رحلة هاري كين المذهلة... من مباراة شامروك روفرز إلى مواجهة مانشستر سيتي

كين بعد هدفه التاريخي في شباك مانشستر سيتي (أ.ف.ب)
كين بعد هدفه التاريخي في شباك مانشستر سيتي (أ.ف.ب)
TT

رحلة هاري كين المذهلة... من مباراة شامروك روفرز إلى مواجهة مانشستر سيتي

كين بعد هدفه التاريخي في شباك مانشستر سيتي (أ.ف.ب)
كين بعد هدفه التاريخي في شباك مانشستر سيتي (أ.ف.ب)

لا يزال المهاجم الإنجليزي الدولي هاري كين، يتذكر يوم 15 ديسمبر (كانون الأول) 2011 «كما لو كان بالأمس». كان توتنهام متقدماً بثلاثية نظيفة على شامروك روفرز في الدوري الأوروبي، ورغم أن المباراة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة في الدقيقة 90، لكن كان لا يزال هناك متسع من الوقت لهدف آخر، بات يُنظر إليه الآن على أنه نقطة انطلاق كين، الذي أصبح الآن واحداً من أعظم اللاعبين في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.
يقول كين، «أرسل داني روز كرة عرضية، لعبها أندروس تاونسند برأسه للخلف، ثم استدرت أنا ولعبت الكرة لتمر داخل الشباك من بين قدمي حارس المرمى». كان هذا هو أول هدف يحرزه هاري كين مع توتنهام. ورغم أن اللاعب البالغ من العمر 18 عاماً آنذاك لم يحتفل بطريقة صاخبة وكان هادئاً، لكنه كان يقفز فرحاً من داخله. يقول كين: «انتابني شعور استثنائي لمجرد اللعب لتوتنهام في هذه السن وتسجيل هدف».
يقولون إن المهاجمين الأفذاذ يتذكرون كل التفاصيل المتعلقة بأي هدف يحرزونه، لأنهم لا يفكرون سوى في إحراز الأهداف وهز الشباك. لكن كين يقول: «لا أعرف شيئاً عن ذلك، لكن إذا سألتني عن مباراة بعينها فمن المحتمل أن أخبرك بطبيعة الهدف الذي أحرزته فيها. لا أريدك أن تختبرني في هذا الأمر، وتطلب مني الإجابة سريعاً!»، ويضيف: «لكن كل هدف تكون له مكانة خاصة بطريقة مختلفة، ولا يمل المهاجم أبداً من تسجيل الأهداف، فتسجيل الأهداف يمنحني أعظم شعور على الإطلاق. لكنني أستمتع باللحظة في وقتها وحسب».
وفي تمام الساعة 4.45 مساء من يوم الأحد الماضي، أحرز هاري كين هدفاً سيظل خالداً في ذاكرته وفي سجلات كرة القدم إلى الأبد، في مرمى حارس مانشستر سيتي، إيدرسون، حيث كان هذا الهدف رقم 267 لهاري كين مع توتنهام، ليصبح الهداف التاريخي للنادي بعدما كسر الرقم القياسي الذي كان يحمله اللاعب العظيم جيمي غريفز. (توتنهام لم يحتسب الهدفين اللذين سجلهما غريفز في مرمى إيبسويتش تاون في بطولة الدرع الخيرية عام 1962).
في تلك اللحظة، وبينما كان كين يشير بيديه في الهواء ويلوح لأفراد عائلته الموجودين بين الجماهير، بدا الأمر وكأن الزمن يتوقف لكي يكتب هذه اللحظة التاريخية. وكُتب على الشاشة الكبيرة في ملعب «توتنهام هوتسبر» عبارة «مبروك هاري» احتفالاً بهذا الإنجاز الكبير. وبدءاً من مباراة شامروك روفرز ووصولاً إلى مباراة مانشستر سيتي، خاض هاري كين رحلة مذهلة لم يتوقعها أي شخص عندما كان كين يتنقل من ناد إلى آخر على سبيل الإعارة لتطوير مستواه واكتساب الخبرات اللازمة. وحتى عندما قدم كين مستويات استثنائية مع توتنهام في موسم 2014 - 2015، قال كثيرون إنه من نوعية اللاعبين الذين يتألقون لمدة موسم واحد ثم يختفون بعد ذلك.

كين يحتفل بأول أهدافه مع توتنهام أمام فريق شامروك روفرز في الدوري الأوروبي عام 2011 (غيتي)

وغالباً ما يُشار إلى نقطة التحول في مسيرة هاري كين على أنها تلك اللحظة التي شارك فيها بديلاً أمام أستون فيلا في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 ليسجل هدف الفوز في الدقيقة 90 من ضربة حرة مباشرة بشكل رائع، ليصبح بعد ذلك الخيار الأول للمدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، في خط هجوم السبيرز. لكن كين يعتقد أن مباراة أخرى هي التي كانت بمثابة نقطة التحول الأكبر في مسيرته الكروية، وهي المباراة التي فاز فيها توتنهام على تشيلسي بخمسة أهداف مقابل ثلاثة على ملعبه في يوم رأس السنة الجديدة، وهي المباراة التي سجل فيها كين هدفين، وتسبب خلالها في حالة من الذعر والارتباك لمدافع البلوز غاري كاهيل. يقول كين: «كان تشيلسي واحداً من أفضل الفرق في أوروبا في الوقت ذلك، وكان يتصدر جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز. كان قد سبق لي أن قدمت أداءً جيداً وسجلت أهدافاً ضد فرق أخرى، لكن هذه كانت المرة الأولى التي أفعل فيها هذا أمام أحد الأندية الكبرى».
ويضيف: «لم يكن الأمر يتعلق بإحرازي للأهداف فقط، لكن بالمستوى الذي قدمته ككل. شهدت هذه المباريات أحد أفضل المستويات التي قدمتها بقميص توتنهام على الإطلاق. لقد منحني ذلك الثقة التي كنت أحتاج إليها لكي أعرف أنني أستطيع أن أفعل ذلك ضد أي فريق آخر، في أي وقت. كانت تلك هي اللحظة التي شعرت فيها بأنني قادر على البقاء وسط الكبار وعلى تقديم مستويات قوية وثابتة في حال مواصلة العمل بشكل جاد».
سجل هاري كين 267 هدفاً، وهو عدد كبير للغاية، لكن ما هي الأهداف المفضلة لكين من بين كل هذه الأهداف؟ يقول النجم الإنجليزي الدولي: «من الصعب أن أختار هدفاً بعينه، لكنني قد أختار هدفين سجلتهما في مرمى آرسنال على ملعب (وايت هارت لين): الأول ذلك الهدف الذي سجلته بالرأس في أول مباراة لي في ديربي شمال لندن، والثاني ذلك الهدف الذي أحرزته من تسديدة من ناحية اليسار، فهذان الهدفان يظلان في ذاكرتي دائماً».
وتألق كين بشكل خاص أمام آرسنال، ففي فبراير (شباط) من عام 2015، سجل كين هدف التعادل في مرمى آرسنال، قبل أن يعود ويخطف هدف الفوز في الدقيقة 86، وفي مارس (آذار) 2016 عاد كين ليتألق من جديد أمام «المدفعجية» ويسجل هدفين مذهلين: الأول من لمسة واحدة بعدما حول الكرة العرضية التي لعبها له ديلي آلي إلى داخل الشباك؛ والثاني في الزاوية البعيدة للمرمى من على حافة منطقة الجزاء من ناحية اليسار، لتصبح النتيجة تقدم توتنهام بهدفين مقابل هدف وحيد، لكن آرسنال تمكن من إدراك هدف التعادل لتنتهي المباراة بالتعادل بهدفين لكل فريق.
يقول كين، «لن أنسى أيضاً الهدف الذي أحرزته مؤخراً في مرمى مانشستر سيتي، وسأضيفه إلى قائمة الأهداف المهمة بالنسبة لي»، مشيراً إلى أن السبب في ذلك يعود إلى أنه كان هدف الفوز في المباراة والحصول على ثلاث نقاط ثمينة، وهو الأمر الذي سيشعل حماس توتنهام فيما تبقى من الموسم. يقول كين: «الأمر يتعلق بأجواء المباراة، وبالمناسبة التي تم إحراز هذا الهدف فيها - هدف استثنائي وليلة استثنائية حصلنا فيها على النقاط الثلاث».
وأحرز كين جميع أهدافه في الدوري الإنجليزي الممتاز مع نادٍ واحد فقط، وهو توتنهام، وهو ما لم يحدث مع شيرار أو روني أو غريفز، وبالتالي سيكون الأمر أكثر خصوصية لو نجح كين في كسر الرقم المسجل باسم شيرار في الدوري الإنجليزي الممتاز مع توتنهام فقط! لكن عقد كين مع توتنهام لم يتبق به إلا 12 شهراً فقط، وليس هناك ما يشير إلى أنه مستعد لتمديد تعاقده، وهو ما يعني أنه سيكون هناك الكثير من الجدل والقيل والقال حول مستقبله خلال الفترة المقبلة. ومع ذلك، فإن كين ليس في حالة مزاجية تسمح له بمناقشة هذا الأمر الآن، ويقول عن ذلك: «لقد كانت رحلة رائعة، فأنا ألعب لتوتنهام منذ أن كان عمري 11 عاماً، وهو ما يعني أنني قضيت 18 عاماً من حياتي داخل النادي، وقمت بالكثير من العمل الجاد ولعبت بكل إخلاص وتفان». ويضيف: «أنا فخور للغاية بتمثيل هذا النادي وإحراز 267 هدفاً، من بينها 200 هدف في الدوري الإنجليزي الممتاز. لكنني لن أكتفي أبداً بما قدمته وسأبذل قصارى جهدي من أجل الاستمرار في تقديم المستويات نفسها، وتسجيل أكبر عدد ممكن من الأهداف، وأرى ما سيحدث بعد ذلك».


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.