زلزال لشبونة يشعل معركة فلسفية كبرى بين فولتير وروسو

أسقط المدينة على عروشها وأوقع 100 ألف ضحية على الأقل

صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
TT

زلزال لشبونة يشعل معركة فلسفية كبرى بين فولتير وروسو

صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755

في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1755، ضرب زلزال هائل مدينة لشبونة البرتغالية أدى إلى إسقاط المدينة خائرة على عروشها، وإيقاع مائة ألف ضحية على الأقل. لقد هز هذا الزلزال كل العقول المثقفة في أوروبا آنذاك. لقد صدمهم، أذهلهم، دوخهم. ولكن نظراً لعدم وجود وسائل تواصل سريع في ذلك الزمان فإن فولتير، المقيم في جنيف، لم يسمع به إلا يوم 24 نوفمبر؛ أي بعد أكثر من 20 يوماً على حصوله. لم يكن هناك تليفون ولا راديو ولا تلفزيون ولا إنترنت، وإلا لسمع به على الفور في اللحظة التي حصل فيها. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين عصر فولتير في القرن الثامن عشر، وعصرنا نحن في القرن الحادي والعشرين. كم نحن محظوظون! كم نحن سعداء! نحن أباطرة دون أن ندري! كل واحد منا فرعون صغير يتربع على عرشه ويتفلسف على البشرية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك فإننا نتشاكى ونتباكى. هل كان فولتير يستطيع أن يتخيل حجم التقدم الهائل الذي سيحصل بعد موته، وهو الذي فعل كل شيء من أجل هذا التقدم؟ نعم إلى حد ما. كان يقول دائماً: نحن نزرع والأجيال المقبلة تحصد. نحن لن نرى بأم أعيننا ثمرات جهودنا وتعبنا وعرق جبيننا. نحن سنموت في ظل الظلامية الدينية والخرافات والشعوذات ولن نرى أول خيوط الفجر. ولكن ما هم! المهم أن ينتصر التنوير، وأن تستمتع به الأجيال المقبلة. التقدم سوف يحصل حتماً، وسوف يشع بأنواره على كل أوروبا، وربما على البشرية بأسرها. وهذا ما حصل بالفعل بعد موته وموت جيله التنويري العظيم كله.

روسو     -     فولتير

لكن لنعد إلى موضوعنا الأساسي. ماذا فعل زعيم الأنوار الفرنسية عندما سمع بالخبر الصاعق؟ يقال إنه دخل في حالة من الهم والغم لا توصف، وراح يتخيل آلام الضحايا وصرخات المفجوعين من تحت الأنقاض. وجن جنونه! راح يطلق صرخات الغضب في كل الاتجاهات حتى وصل إلى العناية الإلهية ذاتها. أستغفر الله! لماذا كل هذا العذاب يا رب؟ لماذا كل هذه الآلام والفواجع؟ لماذا كل هذا الشر في العالم؟ لماذا لم تمنعه بما أنك قادر على كل شيء؟ ثم تراجع قليلاً واعتذر لأنه مؤمن بالله ولا يمكن أن يكفر به مهما حصل. وعندئذ أصدر «قصيدة برشلونة» التي يطرح فيها كل هذه التساؤلات الفلسفية والميتافيزيقية. وراح يصب جام غضبه على الفيلسوف الألماني الكبير لايبنتز؛ لأنه قال إن الله خلق العالم على أحسن تقويم، وإنه أفضل العوالم الممكنة، وإنه مهما حصل ويحصل لا يحق لنا أن نشتكي على الإطلاق؛ لأنه ما كان بالإمكان أفضل مما كان. وهذه هي الفلسفة التفاؤلية التي أشاعها المفكر الألماني العظيم في الأوساط المثقفة الأوروبية، بدءاً من القرن السابع عشر. انظر كتابه الشهير الصادر عام 1710 بعنوان طويل هو: «مقالات عن علم الربوبية الخاصة بالطيبة الإلهية والحرية البشرية وأصل الشر». لقد سخر فولتير من هذا الكتاب وتصوراته عن العالم في قصيدة برشلونة هذه، واعتبر أن لايبنتز شخص «مغفل»، في حين أنه يوجد شبه إجماع على أنه آخر «العمالقة والعباقرة الكونيين». فهل يعقل أن يكون فيلسوف الألمان مغفلاً أو ساذجاً إلى مثل هذا الحد؟ السؤال الفلسفي الميتافيزيقي الذي طرحه لايبنتز هو التالي: كيف يمكن أن نوفق بين شيئين متناقضين ظاهرياً؟ المقصود: كيف يمكن أن نوفق بين وجود إله طيب ومهيمن وعادل وجبار من جهة، ووجود الشر والمصائب والكوارث الطبيعية من جهة أخرى؟ جواب لايبنتز هو أن العالم كما نعرفه هو أفضل العوالم الممكنة. ولا يمكن أن يوجد عالم آخر أفضل منه، رغم كل الشرور التي قد تحصل فيه؛ وذلك لأن هذه الشرور قد تكون مقدمة ضرورية لخير أعظم يعوض عنها لاحقاً ويغطي عليها. «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» صدق الله العظيم. ثم يقول لنا لايبنتز هذا الكلام الجوهري: الألم والقلق والمشاكل هي «ملح العالم» إذا جاز التعبير. ما معنى عالم من دون مشاكل وهموم وتحديات؟ على قدر أهل العزم تأتي العزائم! ما معنى حياة كلها سهولة وسعادة وسرور وحبور على طول الخط؟ كم هي مملة؟ لا تعرف طعم الحلو إن لم تذق طعم المر! ما أجمل لحظات السعادة عندما تجيء بعد لحظات التعاسة والقلق والهم. ما أجمل اللقاء بعد الفراق. وبالتالي فالشر والألم والقلق هي شروط إجبارية لتحقق الخير، إنها وسائل للتوصل إلى اكتمالٍ أعظم لاحقاً.
لقد سخر فولتير من أطروحة لايبنتز وتهكم بها، بل شوّهها قليلاً أو كثيراً عندما قال ما معناه: «كل شيء على ما يرام في أفضل العوالم يا جماعة! افرحوا يا ناس بزلزال لشبونة وموت الأطفال والأمهات! افرحوا بالأنقاض والحطام على مد النظر! فعلاً إنكم أغبياء يا بشر! لماذا لا تحمدون الله على كل هذه النعمة؟ إلخ». هل زادها فولتير «شوية» هنا؟ حتماً زادها. لايبنتز لم يقل ذلك. لايبنتز لم يقل بأن العالم «كامل»، وإنما قال إنه أفضل العوالم الممكنة، وإن الشر مقلّص فيه إلى أقصى حد ممكن. وإلا لكان زلزال لشبونة قد حصل كل يوم أو كل شهر. هذا هو شر العوالم الممكنة فعلاً. وبالتالي فزلزال لشبونة هو استثناء لا يتكرر، وبالفعل لم يتكرر في هذه المدينة منذ عام 1755 وحتى اليوم؛ أي منذ 267 سنة على الأقل.
لكن بعد كل هذه الديباجات والتعريجات والتخريجات، ما علاقة جان جاك روسو بالموضوع؟ لماذا حشرناه هنا، بل حتى في العنوان؟ علاقته أكثر من علاقة؛ وذلك لأن فيلسوف جنيف سوف يفحم فولتير ويقدم تفسيراً آخر لكارثة لشبونة، ولوجود الشر المستطير في العالم، وسوف يكون جوابه أقرب إلى فكر لايبنتز، ولكنه سيتجاوزه أيضاً. إنه تفسير فلسفي من أعمق ما يكون. وقد عبر عن ذلك أقوى تعبير عندما أصدر رسالته الشهيرة عن «العناية الإلهية». كل شيء يحصل كما لو أن جان جاك روسو أراد أن يقول لفولتير: عيبٌ عليك! كفّ عن هذه النزعات الصبيانية! في كل مرة يحدث فيها حادث ما تتهمون الله والقدرة الإلهية وتنسون أنفسكم. المسؤولية تقع على البشر لا على الله جل جلاله يا سيد فولتير. هذه اتهامات سهلة لا تليق بمفكر كبير مثلك. أحياناً نسمع الأمهات وهن يصرخن ثكلى مفجوعات رافعات رؤوسهن نحو السماء: يا رب لماذا مات طفلي؟ لماذا أخذته؟ وهن معذورات. ونحن ننحني أمام صرخات الأمهات. والجنة تحت أقدام الأمهات. ولكن فولتير كمفكر كبير غير معذور. المفكر الكبير يرى إلى أبعد من أنفه أو يفترض ذلك. ثم يضيف روسو: العناية الإلهية التي هي كلها خير وعدل وبركة وحكمة ليست مسؤولة إطلاقاً عما حصل. البشر هم وحدهم المسؤولون. لو أنهم بنوا بيوتهم بشكل متفرق ومتباعد على مساحات واسعة محيطة بالعاصمة البرتغالية بدلاً من بنائها متكدسة بعضها فوق بعض لكانت الخسائر أقل بكثير. وثانياً لو أن أهالي لشبونة غادروا منازلهم على الفور ما إن ابتدأت جدران منازلهم تهتز، بدلاً من أن يحاولوا حمل ثيابهم وحوائجهم والبحث عن فلوسهم وذهبهم... إلخ، لخفت الخسائر كثيراً أيضاً، ولربما انعدمت في نهاية المطاف.
نلاحظ أن محاجّة روسو قيّمة، ولكن كان يصعب تحقيقها في ذلك الزمان؛ لأن العلم التكنولوجي لم يكن قد تقدم كثيراً كما في عصرنا. فمثلاً اليابان المشهورة بالزلازل ما عادت تخشاها؛ لأنها بنت البنايات بطريقة معينة تجعلها قادرة على مقاومة الهزات الأرضية بكل فاعلية. ثم علّمت الشعب كيفية التصرف لحظة حصولها. واستبطن اليابانيون ذلك في سلوكهم اليومي. ويقال إنه في عام 2011 حصل زلزال هائل في اليابان بقوة 9 ريختر، ومع ذلك لم تتأثر البلاد به، ولم تتساقط ناطحات السحاب، بل لم يتوقف 27 قطاراً فائق السرعة، وسارت الأمور وكأن شيئاً لم يكن. من يصدق ذلك؟ هنا تكمن معجزة الحداثة. وهذا ما عناه جان جاك روسو ضمنياً. ولكن منطقتنا، بما فيها تركيا وسوريا، ليست متقدمة ولا غنية كبلد كبير وجبار كاليابان. ولا تستطيع أن تضخ مئات المليارات من الدولارات في بناء المساكن المضادة للزلازل.
أخيراً، اسمحوا لي أن أتحدث عن زلزال آخر لا أحد يتحدث عنه. عنيت به الزلزال الطائفي والمذهبي الذي يخترق المنطقة منذ عقود، والذي دمرها أكثر من هذا الزلزال الأرضي الجيولوجي الأخير. فهل ستكون هذه الظروف العصيبة فرصة سانحة لمحاسبة الضمائر، وللتوقف عن الأحقاد والصغائر؟ هل يمكن أن تدفع الجميع إلى التقارب والتضامن والتآخي لمواجهة المصاب المشترك بدلاً من التباعد والكراهية، وكأننا لسنا شعباً واحداً في نهاية المطاف؟ هذا هو السؤال الذي يخطر على بالي في هذه اللحظة بالذات. ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون الزلزال الطائفي الذي يكتسح المنطقة أقوى بكثير من زلزال الطبيعة وهيجاناتها وانفجاراتها!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended