لماذا يريد الزعيم الكوري الشمالي أن تُسلط الأضواء على ابنته؟

باحث يرجح توليها منصب القائد الأعلى للجيش مستقبلاً

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وابنته جو آي خلال حضور عرض عسكري للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجيش الشعبي الكوري في ساحة كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ ( وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية - أ.ف.ب)
زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وابنته جو آي خلال حضور عرض عسكري للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجيش الشعبي الكوري في ساحة كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ ( وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية - أ.ف.ب)
TT

لماذا يريد الزعيم الكوري الشمالي أن تُسلط الأضواء على ابنته؟

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وابنته جو آي خلال حضور عرض عسكري للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجيش الشعبي الكوري في ساحة كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ ( وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية - أ.ف.ب)
زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وابنته جو آي خلال حضور عرض عسكري للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجيش الشعبي الكوري في ساحة كيم إيل سونغ في بيونغ يانغ ( وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية - أ.ف.ب)

لفتت فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها العشرة أعوام الأنظار في عرض عسكري بكوريا الشمالية الأربعاء. وفي صور بثها الإعلام الرسمي، ظهرت جو آي بجانب والدها الزعيم الكوري الشمالي محاطة بأبرز الشخصيات الرسمية الرفيعة في البلاد.
الفتاة، التي يعتقد أنها الطفلة الثانية لكيم جونغ أون، تبلغ من العمر نحو 9 سنوات، وقد انضمت إلى والدها ووالدتها في مأدبة مبهرة خلال زيارة لثكنة عسكرية في بيونغ يانغ ليلة الثلاثاء الماضي، وفي اليوم التالي شاهدت الفتاة ما لا يقل عن 11 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات (ICBM) القادرة على حمل رؤوس حربية نووية، في عرض للصواريخ الباليستية هو الأكبر حتى الآن، أقيم في ساحة كيم إيل سونغ في العاصمة الكورية الشمالية.

ورغم أن الغموض يحيط بالعائلة الكورية الشمالية الحاكمة، إذ أن وسائل الإعلام الرسمية لم تشر مسبقا إلى أطفال كيم، تفيد تكهنات بأنهم ثلاثة. ويعتقد أن أعمارهم تبلغ نحو 13 و10 و6 سنوات. وجاء التأكيد الوحيد لوجودهم من النجم السابق لدوري كرة السلة الأميركي دينيس رودمان الذي ذكر أنه التقى ابنة كيم الرضيعة حينها جو آي خلال زيارة قام بها إلى كوريا الشمالية عام 2013، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتفقدت ابنة كيم حرس الشرف بعدما ظهرت عدة مرات في مناسبات رسمية رفيعة، ما يثير تكهنات بشأن إعدادها لتكون وريثته. ووصف الإعلام الرسمي الكوري الشمالي جو آي بأنها ابنة كيم «المحبوبة» و«المحترمة» وظهرت وهي تسير بينما أمسك والدها بيدها وظهرت والدتها تسير خلفهما.
https://www.youtube.com/watch?v=h8TBR-UVi_s
* خليفة أبيها
اعتبرت شبكة «سي إن إن» الأميركية أن الزعيم الكوري الشمالي يريد أن يقول للعالم شيئين بظهور ابنته، أولا أن عائلة كيم ستحكم كوريا الشمالية لجيل آخر. وثانيا أن هذه العائلة ستمتلك الأسلحة النووية للتأكد من عدم قدرة أي شخص على تحدي ذلك.
كما أظهرت صور في وسائل إعلام كورية شمالية الفتاة وهي تزور مصنع صواريخ مع والدها أواخر عام 2022، حسبما أفادت «سي إن إن».
وبحسب الباحث في معهد سيجونغ الكوري الجنوبي شيونغ سيونغ - تشانغ، فإن ظهور ابنة كيم «مؤشر على أنه تم تعيينها الخليفة بحكم الأمر الواقع وإن كانت لا تملك بعد وضع (الخليفة) الرسمي»، وتابع لوكالة الصحافة الفرنسية: «يشير ذلك إلى أن كيم جو آي ستتولى منصب القائد الأعلى للجيش مستقبلا».

وعد تشانغ أن هناك سابقة تاريخية لتحديد الخليفة في وقت مبكر جداً، لأن هذا ما فعله كيم جونغ إيل مع ابنه الزعيم الكوري الشمالي الحالي.
ويعود حكم عائلة كيم في كوريا الشمالية إلى عام 1948، عندما تولى الزعيم كيم إيل سونغ السلطة عقب الحرب العالمية الثانية. وعندما توفي كيم إيل سونغ في عام 1994، تولى ابنه كيم جونغ إيل السيطرة على الحكم، وعندما توفي في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2011، وصل ابنه الزعيم الكوري الشمالي الحالي كيم جونغ أون إلى السلطة.
* غياب الشقيقة
وقال مارتن ويليامز، من مركز «ستيمسون» الذي يركز على شؤون كوريا الشمالية، «إن ظهور ابنة كيم في الاحتفال كان لافتا للانتباه. تحاول آلة الدعاية في كوريا الشمالية إظهار كيم جونغ أون كرجل عائلة، لكن غياب ابنته الأخرى كان لافتا للانتباه أيضاً».
وبالنسبة لعائلة كيم، كانت البرامج النووية والباليستية من أهم عوامل بقاء النظام. ويقول ليف إريك إيزلي، الأستاذ في جامعة إيوا في سيول: «بإدراج زوجته وابنته بفخر وتباهٍ، يريد كيم أن يؤكد للمراقبين في الداخل والخارج أن عائلته والجيش الكوري الشمالي مترابطان بشكل لا رجعة فيه».

وقال إيزلي لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الاحتفالات ببناء ترسانة كوريا الشمالية للصواريخ ذات القدرات النووية قد تبدو كمناسبات غريبة لإظهار مشهد لأطفال»، إلا أن «كيم يصور ترسانة بيونغ يانغ النووية على أنها رصيد متعدد الأجيال للأمن القومي مع الإعلان عن ولاء الجيش التام لسلالته السياسية»، وفق إيزلي.
* «رواية» جديدة للنساء
ولطالما كان تولي النساء مناصب سياسية قيادية أمرا مستحيلا في كوريا الشمالية، بحسب رئيسة قسم الإدارة في كلية الأعمال التابعة لجامعة التكنولوجيا في سيدني برونوين دالتن. لكن كوريا الشمالية تشهد تغييرا فيما تحاول القيادة الكورية الشمالية «المحافظة على شرعيتها عبر خلق نسخة جديدة للأنوثة» تعكس التغيرات الاجتماعية التي شهدتها البلاد في العقود الأخيرة.
وأشارت الباحثة إلى أن الأجيال الأصغر سنا «كبرت وهي تبيع وتشتري في الأسواق باستخدام هواتف نقالة والوصول إلى محتوى إعلامي خارجي»، وهو ما أجبر كوريا الشمالية على إعادة النظر في نسختها التقليدية للمرأة المثالية.

وبالفعل، تضم القيادة الكورية الشمالية الحالية، رغم هيمنة الذكور عليها، شخصيات نسائية عالية المستوى تشمل وزيرة الخارجية تشو شون - هوي وشقيقة كيم الأصغر كيم يو جونغ التي تشغل منصب المتحدثة باسم النظام. وقالت دالتن لوكالة الصحافة الفرنسية إن كيم جونغ أون «يترأس ماكينة دعائية تصوغ رواية جديدة عن مكانة النساء».
لكن الدور الأهم لجميع النساء في كوريا الشمالية يبقى «الولاء (للوالد) كيم جونغ أون»، وهو أمر تجسده جو آي بطريقة مثالية.
بدوره، يؤكد آن تشان - إل، المنشق الذي تحول إلى باحث يدير اليوم المعهد العالمي للدراسات الكورية الشمالية، أن تولي امرأة السلطة في كوريا الشمالية يعد أمرا «مستحيلا» في الوقت الحالي. لكنه لفت إلى أن تعريف العامة بها خلال العقد أو العقدين المقبلين مصحوبا بـ«تعليم إيديولوجي» قد يساعد في هذا الصدد. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية «نادرا ما يشكك الكوريون الشماليون في من سيصبح زعيمهم».


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

العالم كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

تعتزم كوريا الشمالية تعزيز «الردع العسكري» ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، منتقدة اتفاق القمة الذي عقد هذا الأسبوع بين البلدين بشأن تعزيز الردع الموسع الأميركي، ووصفته بأنه «نتاج سياسة عدائية شائنة» ضد بيونغ يانغ، وفقاً لما ذكرته وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية. ونشرت وكالة الأنباء المركزية الكورية (الأحد)، تعليقاً انتقدت فيه زيارة الدولة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية يون سيوك - يول إلى الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، ووصفت الرحلة بأنها «الرحلة الأكثر عدائية وعدوانية واستفزازاً، وهي رحلة خطيرة بالنسبة لحرب نووية»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الألمانية. وذكرت وكالة أنباء «

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

حذرت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لتعزيز الردع النووي ضد بيونغ يانغ لن يؤدي إلا إلى «خطر أكثر فداحة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. كانت واشنطن وسيول حذرتا الأربعاء كوريا الشمالية من أن أي هجوم نووي تطلقه «سيفضي إلى نهاية» نظامها. وردت الشقيقة الشديدة النفوذ للزعيم الكوري الشمالي على هذا التهديد، قائلة إن كوريا الشمالية مقتنعة بضرورة «أن تحسن بشكل أكبر» برنامج الردع النووي الخاص بها، وفقا لتصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الكورية الشمالية» اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
العالم شركة تبغ ستدفع 600 مليون دولار كتسوية لانتهاكها العقوبات على بيونغ يانغ

شركة تبغ ستدفع 600 مليون دولار كتسوية لانتهاكها العقوبات على بيونغ يانغ

وافقت مجموعة «بريتيش أميركان توباكو» على دفع أكثر من 600 مليون دولار لتسوية اتهامات ببيعها سجائر لكوريا الشمالية طوال سنوات في انتهاك للعقوبات التي تفرضها واشنطن، كما أعلنت وزارة العدل الأميركية الثلاثاء. في أشدّ إجراء تتخذه السلطات الأميركية ضدّ شركة لانتهاك العقوبات على كوريا الشمالية، وافق فرع الشركة في سنغافورة على الإقرار بالذنب في تهم جنائية تتعلق بالاحتيال المصرفي وخرق العقوبات. وأفادت وزارة العدل الأميركية بأنه بين عامَي 2007 و2017، عملت المجموعة على تشغيل شبكة من الشركات الوهمية لتزويد صانعي السجائر في كوريا الشمالية بسلع. وقال مسؤولون أميركيون إن الشركة كانت تعلم أنها تنتهك عقوبات أم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم كوريا الشمالية: وضعنا كدولة تملك أسلحة نووية حقيقة لا يمكن إنكارها

كوريا الشمالية: وضعنا كدولة تملك أسلحة نووية حقيقة لا يمكن إنكارها

نقلت وكالة الأنباء المركزية الكورية، اليوم الجمعة، عن وزيرة خارجية كوريا الشمالية، تشوي سون هوي، قولها إن وضع البلاد باعتبارها دولة تمتلك أسلحة نووية سيظل حقيقة لا يمكن إنكارها، وإنها ستستمر في بناء قوتها حتى القضاء على التهديدات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها. جاءت تصريحات الوزيرة في بيان ينتقد الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

رفضت كوريا الشمالية، اليوم (الجمعة)، دعوة مجموعة السبع لها إلى «الامتناع» عن أي تجارب نووية أخرى، أو إطلاق صواريخ باليستية، مجددةً التأكيد أن وضعها بوصفها قوة نووية «نهائي ولا رجعة فيه»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». ونددت وزيرة الخارجية الكورية الشمالية تشوي سون هوي بالبيان «التدخلي جداً» الصادر عن «مجموعة السبع»، قائلة إن القوى الاقتصادية السبع الكبرى في العالم تُهاجم «بشكل خبيث الممارسة المشروعة للسيادة» من جانب بلادها. وقالت تشوي في بيان نشرته «وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية» إن «موقف جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بصفتها قوة نووية عالمية نهائي ولا رجوع فيه». واعتبرت أن «(مج

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.