّل جزءاً من استراتيجيات علاجية أكثر دقة في المستقبل.

الطريق ما زال طويلاً

لقد غيّر علاج «CAR-T» حياة بعض المرضى المصابين بسرطانات متقدمة، لكنه لا يزال علاجاً قوياً ومحفوفاً بالمخاطر، إذ يعاني كثير من المرضى من ضعف شديد في المناعة وارتفاع خطر الإصابة بالعدوى وفترات تعافٍ طويلة. لذلك فإن علاجاً يدمّر الخلايا السرطانية دون الإضرار بالخلايا المناعية السليمة قد يُحدث تحولاً كبيراً في جودة حياة المرضى بعد العلاج. كما قد يجعل هذا النوع من العلاج مناسباً لعدد أكبر من المرضى الذين لا يمكنهم حالياً تحمّل مخاطره.

ويؤكد العلماء أن العلاج لا يزال في مراحله المبكرة رغم الحماس، إذ اختُبر حتى الآن على الحيوانات وخلايا بشرية في المختبر فقط. ويستعد الباحثون لإطلاق تجارب سريرية أولية على البشر لاختبار أمان العلاج وتحديد الجرعات المناسبة. كما يشير الخبراء إلى أن العلاج لن يفيد جميع المرضى، لأن جين «IGHV4-34» موجود في نحو 60 في المائة فقط من حالات اللمفوما.

خطوة نحو الطب الدقيق

يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تقود إلى إنشاء مجموعة واسعة من علاجات «CAR-T» المخصصة التي تستهدف علامات جزيئية مختلفة في السرطان وأمراض المناعة الذاتية. وقد يتمكن الأطباء في المستقبل من تحليل الورم لدى المريض واختيار العلاج الأنسب من بين مجموعة علاجات مصممة خصيصاً لكل حالة.

ويمثل هذا العلاج مثالاً قوياً على الاتجاه المتزايد نحو الطب الدقيق الذي يهدف إلى استهداف المرض بدقة عالية مع تقليل الأضرار الجانبية. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات، فإن النتائج الأولية تبعث على التفاؤل، وقد تمهّد الطريق لعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.