دعوة لحضور مأدبة على شرف الملكة إليزابيث الثانية في قصر باكنغهام

نظرة خلف الكواليس على المطابخ ومشغل الخياطة وإعداد الدعوات

دعوة لحضور مأدبة على شرف الملكة إليزابيث الثانية في قصر باكنغهام
TT

دعوة لحضور مأدبة على شرف الملكة إليزابيث الثانية في قصر باكنغهام

دعوة لحضور مأدبة على شرف الملكة إليزابيث الثانية في قصر باكنغهام

«استقبال ملكي» هو عنوان الافتتاح الصيفي للغرف الرسمية بقصر باكنغهام هذا العام، وبالفعل يشعر الزائر للقصر بأنه محل حفاوة واستقبال ملكي، فمنذ أن تطأ قدماك الخيمة البيضاء المقامة لاستقبال الزوار خارج القصر تحيط بك أوجه مبتسمة مرددة عبارات الترحيب والتحية «أهلا بك هنا»، و«نعتذر عن الطقس السيئ»، في إشارة للمطر المتواصل، وهكذا مع مرورك عند كل عامل في القصر (وهم يقفون على طوار مسار الزيارة على مسافات متقاربة). لكن قصر باكنغهام، الذي سن عادة فتح أبواب غرفه الرسمية للزوار منذ سنوات، يقدم لزوار هذا الصيف ما هو أكثر من مجرد الفرصة لرؤية بعض الغرف التاريخية، بل هو يعكس الوضع ليحول الزائر أو السائح إلى ضيف على مأدبة ملكية.
وبالفعل، تأخذ الزيارة ذلك الطابع، فبداية ندخل للقصر بعد المرور على الساحة الداخلية عبر المدخل الذي تستقبل منه الملكة ضيوفها الرسميين، ونرى العربة الخاصة، التي تستخدمها الملكة في المراسم الملكية المهمة، وهي واقفة أمام الباب، ويكفي أن نتخيل أننا قد ترجلنا للتو منها متجهين لمقابلة الملكة. غني عن القول أن العربة البديعة التصميم قد جذبت اهتمام الزوار وتوقف أمامها كل منا للتصوير، كأنما نؤكد لأنفسنا أننا نعيش في اللحظة. عبر الباب نعبر ممرا طويلا زين بلوحات زيتية بديعة الجمال تصور مراسم تتويج الملكة إليزابيث الثانية في عام 1952. اللوحات التي تخرج عن النسق الواقعي وتميل للتأثيرية من توقيع الفنان البولندي فيليكس توبولسكي الذي قام بعمل اللوحات في عام 1959 بناء على تكليف من الأمير فيليب دوق إدنبره وزوج الملكة إليزابيث، وبالفعل قام الفنان بإعداد العمل الفني معتمدا على انطباعاته الشخصية حين تابع المراسم في شوارع لندن.
نصل بعد ذلك للقاعة الكبرى «غراند هول»، وهي المدخل الرسمي الذي يدخل منه ضيوف المآدب وحفلات الحديقة التي تقيمها الملكة في الصيف. وعبرها نمضي للسلم الرئيسي «غراند ستير كيس» وهو مبهر بمعنى الكلمة فهو يتفرع يمينا ويسارا صعودا للطابق الأعلى، وعبر النقوش الذهبية والسجاد الأحمر والحوائط المحيطة يمنح الزائر الإحساس بالفخامة والحفاوة التي لا بد أن يشعر بها ضيف القصر.
من السلم نمضي لرؤية «غرفة الاستقبال الخضراء» التي سميت بذلك نسبة للون الستائر المعلقة فيها والسقف العالي. الزائر هنا سيحتار أين ينظر، فالغرفة حافلة بتفاصيل بديعة من الستائر الحريرية الخضراء بنقوشها البديعة إلى الثريات الكريستال واللوحات الضخمة لأمراء وأميرات من تاريخ العائلة المالكة. يلفت دليل الزيارة انتباهنا إلى قطعة من البورسلين موضوعة فوق إحدى الطاولات الرخامية اقتناها الملك جورج الخامس الذي عرف عنه الشغف بكل ما هو فرنسي الصنع. القطعة تمثل مجسما لمركب شراعي، وعبر ثقوب في الأشرعة الملساء يتصاعد عبق الزهور المجففة. تلفت النظر أيضا الثريات البلورية الضخمة التي توزع الضوء حول الغرفة وتبرز جماليات المعمار والديكور والأثاث. الثريات أيضا لها تاريخ عريق، فهي عاصرت الملك جورج الخامس، وإن كانت الشموع تستخدم وقتها في الإضاءة، وكان عمال القصر ينظفون حبات الكريستال باستخدام قطع الخبز البائت للتخلص من السخام الأسود المنبعث من الشموع، ولكن في العصر الحالي تولت التكنولوجيا تسهيل العمل لطاقم الخدمة، فالتحكم بالثريات يتم الآن بالريموت كنترول، ويتم إنزالها لمستوى يسهل معه تنظيفها باستخدام رشاشات ماء، ثم يعاد سحبها للأعلى.
الغرفة تؤدي إلى غرفة العرش التي شهدت أحداثا رسمية ومناسبات عائلية مهمة في حياة الأسرة، وفيها التقطت الملكة صورا تاريخية مثل صورة زفافها، ومع أفراد عائلتها في مناسبات مثل زواج الأمير ويليام. الغرفة تتميز أيضا بالزخارف البارزة التي تحيط بأعلى الجدران وأيضا بالسقف المنقوش بشكل بديع على شكل مربعات متقاطعة تزينها شعارات المملكة المتحدة.
ورغم أن القصر يعتبر تحفة فنية في حد ذاته، فهو من تصميم المعماري الأشهر جورج ناش الذي كلفه الملك جورج الرابع بتطوير المبنى الأصلي «باكنغهام هاوس» ليصبح قصرا منيفا ويضم في أنحائه مجموعة من أفخر وأندر قطع المفروشات واللوحات من مقتنيات «ذا رويال كوليكشن»، وهو بذلك يكتسب مكانه خاصة كمعلم أثري وتاريخي.. لكن هناك المزيد.. فمع المرور من غرفة العرش، التي تحتوي على العرش الذي جلست عليه الملكة إليزابيث ودوق إدنبره الأمير فيليب عقب تتويجها، ندلف لأجمل غرف القصر في رأيي وهي غرفة «غاليري الصور» والتي تتميز بسقفها الزجاجي المقوس الذي يمرر الضوء المبهر ويجعل اللوحات المعلقة أكثر جاذبية وجمالا. يضم الغاليري مجموعة ضخمة من أجمل اللوحات الفنية العالمية النادرة لفنانين عمالقة أمثال فيرمير وفان دايك وروبنز وكانوفا، إلى جانب مجموعة متميزة وفريدة للفنان الإيطالي كاناليتو الذي صور مدينة البندقية بمهارة وحس فني رفيع، وانتشرت خمس من لوحاته على طول الغاليري وكأنها محطات للزائر يرتاح عندها في تجوله.
من اللوحات الأخرى هناك لوحات لرمبرانت وروبنز جان ستين وفان دايك، وعمل فذ لفيرمير هو «درس الموسيقى» لا يمل الزائر من النظر إليه واستكشاف المشهد الهادئ الذي يصوره العبقري فيرمير الذي يستعيض عن الحركة باستكشاف المشاعر والعالم الداخلي لشخوصه. لمحبي الفنون فإن زيارة هذه الغرفة بمثابة زيارة متحف أو غاليري مهم، وقد تستهلك أغلب الوقت المخصص لزيارة القصر.

العشاء في حضرة الملكة

لكن هذا العام يقدم القصر للزوار مفاجأة مثيرة، قد تجعلهم يقتطعون من الوقت ما قد يتأملون فيه قطعة مفروشات أو لوحة فنية، حيث خصصت قاعة الحفلات «بول روم» لأخذ الزائر إلى أجواء المآدب الملكية الرفيعة التي تقيمها الملكة للرؤساء والملوك الزائرين. وبداية نمر بخزانات عرض ضخمة يضم كل منها مشهدا من مشاهد الإعداد للوليمة، وهي مشاهد الكواليس التي لا يراها أحد سوى العاملين بالقصر. ونبدأ من مكتب مساعدة رئيس البيت الملكي «رويال هاوسهولد» التي تقوم بالإعداد لقائمة المدعوين وتشرف على ترتيب الجلوس على الطاولة، وتطبع البطاقات التي توضع أمام كل مقعد بأسماء أصحابها بدءا من البطاقة التي تحمل كلمة «الملكة» فقط.
نرى في خزانة العرض أمامنا نموذجا للمكتب الذي تستخدمه نائبة مسؤول البيت الملكي وعليه بعض البطاقات التي تحمل أسماء ضيوف حضروا بالفعل إحدى الولائم السابقة. ولكي يعزز العرض أمامنا وضعت شاشات عرض إلى جانب كل خزانة عرض نرى من خلالها لقطات مختلفة لمراحل الإعداد لحفل العشاء، ونعرف أن بعض الأقسام مثل المطابخ تبدأ في استعداداتها قبل الحفل بشهرين، بينما يبدأ طاقم العمل صيانة وتلميع القطع الفضية والنحاسية قبل المناسبة بأربعة أشهر. وقبل المأدبة بأسبوعين تتحول القاعة لخلية نحل، فهناك من يتولى إحضار الأطباق البورسلين وتلميعها، وآخرون يقومون بكي مفارش الطاولات بالبخار، وغيرهم يتولون إحصاء 2000 قطعة من أدوات الطعام وأطباق التقديم والأطباق الجانية وهي ضمن 4000 قطعة لطقم الطعام الذي اقتناه الملك جورج الرابع منذ 200 عام.
بعدها نرى عرضا لمحتويات المطبخ، يتضمن قائمة الطعام المعد للوليمة وأدوات الطعام الفاخرة وأطباق التقديم المصنوعة من الفضة، إلى جانب خزانة تعرض القدور والمعالق وأدوات تحضير الطعام وهي كلها قطع تستخدم في مطابخ القصر. الإعداد للمأدبة أيضا يتضمن الاعتناء بتلميع القطع المصنوعة من الفضة. من خلال إحدى شاشات العرض يقوم نايجل ماكايفوي، نائب رئيس العمليات مع فريقه، بإعداد المائدة صباح يوم المأدبة، ويبدأ بوضع المناديل المطوية بعناية أمام مكان كل ضيف، وبعدها يضع ست قطع فضية للأكل لكل شخص ما بين الشوك والسكاكين والمعالق، بالإضافة لسكين للزبد.
يقول أحد المسؤولين عن المطابخ في الفيلم المعروض إن عملية تنظيف أدوات الطعام والأطباق تتم بعناية شديدة، وإن العالمين يقومون بتنظيف كل قطعة باليد للحفاظ عليها.
ويتضمن العرض أيضا نظرة على المشغل الخاص المقام في القصر والذي تشرف عليه أنجيلا كيلي مصممة الأزياء الخاصة بالملكة. وتُعرض هنا نماذج لفساتين ارتدتها الملكة من قبل في مآدب واستقبالات رسمية، وأيضا يضم العرض أقمشة متعددة ستستخدم لتفصيل فساتين للملكة هذا العام وأيضا بعض القبعات وبعضا من أهم قطع المجوهرات الخاصة.
يجب القول إن صور الاستعدادات التي نمر عليها جذابة جدا، لكنها لا تقارن بما سنراه بعدها، حيث نقف أمام المائدة الضخمة التي تنضح بالفخامة والأناقة، كاملة ببطاقات تحمل أسماء ضيوف المأدبة التي أقامتها الملكة العام الماضي لرئيس سنغافورة. بعد التجول في القاعة وتأمل كل القطع الموضوعة أمامنا نشعر وكأننا نسمع همهمات الضيوف الجالسين، ونكاد نرى الملكة في مقعدها على رأس الطاولة.

* الافتتاح الصيفي لقصر باكنغهام يستمر حتى 26 سبتمبر (أيلول) 2015

معلومات وأرقام

* القصر يضم 775 غرفة، وهو يمثل المكتب الرسمي للملكة ومساعديها الذين يحتلون 90 مكتبا داخل القصر.
* يقدر عدد العاملين في القصر ممن يقومون على خدمته والعناية به بـ350 شخصا يقومون بعملهم في معظم الأحيان في أدوار تحت الأرض، حيث توجد المطابخ ومخازن الطعام وأيضا مكتب البريد الملكي.
* في المأدبة الرسمية تضم طاولة الطعام 118 ملاحة و288 طبقا رئيسيا و1104 كؤوس زجاجية.
* 25 ألف شخص حضروا حفلات الحديقة التي أقامتها الملكة العام الماضي.
* يشرف على حديقة قصر باكنغهام ثمانية بستانيين.
* استقبلت الملكة وأفراد عائلتها العام الماضي أكثر من 62 ألف ضيف في القصر.
* يتم الإعداد لزيارة رؤساء الدول والملوك للقصر قبل عام وتختار الحكومة الدول الضيفة.
* قائمة المدعوين لحضور المأدبة الرسمية التي تضم في العادة 170 ضيفا تعد بالتعاون ما بين وزارة الخارجية ومكتب دول الكومنولث والقصر.
* فتح قصر باكنغهام أبوابه للمرة الأولى أمام العامة في 1993، واجتذب المعرض الصيفي العام الماضي نحو 500 ألف زائر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».