قوات النخبة السعودية.. «إعادة الأمل» من الصومال إلى اليمن

من مهامها حفظ الأمن والسلم الدوليين.. وتملك قدرة فائقة على قلب الموازين في الميدان خلال مدة وجيزة

فهد بن تركي لدى تفقده الوحدات المشاركة في تمرين «شمرخ 1» السعودي الفرنسي في عام 2014 (واس)
فهد بن تركي لدى تفقده الوحدات المشاركة في تمرين «شمرخ 1» السعودي الفرنسي في عام 2014 (واس)
TT

قوات النخبة السعودية.. «إعادة الأمل» من الصومال إلى اليمن

فهد بن تركي لدى تفقده الوحدات المشاركة في تمرين «شمرخ 1» السعودي الفرنسي في عام 2014 (واس)
فهد بن تركي لدى تفقده الوحدات المشاركة في تمرين «شمرخ 1» السعودي الفرنسي في عام 2014 (واس)

كان لافتا مع تحرير عدن من ميليشيات الحوثي والمخلوع علي عبد الله صالح، حضور قوات النخبة السعودية من اللواء المظلي وقوات الأمن الخاصة التابعة للقوات الملكية البرية، التي سجلت الحضور الأول مع عودة بعض وزراء الحكومة اليمنية غداة التحرير.
بهامات رجالها وعلم المملكة المطرز على أكتافهم، والقبعة العسكرية (البيريه) بلونها الأحمر القاني، يسيرون بتميز كبير بين عدد من أفرع القوات البرية المتطورة، يوصفون برجال الحسم في المواقف، وتجاوزوها في عدن بالعمل الإنساني، معيدين التاريخ إلى ما قبل عشرين عاما حين كانت قوات النخبة في الصومال في مهمة الفصل بين المتنازعين في الحرب الأهلية في جمهورية الصومال.
فكما كان لقوات النخبة السعودية دورها الإنساني آنذاك على توزيع المساعدات والإعانات الإنسانية للشعب المنكوب من جراء الشقاق بين الفصائل وتدهور الأوضاع الإنسانية في تلك الدولة، برزت ذات الصورة بشمولية الحدث في اليمن، بقوة الحزم لعودة الشرعية وعين الأمل في الجانب الإنساني الكبير.
في عام 1993 في الصومال، كانت قوات النخبة السعودية تعمل ضمن منظومة أممية ترعاها هيئة الأمم المتحدة لتطبيق السلام و«إعادة الأمل» وفق تسمية المهمة السعودية، فعملت القوات في مهمتها لحراسة واستقبال سفن مواد الإغاثة في ميناء العاصمة البحري المقدمة من المملكة وتوزيعها على الشعب الصومالي.
ساهمت في مرافقة القوافل الإنسانية والإغاثية التابعة للأمم المتحدة داخل وخارج العاصمة مقديشو، وساهمت كذلك في فتح الطرق المغلقة في العاصمة مقديشو من قبل بعض الفصائل الصومالية، علاوة على توزيع مواد الإغاثة المقدمة من هيئة الإغاثة السعودية الرسمية إلى الشعب الصومالي، مع قيامها بواجباتها في فرض الأمن وحماية نقاط مختلفة وحراستها.
وفي اليمن، كان الحضور مشابها لما كان عليه في الصومال، إذ قامت القوات بواجبها وفق الاستراتيجية السعودية التي تدعمها قوات التحالف العربي لإعادة الشرعية وعملية «إعادة الأمل»، فكانت البشائر بعودة بضعة أعضاء من الحكومة إلى عدن التي ستكون مقرا مؤقتا للحكومة مع توالي انتصارات التحالف وتحرير مدن عدة من الاستيلاء الحوثي عليها، فحضرت قوات النخبة ذات الجاهزية العالية لتأمين حماية الشرعية اليمنية بأفرادها، ولحماية الجسر الإغاثي المنقول بحرا وجوا إلى عدن وضواحيها، وبتنسيق عال مع بقية القوات المشاركة في التحالف، لتكون واجهة الحضور والنفوذ.
ورأى الخبير العسكري فهد بن ردة في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن قوات الأمن الخاصة التابعة للقوات المسلحة تتعدد مهامها ويمتلك أفرادها قدرة فائقة على قلب الموازين على الميدان في مدة وجيزة، وأضاف أن أدوارها تختلف وفقا لمنهج المشهد العسكري كاملا، واعتبر أن ظهور تلك القوة اليوم في عدن هو لأغراض الحماية المباشرة لتوزيع الجسر الإغاثي من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. وقال إن للقوات المسلحة بشكل عام دورا تنمويا وإغاثيا يغيب عن وسائل الإعلام، إضافة إلى كتائبها ووحداتها التي تمتاز بالقيام بالعمل العسكري الاحترافي، وهي وفق حديثه تنال مشاركاتها في التمارين العالمية المشتركة التفوق على عدد من نظيراتها في دول متقدمة، وأردف أن القوات الأمنية الخاصة في المملكة تسطر على الدوام تاريخا مميزا وتعكس جميعها التفوق العسكري والأمني الذي وصلت إليه تلك القطاعات.
وتمتاز النخبة السعودية التي تعود وفق هيكلتها إلى لواء قوات المظليين الخاص، المتفوق بعناصر قتالية والقيام بأدوار دقيقة وسريعة، ومنها ما يعرف بالقوات الخاصة والصاعقة القادرة على التعايش مع الظروف الطبيعية المتنوعة برا أو بحرا أو جوا، وكذلك أداء أعمال الإمداد الإغاثي والإنساني، والواجبات الطبية الأولية.
قوات النخبة في صميم عملها كذلك القيام بعمليات الإنقاذ من الكوارث الطبيعية والقيام بمهام حفظ السلام وحراسة وحماية المساعدات الإنسانية، وتشارك بعناصر مدربة سنويا في مواسم الحج، تسمى وفق عطائها وخدمتها بـ«قوة الواجب»، مستفيدة من التمارين التي ترسمها لها قيادة اللواء المظلي ومركز ومدرسة المظليين والقوات الخاصة.
واجهة القوات البرية المشرقة تمارس دورها وفق منظومة العمل الاستراتيجي للقوات البرية عبر عدد من التمارين المشتركة الكبرى مع عدد من الدول الصديقة للمملكة، بواقع خمسة تمارين سنوية مشتركة مع دول أوروبية وأخرى إسلامية.
آخر تلك التمارين كان تمرين «الصمصام 5» الذي يعقد بشكل دوري مع قوات نخبة أخرى من جمهورية باكستان الإسلامية، وتم إقامة التمرين بمركز الملك سلمان للحرب الجبلية بمنطقة الباحة جنوب المملكة. وسبقها تمرين «التمساح الأحمر2» المشترك مع قوات الصاعقة بالجيش البريطاني بمنطقة تبوك شمال غربي المملكة، شمل خلالها التمرين تطبيق كثير من البرامج التدريبية في مجال الاستطلاع والدوريات وعمليات الإمداد الجوي والحرب الجرثومية والكيماوية وعمليات الاقتحام الجوي وفي مناطق ذات طبيعة جغرافية متنوعة.
إضافة إلى تعزيز امتلاك القوة النخبوية كل القدرات القتالية في الحروب المتنوعة، والقيام بعمليات استطلاع واقتحام لأهداف متنوعة والتسلل الهجومي وتطهير المباني من الأعداء، وهي من صميم أهداف تمرين «شمرخ1» الذي شاركت فيه تلك القوة مع قوات الكوماندوز الفرنسية بجبال الألب في فرنسا، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول). سبقه كذلك تنفيذ تمارين «نمر2» و«الريك1» مع وحدات مختلفة.
وللقوات السعودية دور إيجابي نشأت عليه، تمثلها النخبة في حفظ السلم الدولي والحماية، وشهدت الجمهورية اللبنانية مشاركة سعودية بكتيبة أمنية خاصة من ضمن فريق «القوة الأمنية العربية» في عام 1975 ساهمت في تعزيز الأمن حول عدد من المنشآت الدبلوماسية لعدد من الدول وتسيير دوريات أمنية لفض الاشتباكات بين المتظاهرين، إضافة إلى حماية وتوزيع الإعانات الإغاثية والإنسانية للمتضررين. وتحولت تلك المشاركة السعودية التي تمت عبر جامعة الدول العربية إلى قوة «الردع العربية».
ويعتبر الجيش السعودي بفروعه الأربعة، القوات البرية، والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي، ثاني أكبر وأقوى الجيوش العربية، بتعداد عسكري يتجاوز 350 ألف جندي، وتسانده قوات ومراكز متخصصة، أبرزها قوة الصواريخ الاستراتيجية التي تصنفها مدارس الحرب السعودية بالقوة الخامسة من أفرع القوات المسلحة، وتعنى بالصواريخ والقذائف السعودية الكبرى أبرزها صواريخ «رياح الشرق» القادرة على حمل رؤوس نووية صينية الصنع، والتي ظهرت للعلن في سابقة تاريخية أثناء استعراض القوات في تمرين «سيف عبد الله» العسكري في أبريل (نيسان) من عام 2014.
ومنظومة وزارة الدفاع السعودية الكبرى، تعد أكثر القطاعات الحيوية في المملكة لما أبرزته من إنجازات على الصعيد الوطني داخليا وخارجيا، حيث تركز على إعداد العسكريين داخليا وتطوير قدراتهم خارجيا، من خلال الكليات العسكرية التابعة لها حتى بلغ عددها خمس كليات، هي كلية القيادة والأركان، وكلية الملك عبد العزيز الحربية، وكلية الملك فيصل الجوية، وكلية الملك فهد البحرية، وكلية الملك عبد الله للدفاع الجوي، إضافة إلى معاهد فنية وتدريبية يتجاوز عددها العشرين معهدا ومركزا تابعة لكل أفرع القوات المسلحة. ومدن وقواعد عسكرية في كل مناطق المملكة. ومن ضمن القطاعات العسكرية المهمة التابعة لوزارة الدفاع، المؤسسة العامة للصناعات العسكرية، التي تعنى بتصنيع وتطوير المدرعات والمعدات العسكرية تم مؤخرا تغيير هيكلته لإتاحة الفرصة للقطاع الخاص المشاركة في التصنيع والتطوير.
وتعمل وزارة الدفاع كذلك على المشاركة المجتمعية في قطاعات كثيرة، أبرزها الطبي، بمنظومة صحية كبرى يتجاوز عدد مستشفياتها ومراكزها الطبية 120 مستشفى ومركز، يتيح للحاجات الخاصة فرصة تلقي العلاج بها لتطورها وتخصصها مقارنة بقطاعات وزارة الصحة، إضافة إلى سلاح المهندسين التابع للقوات البرية حيث يعمل على المشاركة والإنقاذ في الحالات الطارئة التي قد تتعرض لها بعض المدن.
وتشهد القوات المسلحة السعودية اليوم، قفزات كثيرة عبر التطوير الميداني الكبير لجنودها وآلتها المسلحة، وصفقاتها العسكرية الكبرى التي جعلتها في الترتيب الرابع كأكثر الدول إنفاقا على التسلح بين دول العالم بصفقات تصل حتى الستين مليار دولار خلال عام 2013 نظرا للمكانة الإقليمية والجيوسياسية والاقتصادية التي تجعلها عمقا استراتيجيا مهمّا لغالب دول المنطقة خصوصا في الخليج.



السعودية تطلق خدمةً للإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تطلق خدمةً للإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

أطلقت وزارة الدفاع السعودية، الأحد، خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، لتتيح للمواطنين والمقيمين في البلاد فرصة الإبلاغ عن أي مشاهدات جوية مشبوهة، وذلك لضمان وصول هذه البلاغات في وقت قياسي، بما يحقق سرعة الاستجابة لحماية الوطن وصون مقدراته.

وأكد الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن «المواطنين والمواطنات شركاء في الدفاع عن الوطن، من خلال وعيهم ويقظتهم لكل ما يستهدف وطنهم»، داعياً إياهم إلى الإبلاغ عمَّا قد يشاهد من صواريخ وطائرات مسيّرة عبر تطبيق «توكلنا».

وعبَّر الأمير خالد بن سلمان عن فخره بكفاءة القوات المسلحة في أداء مهامهم بالتصدي للعدوان الإيراني غير المبرر، وقال: «نفخر بأداء أبطال قواتنا المسلحة بكافة أفرعها، وبكفاءتهم العالية في أداء مهامهم لحماية الوطن وصون أمن مواطنيه والمقيمين على أراضيه، والمحافظة على مقدراته ومكتسباته، بالتصدي للعدوان الإيراني غير المبرر».

وأعلنت وزارة الدفاع، في وقت سابق، الأحد، خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، وأوضح المتحدث باسمها اللواء الركن تركي المالكي، أن هذه الخدمة تعزز الشراكة الحقيقية بين المواطنين والمقيمين ومنظومة الدفاع، من منطلق دورهم المهم في الدفاع عن الوطن.

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع السعودية (الشرق الأوسط)

وأكد اللواء المالكي أن القوات المسلحة السعودية تمتلك القدرات المتقدمة اللازمة للتصدي لأي هجمات أو اعتداءات جوية قد تحدث (لا قدر الله) على المملكة، مشيراً إلى أن هذه الخدمة تتيح المجال للمواطنين والمقيمين للإبلاغ عن كل ما يشكل تهديداً للبلاد، وعدّها نقلة نوعية في تسخير التقنيات المتقدمة لإشراك المواطن والمقيم في اكتشاف التهديدات.


في ذكرى بيعة ولي العهد... كيف تنامى التفاعل السعودي مع الإقليم إلى تشكيل توازناته؟

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

في ذكرى بيعة ولي العهد... كيف تنامى التفاعل السعودي مع الإقليم إلى تشكيل توازناته؟

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)

يعيش الشرق الأوسط ما يمكن وصفه بحالة «انفلات استراتيجي»: صراعات ممتدة، توازنات متحركة، أزمات متعددة، وتحولات في أسواق الطاقة.

هذا الوضع ليس جديداً، فعلى مر تاريخ المنطقة الحديث، على الأقل، يلحظ المراقب توالي الأزمات والحروب والصراعات، يصاحب ذلك تغير المحاور، وتحول الأدوار، وتبدل العناوين، وتوسع ساحات الصراع.

في بيئة كهذه لا تكفي ردود الفعل، وإنما المطلوب قيادة استثنائية تصنع الفرق ولا تستسلم للواقع، بل تعيد تشكيل المنطقة وبناء توازناتها، وتنقلها من إدارة الأزمة إلى إدارة الاستقرار والتنمية.

فالتنمية لا تتحقق من دون استقرار والمعادلة هنا ثنائية وليست أحادية، فالاستقرار الخارجي بلا تنمية داخلية هش، والتنمية بلا استقرار إقليمي مهددة.

لذا حينما ننظر إلى «رؤية 2030»، التي صاغتها حكمة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نرى أنها جمعت طرفي المعادلة: التنمية مع ضمانة الاستقرار، كما أن التجارب الدولية تظهر أن الاقتصادات الصاعدة تحتاج إلى بيئة آمنة مستقرة لجذب الاستثمار والاستدامة الاقتصادية، وهو ما جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من معادلة التنمية الوطنية، لذا فإن «رؤية المملكة 2030» لم تُصمم - في تقديري - كمشروع اقتصادي داخلي فقط، بل إطار يعيد تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد واللوجستيات والاستثمار.

وبيعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي نعيش ذكراها هذه الأيام ليست مناسبة رمزية وحسب؛ بل محطة لاستقراء نموذج قيادي أعاد تعريف دور المملكة العربية السعودية: من دولة تتفاعل مع الإقليم إلى دولة تعيد تشكيل توازناته.

نموذج الحكم والإدارة

لم يكن قوله: «السعودية ستكون أعظم قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين»، مجرد وعد لشعبه ورسالة لشعوب العالم، وهي تنظر للحراك الهائل الذي أحدثه في بلاده، بل مدخل لفهم منهجيته في الحكم والإدارة؛ المنهجية القائمة على الرؤية الشاملة التي تضع فيها مؤسسات الدولة كل طاقاتها وأدواتها لتحقيق الأمن والازدهار بمنظور بعيد يراعي كل الاحتمالات، ولا تبرز فاعلية ونجاعة تلك الرؤى وبرامجها كما تبرز في أوقات الأزمات.

وفي الأزمة الحالية، وأنظار العالم ترقب أسعار النفط وهي تتجاوز المائة دولار، يحسن أن نقف قليلاً عند محطات من رؤية الأمير محمد الشاملة في هذا الجانب، ونستحضر بعض المضامين العميقة في ذكرى البيعة: فقبل حوالي الـ10 أعوام، تحدث الأمير محمد ولأول مرة عن فكرة إدراج شركة «أرامكو» في السوق المالية. بدا الخبر صادماً لكثيرين ممن خلعوا على «أرامكو» هالة، وظنوا أن البترول -وفقاً لوصف الأمير - جزء من دستور الدولة الذي لا يمس. أدرجت «أرامكو»، وتحقق من اكتتابها فائض سيولة نقدية، وأخرج الإدراج بيانات الشركة من صندوقها الأسود في الظهران إلى شاشات الرصد والتحليل العالمية. فأصبح سهم الشركة مرجعاً رئيساً لاقتصاد العالم في فهم حالة قطاع الطاقة، ونذيراً حياً لأي مغامرات غير مسؤولة للتأثير على سلامة إمداداته، وفرصة للملايين من السعوديين وغيرهم للاستثمار في شركة الطاقة الأولى عالمياً.

ثم جاءت خطوة إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة، واستثمار الفوائض النقدية من الإدراج وغيره في قطاعات جديدة محلية ودولية، لتبدأ البلاد رحلة التعافي من إدمان النفط التي طالت. وكان من بين أولويات الخطة نقل وتوطين التقنية في جانبها الدفاعي.

ثم جاء التوسع اللازم لـ«أرامكو» وفق «الرؤية الشاملة». يروي وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أنه عرض على ولي العهد حقل الجافورة، الذي يعد أكبر حقل غاز غير تقليدي مكتشف في البلاد، مبيناً تكلفة تطويره العالية، وأنه يحتاج أن يفكر فيه من منظور «الدولة» الاستراتيجي، وليس من منظور «الشركة» التجاري، حيث سيوفر تطويره -رغم تكلفة الاستثمار الضخمة - كميات هائلة من الغاز وسيزيد من قدرة المملكة التصديرية. استمع ولي العهد، واتخذ القرار بالانطلاق في التطوير، وهو في رحلة عمل على متن الطائرة. بعد أعوام معدودات، تم تصدير أول شحنة من سوائل الغاز والمكثفات من حقل الجافورة، وكان ذلك قبل أسابيع من توقف بعض منابع الغاز في الخليج العربي عن الإنتاج نتيجة للاعتداءات الإيرانية.

قبل بضع سنين، مضت المملكة في مفاوضات مباشرة مع إيران برعاية صينية، لخفض التوتر وإعادة بناء الثقة بين البلدين بعد سنوات من القطيعة، لم يكن اختيار الصين إلا شاهداً آخر على الرؤية الشاملة لولي العهد، فهي دولة باتت من دول الشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وتستهلك حوالي 90 في المائة من نفط إيران، ويمثل إغلاق مضيق هرمز بالنسبة لها كابوساً اقتصادياً. وعندما وقعت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على المملكة وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، لم تكن فقط انتهاكاً لأحكام القانون الدولي، واستفزازاً لحليف المملكة الأول الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى، بل كانت هجوماً مسلحاً وانتهاكاً للسيادة وتقويضاً لاتفاق إعادة العلاقات الذي وقع برعاية وضمانات صينية: الدولة الكبرى والممكن الأكبر لاقتصاد إيران الرازح تحت العقوبات الدولية. وهنا يبرز المنظور الشامل بأبعاده السياسية الجغرافية، والاقتصادية، والأمنية لرؤية تستشرف قرناً من العمل والنجاح ببصيرة حاذقة توظف فيها كل علاقات وأدوات الدولة لخدمة مصالح البلاد العليا.

وجاء التحول الرقمي الذي قاده ولي العهد لينشئ منظومة رقمية متكاملة لا يعرف العالم مثيلاً لها، تضمن ديمومة العمل الحكومي في أقصى الظروف صعوبة، ووصول الحكومة للمواطن أينما كان بخدماتها وإشعاراتها.

وكان برنامج تطوير وزارة الدفاع - الذي أطلقه ورعاه إبان توليه الوزارة - شاهداً على رؤيته الاستشرافية البصيرة بأهمية تطوير القوى الدفاعية للدولة وتوطين تقنياتها المختلفة.

في العلاقات الخارجية كان دور الدبلوماسية السعودية فاعلاً ومؤثراً، وجاءت الاتفاقات الاستراتيجية مع أميركا تتويجاً لرؤية ولي العهد، لتعيد صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين.

منهجية الأزمات

تمر ذكرى بيعة ولي العهد هذا العام والمنطقة ملتهبة، وسيناريوهات نهاية حرب إيران مفتوحة، إلا أن المؤكد أن السعودية مستمرة في تنفيذ رؤيتها وبناء قدراتها وحماية مصالحها، وستتعامل مع هذه الأزمة بمنهجيتها التي أثبتت نجاحها عبر عقود، وكسابقاتها من الأزمات، أكدت الرياض أن إمكاناتها وقدراتها مسخرة دوماً للدفاع عن المبادئ الحقة، وخدمة أشقائها في أزماتهم.

وللإجابة عن التساؤل الذي يطرح عن المنهجية السعودية في إدارة الأزمات والمخاطر وما يرتبط بها من تخطيط مسبق قائم على البناء المؤسسي المدروس، فمنذ عقود وحتى الوقت الحاضر تم إنشاء عدد من المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بإدارة المخاطر والطوارئ، وما زال بعضها يمارس مهامه واختصاصاته.

في خطوة استباقية لافتة صدر في عام 2024 نظام الطوارئ الذي تضمن تشكيل المجلس الأعلى للطوارئ برئاسة الملك، كما أنشئت «الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ»، وهي - وفقاً لتنظيمها - الجهة المختصة والمرجع الرئيس في السعودية فيما يتعلق بشؤون إدارة الطوارئ، وتهدف إلى تنسيق أدوار ومسؤوليات الجهات ذات العلاقة، وتعزيز قدراتها للحد من مخاطر الطوارئ وآثارها من خلال التخطيط والرصد والتأهب والاستجابة لها.

وتعمل الهيئة الآن على إعداد الاستراتيجية الوطنية لإدارة الطوارئ، التي يتوقع أن تحدد أدوار ومسؤوليات جميع المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بمنظومة المخاطر والطوارئ.

ولئن كانت جهود التحوط من الأزمات والحروب قد بدأت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز بمد جسور التواصل والرصد الدقيق للتطورات العالمية وتأمين الاحتياجات اللازمة لمناطق الدولة المترامية، ثم التوسع في البنى التحتية من طرق ومطارات وموانٍ وشبكات وخدمات، وبعد ذلك برنامج الخزن الاستراتيجي للنفط والسلع الأساسية، وبناء أنبوب «شرق - غرب»، وغيرها الكثير من منجزات التنمية السعودية عبر عهود ملوكها المتعاقبة وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مما يؤكد الرؤية الممتدة لقادة السعودية واستشرافهم للمستقبل، إلا أن ولي العهد، وبتوجيه من الملك سلمان، قد جاء برؤية أعادت تعريف دور السعودية في العالم، وأعادت تشكيل توازنات المنطقة، وبنت لبنات جديدة راسخة في بنيان الدولة السعودية، وكأنه بها يتمثل قول جده العظيم: «نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل (فوق) - لا (مثل) - ما فعلوا».


بيان خليجي - بريطاني يدين هجمات إيران ويؤكد على حماية أمن المنطقة

البيان المشترك أكد أن أمن واستقرار منطقة الخليج ركيزتان أساسيتان لاستقرار الاقتصاد العالمي (مجلس التعاون)
البيان المشترك أكد أن أمن واستقرار منطقة الخليج ركيزتان أساسيتان لاستقرار الاقتصاد العالمي (مجلس التعاون)
TT

بيان خليجي - بريطاني يدين هجمات إيران ويؤكد على حماية أمن المنطقة

البيان المشترك أكد أن أمن واستقرار منطقة الخليج ركيزتان أساسيتان لاستقرار الاقتصاد العالمي (مجلس التعاون)
البيان المشترك أكد أن أمن واستقرار منطقة الخليج ركيزتان أساسيتان لاستقرار الاقتصاد العالمي (مجلس التعاون)

شدد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وبريطانيا في بيان مشترك، الأحد، على أن أمن واستقرار منطقة الخليج يمثلان ركيزتين أساسيتين لاستقرار الاقتصاد العالمي، معربين عن إدانتهم أي تهديدات إيرانية لإغلاق وعرقلة الملاحة بمضيق هرمز، وتهديد الأمن البحري في باب المندب، مؤكدين أهمية حماية المجال الجوي الإقليمي والممرات البحرية.

التشديد الخليجي - البريطاني جاء في أعقاب اجتماع استثنائي عُقد، الخميس الماضي، لبحث تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وما شهدته من تصعيد، بما في ذلك العدوان السافر الذي تشنه إيران ووكلاؤها الإقليميون ضد دول مجلس التعاون والأردن.

و​رحب الوزراء باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026)، الذي أدان بأشد العبارات الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضي دول مجلس التعاون والأردن، في انتهاك للقانون الدولي، وتهديد للسلم والأمن الدوليين، كما أشاروا إلى أن القرار أدان أيضاً استهداف إيران لمناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، بما في ذلك منشآت نفطية وخدمية ومناطق سكنية؛ ما نجمت عنه خسائر مدنية وأضرار في المباني المدنية.

كذلك ​أشار المجلس الوزاري إلى المستوى غير المسبوق من التضامن الدولي مع دول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية، والذي تجلى في دعم 136 دولة عضواً في الأمم المتحدة لقرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026). كما شدد القرار على مطالبة إيران بوقف جميع الهجمات فوراً، والامتناع دون قيد أو شرط عن أي أعمال استفزازية أو تهديدات موجهة إلى الدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء في المنطقة. وأعرب الوزراء عن شكرهم للمملكة المتحدة على تضامنها مع دول مجلس التعاون، والتزامها الراسخ والمستمر بأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها.

وأكد الوزراء التزامهم بالاستقرار الإقليمي، ودعوا إلى حماية المدنيين والاحترام الكامل للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والوفاء بالالتزامات المترتبة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

​واستذكر الوزراء حثهم المستمر لإيران على كبح برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية، والامتناع عن الأنشطة التي من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك استخدام وكلائها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وسلط الوزراء الضوء على الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها دول مجلس التعاون قبل وقوع الهجمات، وعلى التزامها بأن أراضيها لن تُستخدم لشن هجمات ضد إيران.

جانب من الاجتماع الوزاري الخليجي - البريطاني المشترك عبر الاتصال المرئي الخميس (الخارجية السعودية)

وجدد الوزراء التزامهم الراسخ بالحوار والدبلوماسية كوسيلة لحل الأزمة، مشيدين بالدور البنّاء الذي تضطلع به سلطنة عمان في هذا الصدد، ومؤكدين الحاجة إلى استعادة الاستقرار والأمن الإقليميين.

واستذكر الوزراء الحق الأصيل لدول مجلس التعاون، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، في الدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً ضد الهجمات المسلحة التي تشنها إيران، وهو ما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026)، وأكدوا على أن لدول المجلس الحق في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها، كما استذكر الوزراء مسؤولية مجلس الأمن في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

و​اتفق الوزراء على مواصلة الجهود الدبلوماسية المشتركة من أجل التوصل إلى حل مستدام يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، ووقف تطوير وانتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وغيرها من التقنيات التي تهدد أمن المنطقة وخارجها، والامتناع عن أي أنشطة من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة وخارجها.

و​أكد الوزراء أهمية حماية المجال الجوي الإقليمي والممرات البحرية وحرية الملاحة، إضافةً إلى ضمان سلامة وأمن سلاسل الإمداد وعمليات الشحن والبحارة، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وأشاروا إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026) أدان أي إجراءات أو تهديدات إيرانية تهدف إلى إغلاق أو عرقلة الملاحة الدولية في مضيق هرمز أو تهديد الأمن البحري في باب المندب.

​وأشادوا بالمساهمات المهمة التي تقدمها المملكة المتحدة في دعم أمن المنطقة، وأعربوا عن تقديرهم لقرار المملكة المتحدة الأخير، بشأن تعزيز القدرات الدفاعية في المنطقة، بما في ذلك من خلال مشاركة طائرات «التايفون» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في العمليات الدفاعية.

وأكد الوزراء الأهمية البالغة للشراكة الاستراتيجية القائمة بين الجانبين، والتي تم الإعلان عنها في قمة مجلس التعاون والمملكة المتحدة التي عُقدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، في البحرين، كما رحبوا بالتقدم المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، معربين عن تطلعهم لإبرامها في أقرب فرصة ممكنة.

و​أعربت المملكة المتحدة عن خالص شكرها لدول مجلس التعاون على حسن الضيافة والمساعدة المقدمة للمواطنين البريطانيين الموجودين على أراضيها.

و​ترأس وفد مجلس التعاون في الاجتماع، الدكتور عبد اللطيف الزياني، وزير خارجية البحرين - رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، بينما ترأست وفد المملكة المتحدة إيفيت كوبر، وزيرة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية. وشارك في الاجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون، وجاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون.