«استقبال ملكي» هو عنوان الافتتاح الصيفي للغرف الرسمية بقصر باكنغهام هذا العام، وبالفعل يشعر الزائر للقصر بأنه محل حفاوة واستقبال ملكي، فمنذ أن تطأ قدماك الخيمة البيضاء المقامة لاستقبال الزوار خارج القصر تحيط بك أوجه مبتسمة مرددة عبارات الترحيب والتحية «أهلا بك هنا»، و«نعتذر عن الطقس السيئ»، في إشارة للمطر المتواصل، وهكذا مع مرورك عند كل عامل في القصر (وهم يقفون على طوار مسار الزيارة على مسافات متقاربة). لكن قصر باكنغهام، الذي سن عادة فتح أبواب غرفه الرسمية للزوار منذ سنوات، يقدم لزوار هذا الصيف ما هو أكثر من مجرد الفرصة لرؤية بعض الغرف التاريخية، بل هو يعكس الوضع ليحول الزائر أو السائح إلى ضيف على مأدبة ملكية.
وبالفعل، تأخذ الزيارة ذلك الطابع، فبداية ندخل للقصر بعد المرور على الساحة الداخلية عبر المدخل الذي تستقبل منه الملكة ضيوفها الرسميين، ونرى العربة الخاصة، التي تستخدمها الملكة في المراسم الملكية المهمة، وهي واقفة أمام الباب، ويكفي أن نتخيل أننا قد ترجلنا للتو منها متجهين لمقابلة الملكة. غني عن القول أن العربة البديعة التصميم قد جذبت اهتمام الزوار وتوقف أمامها كل منا للتصوير، كأنما نؤكد لأنفسنا أننا نعيش في اللحظة. عبر الباب نعبر ممرا طويلا زين بلوحات زيتية بديعة الجمال تصور مراسم تتويج الملكة إليزابيث الثانية في عام 1952. اللوحات التي تخرج عن النسق الواقعي وتميل للتأثيرية من توقيع الفنان البولندي فيليكس توبولسكي الذي قام بعمل اللوحات في عام 1959 بناء على تكليف من الأمير فيليب دوق إدنبره وزوج الملكة إليزابيث، وبالفعل قام الفنان بإعداد العمل الفني معتمدا على انطباعاته الشخصية حين تابع المراسم في شوارع لندن.
نصل بعد ذلك للقاعة الكبرى «غراند هول»، وهي المدخل الرسمي الذي يدخل منه ضيوف المآدب وحفلات الحديقة التي تقيمها الملكة في الصيف. وعبرها نمضي للسلم الرئيسي «غراند ستير كيس» وهو مبهر بمعنى الكلمة فهو يتفرع يمينا ويسارا صعودا للطابق الأعلى، وعبر النقوش الذهبية والسجاد الأحمر والحوائط المحيطة يمنح الزائر الإحساس بالفخامة والحفاوة التي لا بد أن يشعر بها ضيف القصر.
من السلم نمضي لرؤية «غرفة الاستقبال الخضراء» التي سميت بذلك نسبة للون الستائر المعلقة فيها والسقف العالي. الزائر هنا سيحتار أين ينظر، فالغرفة حافلة بتفاصيل بديعة من الستائر الحريرية الخضراء بنقوشها البديعة إلى الثريات الكريستال واللوحات الضخمة لأمراء وأميرات من تاريخ العائلة المالكة. يلفت دليل الزيارة انتباهنا إلى قطعة من البورسلين موضوعة فوق إحدى الطاولات الرخامية اقتناها الملك جورج الخامس الذي عرف عنه الشغف بكل ما هو فرنسي الصنع. القطعة تمثل مجسما لمركب شراعي، وعبر ثقوب في الأشرعة الملساء يتصاعد عبق الزهور المجففة. تلفت النظر أيضا الثريات البلورية الضخمة التي توزع الضوء حول الغرفة وتبرز جماليات المعمار والديكور والأثاث. الثريات أيضا لها تاريخ عريق، فهي عاصرت الملك جورج الخامس، وإن كانت الشموع تستخدم وقتها في الإضاءة، وكان عمال القصر ينظفون حبات الكريستال باستخدام قطع الخبز البائت للتخلص من السخام الأسود المنبعث من الشموع، ولكن في العصر الحالي تولت التكنولوجيا تسهيل العمل لطاقم الخدمة، فالتحكم بالثريات يتم الآن بالريموت كنترول، ويتم إنزالها لمستوى يسهل معه تنظيفها باستخدام رشاشات ماء، ثم يعاد سحبها للأعلى.
الغرفة تؤدي إلى غرفة العرش التي شهدت أحداثا رسمية ومناسبات عائلية مهمة في حياة الأسرة، وفيها التقطت الملكة صورا تاريخية مثل صورة زفافها، ومع أفراد عائلتها في مناسبات مثل زواج الأمير ويليام. الغرفة تتميز أيضا بالزخارف البارزة التي تحيط بأعلى الجدران وأيضا بالسقف المنقوش بشكل بديع على شكل مربعات متقاطعة تزينها شعارات المملكة المتحدة.
ورغم أن القصر يعتبر تحفة فنية في حد ذاته، فهو من تصميم المعماري الأشهر جورج ناش الذي كلفه الملك جورج الرابع بتطوير المبنى الأصلي «باكنغهام هاوس» ليصبح قصرا منيفا ويضم في أنحائه مجموعة من أفخر وأندر قطع المفروشات واللوحات من مقتنيات «ذا رويال كوليكشن»، وهو بذلك يكتسب مكانه خاصة كمعلم أثري وتاريخي.. لكن هناك المزيد.. فمع المرور من غرفة العرش، التي تحتوي على العرش الذي جلست عليه الملكة إليزابيث ودوق إدنبره الأمير فيليب عقب تتويجها، ندلف لأجمل غرف القصر في رأيي وهي غرفة «غاليري الصور» والتي تتميز بسقفها الزجاجي المقوس الذي يمرر الضوء المبهر ويجعل اللوحات المعلقة أكثر جاذبية وجمالا. يضم الغاليري مجموعة ضخمة من أجمل اللوحات الفنية العالمية النادرة لفنانين عمالقة أمثال فيرمير وفان دايك وروبنز وكانوفا، إلى جانب مجموعة متميزة وفريدة للفنان الإيطالي كاناليتو الذي صور مدينة البندقية بمهارة وحس فني رفيع، وانتشرت خمس من لوحاته على طول الغاليري وكأنها محطات للزائر يرتاح عندها في تجوله.
من اللوحات الأخرى هناك لوحات لرمبرانت وروبنز جان ستين وفان دايك، وعمل فذ لفيرمير هو «درس الموسيقى» لا يمل الزائر من النظر إليه واستكشاف المشهد الهادئ الذي يصوره العبقري فيرمير الذي يستعيض عن الحركة باستكشاف المشاعر والعالم الداخلي لشخوصه. لمحبي الفنون فإن زيارة هذه الغرفة بمثابة زيارة متحف أو غاليري مهم، وقد تستهلك أغلب الوقت المخصص لزيارة القصر.
العشاء في حضرة الملكة
لكن هذا العام يقدم القصر للزوار مفاجأة مثيرة، قد تجعلهم يقتطعون من الوقت ما قد يتأملون فيه قطعة مفروشات أو لوحة فنية، حيث خصصت قاعة الحفلات «بول روم» لأخذ الزائر إلى أجواء المآدب الملكية الرفيعة التي تقيمها الملكة للرؤساء والملوك الزائرين. وبداية نمر بخزانات عرض ضخمة يضم كل منها مشهدا من مشاهد الإعداد للوليمة، وهي مشاهد الكواليس التي لا يراها أحد سوى العاملين بالقصر. ونبدأ من مكتب مساعدة رئيس البيت الملكي «رويال هاوسهولد» التي تقوم بالإعداد لقائمة المدعوين وتشرف على ترتيب الجلوس على الطاولة، وتطبع البطاقات التي توضع أمام كل مقعد بأسماء أصحابها بدءا من البطاقة التي تحمل كلمة «الملكة» فقط.
نرى في خزانة العرض أمامنا نموذجا للمكتب الذي تستخدمه نائبة مسؤول البيت الملكي وعليه بعض البطاقات التي تحمل أسماء ضيوف حضروا بالفعل إحدى الولائم السابقة. ولكي يعزز العرض أمامنا وضعت شاشات عرض إلى جانب كل خزانة عرض نرى من خلالها لقطات مختلفة لمراحل الإعداد لحفل العشاء، ونعرف أن بعض الأقسام مثل المطابخ تبدأ في استعداداتها قبل الحفل بشهرين، بينما يبدأ طاقم العمل صيانة وتلميع القطع الفضية والنحاسية قبل المناسبة بأربعة أشهر. وقبل المأدبة بأسبوعين تتحول القاعة لخلية نحل، فهناك من يتولى إحضار الأطباق البورسلين وتلميعها، وآخرون يقومون بكي مفارش الطاولات بالبخار، وغيرهم يتولون إحصاء 2000 قطعة من أدوات الطعام وأطباق التقديم والأطباق الجانية وهي ضمن 4000 قطعة لطقم الطعام الذي اقتناه الملك جورج الرابع منذ 200 عام.
بعدها نرى عرضا لمحتويات المطبخ، يتضمن قائمة الطعام المعد للوليمة وأدوات الطعام الفاخرة وأطباق التقديم المصنوعة من الفضة، إلى جانب خزانة تعرض القدور والمعالق وأدوات تحضير الطعام وهي كلها قطع تستخدم في مطابخ القصر. الإعداد للمأدبة أيضا يتضمن الاعتناء بتلميع القطع المصنوعة من الفضة. من خلال إحدى شاشات العرض يقوم نايجل ماكايفوي، نائب رئيس العمليات مع فريقه، بإعداد المائدة صباح يوم المأدبة، ويبدأ بوضع المناديل المطوية بعناية أمام مكان كل ضيف، وبعدها يضع ست قطع فضية للأكل لكل شخص ما بين الشوك والسكاكين والمعالق، بالإضافة لسكين للزبد.
يقول أحد المسؤولين عن المطابخ في الفيلم المعروض إن عملية تنظيف أدوات الطعام والأطباق تتم بعناية شديدة، وإن العالمين يقومون بتنظيف كل قطعة باليد للحفاظ عليها.
ويتضمن العرض أيضا نظرة على المشغل الخاص المقام في القصر والذي تشرف عليه أنجيلا كيلي مصممة الأزياء الخاصة بالملكة. وتُعرض هنا نماذج لفساتين ارتدتها الملكة من قبل في مآدب واستقبالات رسمية، وأيضا يضم العرض أقمشة متعددة ستستخدم لتفصيل فساتين للملكة هذا العام وأيضا بعض القبعات وبعضا من أهم قطع المجوهرات الخاصة.
يجب القول إن صور الاستعدادات التي نمر عليها جذابة جدا، لكنها لا تقارن بما سنراه بعدها، حيث نقف أمام المائدة الضخمة التي تنضح بالفخامة والأناقة، كاملة ببطاقات تحمل أسماء ضيوف المأدبة التي أقامتها الملكة العام الماضي لرئيس سنغافورة. بعد التجول في القاعة وتأمل كل القطع الموضوعة أمامنا نشعر وكأننا نسمع همهمات الضيوف الجالسين، ونكاد نرى الملكة في مقعدها على رأس الطاولة.
* الافتتاح الصيفي لقصر باكنغهام يستمر حتى 26 سبتمبر (أيلول) 2015
معلومات وأرقام
* القصر يضم 775 غرفة، وهو يمثل المكتب الرسمي للملكة ومساعديها الذين يحتلون 90 مكتبا داخل القصر.
* يقدر عدد العاملين في القصر ممن يقومون على خدمته والعناية به بـ350 شخصا يقومون بعملهم في معظم الأحيان في أدوار تحت الأرض، حيث توجد المطابخ ومخازن الطعام وأيضا مكتب البريد الملكي.
* في المأدبة الرسمية تضم طاولة الطعام 118 ملاحة و288 طبقا رئيسيا و1104 كؤوس زجاجية.
* 25 ألف شخص حضروا حفلات الحديقة التي أقامتها الملكة العام الماضي.
* يشرف على حديقة قصر باكنغهام ثمانية بستانيين.
* استقبلت الملكة وأفراد عائلتها العام الماضي أكثر من 62 ألف ضيف في القصر.
* يتم الإعداد لزيارة رؤساء الدول والملوك للقصر قبل عام وتختار الحكومة الدول الضيفة.
* قائمة المدعوين لحضور المأدبة الرسمية التي تضم في العادة 170 ضيفا تعد بالتعاون ما بين وزارة الخارجية ومكتب دول الكومنولث والقصر.
* فتح قصر باكنغهام أبوابه للمرة الأولى أمام العامة في 1993، واجتذب المعرض الصيفي العام الماضي نحو 500 ألف زائر.

