تركيا تسابق الزمن لإنقاذ ضحايا الزلزال

إعلان الطوارئ في 10 ولايات منكوبة لمدة 3 أشهر

أبنية دمرها الزلزال في كهرمان ماراش بتركيا (إ.ب.أ) وفي الاطار مسعفون ينقذون أحد الناجين من تحت الأنقاض في البلدة ذاتها (أ.ف.ب)
أبنية دمرها الزلزال في كهرمان ماراش بتركيا (إ.ب.أ) وفي الاطار مسعفون ينقذون أحد الناجين من تحت الأنقاض في البلدة ذاتها (أ.ف.ب)
TT

تركيا تسابق الزمن لإنقاذ ضحايا الزلزال

أبنية دمرها الزلزال في كهرمان ماراش بتركيا (إ.ب.أ) وفي الاطار مسعفون ينقذون أحد الناجين من تحت الأنقاض في البلدة ذاتها (أ.ف.ب)
أبنية دمرها الزلزال في كهرمان ماراش بتركيا (إ.ب.أ) وفي الاطار مسعفون ينقذون أحد الناجين من تحت الأنقاض في البلدة ذاتها (أ.ف.ب)

وسط ظروف جوية سيئة، تواصلت لليوم الثاني أعمال البحث والإنقاذ في 10 ولايات تركية ضربها زلزال مدمر بقوة 7.8 على مقياس ريختر تبعه زلزال آخر بقوة 7.6 مركزهما في بلدتي بازارجيك وألبيستان بولاية كهرمان ماراش بجنوب البلاد فجر الاثنين. وأدت هزات ارتدادية، بلغ عددها 312 هزة متتابعة، حتى صباح الثلاثاء، إلى تعقيد جهود فرق الإنقاذ وجعل الأمور أكثر صعوبة، مع تساقط الثلوج والرياح الشديدة ودرجات الحرارة المنخفضة للغاية وانهيار بعض الطرق في العديد من الولايات التي ضربها الزلزالان، وهي: كهرمان ماراش، وهطاي، وأديامان، وأضنة، وعثمانية (جنوب) ومالاطيا وإيلازغ (شرق)، وغازي عنتاب، وشانلي أورفا وديار بكر (جنوبي شرق).
وفي ظل سباق مع الزمن لإنقاذ أي عالقين تحت الأنقاض ما زالوا على قيد الحياة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر في 10 ولايات تضررت من الزلزالين. وقال إردوغان، في كلمة أثناء وجوده بمقر «إدارة الطوارئ والكوارث التركية» في أنقرة، الثلاثاء، إن إعلان حالة الطوارئ جاء استناداً إلى المادة «119» من الدستور، وإنه جرى إعلان الولايات العشر «مناطق منكوبة». وتستمر حالة الطوارئ حتى 7 مايو (أيار) المقبل.
وأضاف إردوغان أن الفرق المختصة أنقذت حتى الآن أكثر من 8 آلاف شخص من تحت الأنقاض، مشيراً إلى تعليق الدراسة في عموم البلاد حتى 13 فبراير (شباط) الحالي وحتى 20 من الشهر نفسه في الولايات المنكوبة. وتابع: «يعمل حالياً 53 ألفاً و317 عنصراً في عمليات البحث والإنقاذ، والعدد يزداد من تركيا وخارجها. دولتنا بجميع مؤسساتها وكوادرها بدأت العمل في المناطق المتضررة من الزلزال».
وأضاف: «آلاف العناصر الخبيرة من قوات الدرك على رأس عملها في منطقة الكارثة، بالإضافة إلى 26 طائرة شحن، وسفن وقوارب خفر السواحل».
وأكد إردوغان أن تركيا تواجه إحدى كبرى الكوارث؛ ليس في تاريخ الجمهورية فحسب؛ بل في المنطقة والعالم.
وأظهر العديد من دول العالم التضامن مع تركيا في مواجهة كارثة الزلزال. وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع الرئيس التركي، الثلاثاء، تقدم خلاله بالتعازي والمواساة في ضحايا الزلزال، مؤكداً تضامن مصر مع الشعب التركي، وتقديم المساعدة والإغاثة الإنسانية لتجاوز آثار هذه الكارثة.
وأعلنت «إدارة الكوارث والطوارئ التركية»، مساء الثلاثاء، ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 4 آلاف و544 قتيلاً، و26 ألفاً و721 مصاباً. وقال نائب الرئيس التركي، فؤاد أوكطاي، إن هناك 3294 عامل بحث وإنقاذ من دول أخرى يشاركون في عمليات الإنقاذ مع الطواقم التركية، كما أن هناك أكثر من 70 دولة عرضت المساهمة في أعمال البحث والإنقاذ، في حين بلغ عدد أفراد الطواقم الطبية 4 آلاف و785، وعدد الآلات المستخدمة في البحث والإنقاذ 191 آلة.
وأكد أوكطاي، في إفادة صحافية من مركز «إدارة الطوارئ والكوارث» في أنقرة، صعوبة الظروف التي تجري فيها عمليات البحث والإنقاذ، مشيراً إلى أنه تم وقف دخول المركبات لمدة 48 ساعة إلى هطاي وكهرمان ماراش وأديامان.
كما وصلت سفينة «تي جي جي إسكندرون» التابعة للقوات البحرية التركية، إلى ولاية هطاي (جنوب) لنقل مصابي الزلزال إلى ولاية مرسين. ورست السفينة في ميناء إسكندرون، فجر الثلاثاء، وتم البدء في نقل الجرحى إليها بواسطة سيارات الإسعاف، لنقلهم لتلقي العلاج.
وفي حين قال خبراء إن الساعات الـ24 المقبلة «حاسمة» للعثور على ناجين وإنقاذهم، وإن عدد الناجين سيكون مرشحاً للتناقص بدرجة كبيرة بعد 48 ساعة، بدأت أعمال نصب خيام تتسع لـ10 آلاف شخص أرسلتها جمعية الهلال الأحمر التركي في مرحلة أولى إلى المناطق المتضررة من الزلزال جنوب البلاد. وأشارت الجمعية في بيان، الثلاثاء، إلى تواصل تزويد المناطق المتضررة بالخيام والبطانيات ووسائل التدفئة والألبسة والأغذية. وأوضحت أنها قدمت الطعام لنحو 200 ألف شخص خلال الساعات الـ24 الأولى للكارثة.
وتمكنت فرق البحث من إنقاذ 10 أشخاص، بينهم طفل، من تحت أنقاض المباني المنهارة بفعل الزلزال في ولايات هطاي، وديار بكر وكهرمان ماراش. وفي مدينة إسكندرون التابعة لولاية هطاي، تمكنت فرق البحث من إنقاذ 4 أشخاص، بينهم طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، من تحت أنقاض بناء مكون من 5 طوابق. وفي ولاية ديار بكر، أنقذت الفرق شخصاً مصاباً بجروح يبلغ من العمر 30 عاماً، بعد 27 ساعة من بقائه تحت الأنقاض. وفي ولاية كهرمان ماراش أنقذت فرق البحث الشابة رميساء يالتشينكايا (24 عاماً)، من حطام مبنى سكني مكون من 7 طوابق بعد 27 ساعة من وقوع الزلزال. كما استطاعت الفرق إنقاذ شابة من تحت الأنقاض في هطاي بعد 40 ساعة من بقائها تحت الأنقاض.
وفي حين تستمر الهزات الارتدادية لزلزالي كهرمان ماراش، أظهرت بيانات «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية» أن زلزالي الاثنين في تركيا قد يكونان الأكثر فتكاً في السنوات العشر الأخيرة، وأن عدد الضحايا قد يرتفع إلى 10 آلاف. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن بيانات «الهيئة» أن الخسائر المتوقعة للزلزالين قد تصل إلى مليار دولار. ويلقي علماء الزلازل باللوم على المباني سيئة التشييد في تحويل الزلزال إلى مثل هذه الكارثة.
من جهته؛ أكد عالم الزلازل التركي، ناجي جورور، لـ«الشرق الأوسط»، أن زلزالي كهرمان ماراش يعدان من بين أكثر الزلازل فتكاً وتدميراً خلال الأعوام الماضية، وأن هناك زلزالاً واحداً فقط في السنوات العشر الماضية كان بالشدة نفسها، مشيراً إلى أن «زيادة عدد الضحايا لا ترجع فقط إلى شدة الزلزال؛ وإنما للتوقيت، فقد وقع في الساعات الأولى من الصباح والناس نيام بالمنازل، فضلاً عن أن ضعف متانة المباني عامل آخر زاد من شدة الكارثة». وأشار إلى أنه قدم ومجموعة من زملائه دراسات ومقترحات عقب زلزال مرمرة عام 1999 ركزوا فيها بشكل أساسي على «الفالق الزلزالي بين إيلازغ ومالاطيا في شرق الأناضول، لكن لم تأخذ الأجهزة المعنية هذه الدراسات في الحسبان»، مضيفاً أن «وقوع زلزالي كهرمان ماراش يعد جرس إنذار؛ لأن هذه المنطقة لم تكن قد دخلت حزام الزلازل، لكننا توقعنا في الدراسات السابقة اقتراب هذه المناطق من الدخول في الفالق الزلزالي، ووضعنا خريطة متكاملة للمناطق المتوقع دخولها في حزام الزلازل بمختلف أنحاء تركيا».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

شؤون إقليمية أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية. وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن بلاده تتوقع موقفاً واضحاً من دمشق حيال «تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي» والتنظيمات التابعة له، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تنظر إليها أنقرة على أنها امتداد لـ«العمال الكردستاني» في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

واجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ادعاءً جديداً من خصومه في المعارضة، بشأن إرساله مبعوثين للتفاوض مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، من أجل توجيه رسالة للأكراد للتصويت لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 مايو (أيار) الحالي. وقالت رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشنار، إن إردوغان أرسل «شخصية قضائية» إلى أوجلان في محبسه، وإنها تعرف من الذي ذهب وكيف ذهب، مشيرة إلى أنها لن تكشف عن اسمه لأنه ليس شخصية سياسية. والأسبوع الماضي، نفى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إعلان الرئيس السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية» السجين، صلاح الدين دميرطاش، أن يكون إردوغان أرسل وف

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

<div>دفع إقدام تركيا على دخول مجال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء عبر محطة «أككويو» التي تنشئها شركة «روساتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد، والتي اكتسبت صفة «المنشأة النووية» بعد أن جرى تسليم الوقود النووي للمفاعل الأول من مفاعلاتها الأربعة الخميس الماضي، إلى تجديد المخاوف والتساؤلات بشأن مخاطر الطاقة النووية خصوصاً في ظل بقاء كارثة تشيرنوبل ماثلة في أذهان الأتراك على الرغم من مرور ما يقرب من 40 عاما على وقوعها. فنظراً للتقارب الجغرافي بين تركيا وأوكرانيا، التي شهدت تلك الكارثة المروعة عام 1986، ووقوعهما على البحر الأسود، قوبلت مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية باعتراضات شديدة في البد</div>

شؤون إقليمية أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، اليوم الأربعاء، إن اجتماع وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يُعقَد بموسكو، في العاشر من مايو (أيار)، إذ تعمل أنقرة ودمشق على إصلاح العلاقات المشحونة. كان جاويش أوغلو يتحدث، في مقابلة، مع محطة «إن.تي.في.»

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية «أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

«أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

أصبحت تركيا رسمياً عضواً في نادي الدول النووية بالعالم بعدما خطت أولى خطواتها لتوليد الكهرباء عبر محطة «أككويو» النووية التي تنفذها شركة «روسآتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد. ووصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خطوة تزويد أول مفاعل من بين 4 مفاعلات بالمحطة، بـ«التاريخية»، معلناً أنها دشنت انضمام بلاده إلى القوى النووية في العالم، مشيراً إلى أن «أككويو» هي البداية، وأن بلاده ستبني محطات أخرى مماثلة. على ساحل البحر المتوسط، وفي حضن الجبال، تقع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء، التي تعد أكبر مشروع في تاريخ العلاقات التركية - الروسية.


حزب كردي يُطالب بالسماح لـ عبدي وإلهام أحمد بزيارة تركيا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
TT

حزب كردي يُطالب بالسماح لـ عبدي وإلهام أحمد بزيارة تركيا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)

طالب حزب مؤيد للأكراد في تركيا بالسماح لكل من القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، والرئيسة المشاركة السابقة لدائرة العلاقات الخارجية فيما كان يُعرف بـ«الإدارة الذاتية لشمال وشمال شرقي سوريا»، إلهام أحمد، بزيارة أنقرة.

وقالت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان: «لقد تم تجاوز عتبة بالغة الأهمية على طريق دمج الأكراد السوريين في بقية سوريا، وقد أعلن ذلك شخصياً قائد قوات (قسد) مظلوم عبدي، وبصفتنا حزباً، نهنئ جميع من أسهموا في تمكين سوريا من إظهار الشجاعة اللازمة لاتخاذ هذه الخطوات الكبيرة، ونرى أن بذل الجهود والمساعي لحل هذه القضايا من خلال الحوار أمر بالغ الأهمية».

دعوة لزيارة تركيا

ولفتت إلى أهمية التكامل بين «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، والمستندة إلى حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، وعملية دمج «قسد» التي تمت في سوريا.

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» خلال مؤتمر صحافي بمقر الحزب في أنقرة (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت عائشة غل دوغان، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب في أنقرة، الجمعة، إن حزبها يتابع، من كثب، التطورات في سوريا، وأنه من الضروري تقييم التطورات الجارية في ضوء بعضها، «فإذا استطاعت تركيا إرساء سلامها وجعله دائماً، فإن كل هذه التطورات يمكن أن تصبح نموذجاً يُحتذى به في الشرق الأوسط أيضاً».

ووجّهت عائشة غل دوغان نداءً إلى رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، طالبته فيه بدعوة مظلوم عبدي، الذي عُيّن، الجمعة، مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، وإلهام أحمد، التي من المقرر أن يصدر الشرع قراراً بتعيينها عضواً في مجلس الشعب السوري، إلى زيارة تركيا.

وقالت: «بصفتنا (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب)، نوجه هذه الدعوة... بالطبع، يجب أن يأتيا، يجب دعوتهما إلى هنا، لماذا لا تتم دعوة مظلوم عبدي الذي أصبح مستشاراً للرئيس السوري، وإلهام أحمد، التي قد نراها قريباً عضوةً في البرلمان السوري، إلى تركيا من قبل رئيس البرلمان؟ لماذا لا يأتيان؟ لماذا لا يجري تطوير علاقات ودية؟».

عبدي أعلن الثلاثاء اكتمال عملية دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية (أ.ب)

وأضافت: «إن إبداء مظلوم عبدي، الذي أمضى معظم حياته في جبهات القتال ومناطق النزاع، إرادةً لحل قضية روج آفا (الاسم الكردي للمناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا) على أسس قانونية وسياسية، يمثل نموذجاً لعزيمة لا يُستهان بها. وأودّ أن أؤكد هذه النقطة بشكل خاص».

وتابعت: «بالمثل، فإن إلهام أحمد، التي تُعدّ من أهمّ الفاعلين في هذه العملية، قامت بإنجاز عظيم، وهو أن تبرز المرأة الكردية، ونساء الشرق الأوسط عموماً، بذكائهن الحاد وروحهن القتالية ومهاراتهن الدبلوماسية».

وأعلن عبدي من قصر الشعب في دمشق، الثلاثاء، عن اكتمال عملية اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية.

«قائمة الإرهاب»

وعبدي، الذي يُعرف في تركيا باسم «فرحات عبدي شاهين» مُدرج على قائمة «المطلوبين للإرهاب»، بموجب نشرة حمراء مودعة لدى الإنتربول، كما جرى رصد مكافأة مالية لمن يلقي القبض عليه، ولا يمكنه دخول تركيا قبل رفع اسمه من القائمة.

وجاءت تصريحات عائشة دوغان بعد ساعات قليلة من صدور مرسوم رئاسي بتوقيع الشرع بتعيين «مصطفى خليل عبدي» (مظلوم عبدي) مستشاراً رئاسياً، تزامن معه صدور مرسوم رئاسي، نشر بالجريدة الرسمية، يقضي بإعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية السورية من تأشيرة دخول تركيا.

وأثار هذان التطوران المتتاليان تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يُمهد الطريق لزيارة محتملة لعبدي إلى تركيا بعد رفع اسمه من قائمة الإرهاب.

مسلحون سابقون في «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في الجيش السوري (أ.ب)

وسبق أن رفعت وزارة الداخلية التركية، من «قائمة الإرهاب» في منتصف أغسطس (آب) الحالي، اسم قائد «وحدات حماية الشعب الكردية» التي كانت تقود «قسد»، سمير آصو، المعروف بـ«سيبان حمو»، الذي عُيّن في مارس (آذار) الماضي معاوناً لوزير الدفاع السوري، في إطار دمج «قسد» في مؤسسات الدولة.

وبات رفع اسم مظلوم عبدي من القائمة محور نقاش في تركيا عقب إعلان انتهاء دمج «قسد»، وسط توقعات بأن يزور تركيا، رفقة كل من إلهام أحمد وسيبان حمو، للقاء زعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، في سجن «إيمرالي» لمناقشة التطورات المتعلقة باندماج «قسد»، والعملية الجارية في تركيا لحل حزب «العمال الكردستاني»، ودمج عناصره في المجتمع التركي بعد التأكد من نزع أسلحته بشكل كامل.


طهران تصف الضغوط الأميركية بـ«إرهاب دولة»

إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
TT

طهران تصف الضغوط الأميركية بـ«إرهاب دولة»

إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)

صعّدت إيران، الجمعة، لهجتها ضد حملة الضغط الاقتصادي الأميركية، ووصفت الإجراءات الجديدة بأنها «إرهاب دولة» و«جريمة ضد الإنسانية»، ودعت الدول إلى عدم تنفيذها، فيما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن استئناف المسار الدبلوماسي يظل ممكناً إذا غيرت واشنطن نهجها ونفذت التزاماتها.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، إن الإجراءات الاقتصادية الأميركية الجديدة ضد طهران «غير قانونية ومستهجنة»، وترقى إلى مستوى «إرهاب الدولة»، معتبرة أنها تعرّض صحة ملايين المدنيين وسبل عيشهم «لخطر جسيم».

ووصفت الوزارة الحملة الأميركية بأنها «أداة قاسية» صُممت لإلحاق «الألم والمعاناة» بالإيرانيين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، وقالت إن الإجراءات تصل، وفق موقف طهران، إلى مستوى «جريمة دولية وجريمة ضد الإنسانية».

وكانت الولايات المتحدة قد كشفت الاثنين الماضي، عن مرحلة جديدة من حملة الضغط الاقتصادي تحت عنوان «عملية المنبوذ الاقتصادي»، مهددة بتوسيع نطاق العقوبات ليشمل الدول والمؤسسات التي تواصل التعامل مع إيران.

وقالت «الخارجية» الإيرانية إن العقوبات الأميركية، «بغض النظر عن أسمائها وعناوينها»، تخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واتهمت واشنطن باستخدام الدولار أداة للضغط على الدول الأخرى وإرغامها على اتباع سياستها تجاه طهران.

وأضافت أن هذه السياسة تنتهك سيادة الدول وحقها في تقرير علاقاتها الاقتصادية والتجارية، إلى جانب مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة في السيادة بين الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

ودعت «الخارجية» جميع الدول إلى الامتناع عن تطبيق العقوبات الأميركية وعدم الاعتراف بالآثار الناجمة عنها، معتبرة أن المشاركة فيها تصل إلى حد «التواطؤ في فرض الإرادة غير القانونية لدولة على دول مستقلة».

وحضت المجتمع الدولي، بما في ذلك هيئات الأمم المتحدة، على اتخاذ إجراءات للدفاع عن سيادة القانون ومبادئ ميثاق المنظمة الدولية.

«حرب اقتصادية»

عدّ البيان إطلاق حملة «المنبوذ الاقتصادي» بمثابة «إعلان حرب اقتصادية» على إيران، وربطها بالعمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد البلاد.

وقالت الوزارة إن السياسة الأميركية الجديدة تأتي ضمن ما سمتها «الحرب المركبة الأميركية - الإسرائيلية»، وأعلنت أن إيران عازمة على استخدام «كل قدراتها» للدفاع عن البلاد في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.

واتهمت واشنطن وتل أبيب بتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران «بذرائع واهية»، وقالت إن استمرار هذه الإجراءات يعرض السلام والأمن الإقليميين والدوليين للخطر.

وانتقد البيان الأمم المتحدة والدول الأعضاء بسبب ما عدّه غياب إجراءات كافية لمواجهة التحركات الأميركية والإسرائيلية، محذراً من تكريس نمط من انتهاك القانون الدولي.

واستندت «الخارجية» الإيرانية إلى أمر أصدرته محكمة العدل الدولية في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وقالت إن المحكمة طالبت واشنطن حينها بإزالة القيود التي تعوق تجارة الغذاء والمنتجات الزراعية والأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات سلامة الطيران المدني والمدفوعات المرتبطة بها.

وقالت إن العقوبات الجديدة تستدعي تحركاً من المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، خصوصاً مع ما تقول طهران إنه تأثير مباشر على الغذاء والدواء والرعاية الصحية وسبل عيش المدنيين.

عراقجي: الضغط لا يجدي

بالتزامن مع بيان «الخارجية»، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الولايات المتحدة، إلى العودة لتنفيذ الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، بعد 6 أشهر على اندلاع الحرب.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «إعادة المسار الدبلوماسي إلى سكته ليست بالأمر المستحيل، لكن ذلك يعتمد على إدراك الولايات المتحدة حقيقة بسيطة واحدة: الضغط لا يجدي نفعاً».

وأضاف: «على الولايات المتحدة أن تعيد بناء الثقة، وأن تتحدث باحترام، وأن تعترف بحقوقنا، وأن تفي بالتزاماتها».

وجاءت تصريحات عراقجي بعد يوم من لقائه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران، ضمن تحركات قطرية لإحياء المسار الدبلوماسي.

وبحث الجانبان، الخميس، خفض التصعيد وتهيئة الظروف للحوار، إلى جانب ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، ومقترح إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك وتنفيذ مشروع لتطهيره من الألغام.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قد قال إن «أميركا لن تحقق أي شيء بالضغوط الاقتصادية في هذه المرحلة، تماماً كما لم تتمكن من تحقيق أي شيء في الحرب»، مضيفاً أن إيران «تقف بحزم» في مواجهة الضغوط الاقتصادية.

التمسك بتفاهم يونيو

اندلعت الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، وردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز، قبل أن تفرض واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

كما أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل ودول عربية حليفة لواشنطن، وقالت إنها استهدفت منشآت عسكرية تستخدمها القوات الأميركية في الحرب.

وأفضت جهود دبلوماسية إلى وقف لإطلاق النار في أبريل (نيسان)، أعقبه في منتصف يونيو (حزيران) توقيع مذكرة تفاهم تمهد لمحادثات بشأن اتفاق نهائي، قبل أن تنهار التفاهمات مع استئناف الأعمال الحربية لفترة وجيزة مطلع يوليو (تموز).

وتتمسك طهران بالعودة إلى مذكرة التفاهم أساساً لأي مسار جديد، وتقول إن واشنطن مطالبة بتنفيذ التزامات تشمل رفع الحصار الأميركي والعقوبات الاقتصادية قبل اتخاذ إيران خطوات مقابلة.

وتجري إيران منذ أسابيع محادثات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق هرمز، في حين يؤكد مسؤولون إيرانيون أن إعادة فتح المضيق بصورة كاملة مرتبطة بتنفيذ الولايات المتحدة الالتزامات التي تقول طهران إنها وردت في تفاهم يونيو.


ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت الحرب، وأفضت إلى تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الإيراني، لا يزال خامنئي الابن، الذي أصيب بجروح بالغة، غائباً تماماً عن الأنظار، ما يترك فراغاً في قلب قيادة البلاد.

وتتصاعد التساؤلات بشأن وضعه الصحي ودوره، بينما تواجه إيران قرارات مصيرية مرتبطة بحرب أشعلت النار في الشرق الأوسط وألحقت مزيداً من الأضرار باقتصاد البلاد الهش أصلاً.

ويقول مسؤولون إيرانيون ومصادر رفيعة المستوى داخل البلاد إن خامنئي لا يزال ممسكاً بزمام الأمور ويدير شؤون الدولة من خلف الكواليس لأسباب أمنية، بينما يتعافى من جروح بالغة شوهت مظهره. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من رواية «رويترز» بشأن وضع خامنئي الصحي ودوره في عملية صنع القرار.

وحسب المصادر، فوض خامنئي صلاحيات واسعة في الإدارة اليومية إلى مجموعة من كبار المسؤولين. لكن عدم نشر أي صورة أو تسجيل مصور أو حتى رسالة صوتية له منذ اختياره بعد أسبوع من اندلاع الحرب يزيد الشكوك بين الإيرانيين بشأن موقعه داخل الجمهورية الإسلامية، حيث يفترض أن تكون للمرشد الكلمة الأخيرة في شؤون الدولة.

وزادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع من الجدل بشأن مصير خامنئي. وقال إنه لا يعتقد أن المرشد الإيراني توفي، لكنه أضاف أنه أُصيب «بجروح خطيرة جداً» شملت الجانب الأيسر من جسده وذراعه وساقه.

وأضاف ترمب أنه إذا كان خامنئي قد مات، فإن السلطات الإيرانية «تقدم عرضاً مقنعاً جداً»، في إشارة إلى استمرار المسؤولين في الحديث عن الرجوع إليه للحصول على الموافقة النهائية على القرارات.

وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط في واشنطن: «لم يعد السؤال ما إذا كان مجتبى على قيد الحياة، بل ما إذا كانت إيران لا يزال لديها مرشد يؤدي مهامه فعلياً».

واقتصرت رسائل خامنئي إلى الإيرانيين على عدد محدود من البيانات المكتوبة التي تلاها مذيعون في نشرات الأخبار، كما غاب حتى عن أسبوع مراسم تشييع والده الشهر الماضي.

غياب بلا صورة أو صوت

ولم يظهر خامنئي علناً منذ اختياره مرشداً في 8 مارس (آذار)، كما لم تنشر السلطات الإيرانية منذ ذلك الحين صورة حديثة أو تسجيلاً صوتياً أو مصوراً يمكن التحقق من توقيته.

ونفت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، هذا الأسبوع، أن يكون تسجيل متداول يظهر خامنئي إلى جانب رجال دين قد صُوِّر بعد توليه المنصب، وقالت إن المقطع يعود إلى فترة سابقة.

ويعزو مسؤولون كبار ومطلعون آخرون غيابه إلى مخاوف من تعرضه للاغتيال، ويقولون إنه يعقد اجتماعات متكررة مع كبار المسؤولين، ويتلقى جميع التقارير الرئيسية، ويتخذ القرار النهائي في القضايا المهمة.

وقال الرئيس مسعود بزشكيان في 10 أغسطس إنه عقد اجتماعاً استمر سبع ساعات مع خامنئي. لكن الشكوك بدأت تتسلل حتى إلى بعض أشد أنصار الجمهورية الإسلامية تأييداً لها. وكان مكتب خامنئي قد أعلن في اليوم نفسه لقاءه بزشكيان وبحث تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومستقبل البلاد، لكنه لم ينشر صورة أو تسجيلاً للاجتماع.

وقال بزشكيان قبل ذلك بأيام إن التواصل مع خامنئي «صعب جداً في الوقت الراهن»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه عقد معه اجتماعات «مثمرة».

وقال أحد أفراد قوات «الباسيج» في مدينة قم، معقل رجل الدين والتيار المحافظ في إيران: «نحتاج إلى سماع صوت قائدنا، أو رؤية أي إشارة تدل على أنه يقود البلاد ويمسك بزمام الأمور، حتى يمنحنا ذلك مزيداً من الثقة».

صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)

وقال عضو «الباسيج»، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إنه يعتقد أن خامنئي لا يزال يتخذ القرارات الرئيسية، لكنه رأى أن غياب حتى صورة واحدة له يضعف الروح المعنوية ولا يصب في مصلحة إيران.

أما بين الإيرانيين المعارضين للنظام الحاكم أو المطالبين بإصلاحات شاملة، فالشكوك أكثر وضوحاً. وقال شاهرخ، وهو رجل أعمال مؤيد للإصلاحات في طهران، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته: «كيف لنا أن نعرف أن مجتبى لم يُقتل؟».

وأضاف: «ليس من المنطقي ألا تكون هناك ولو إشارة واحدة تثبت أنه لا يزال على قيد الحياة، ناهيك عن دليل على مشاركته في صنع القرار».

«الحرس الثوري» أساس هيكل السلطة

صمدت إيران ستة أشهر في الحرب مع أقوى خصومها، وخرجت منها منهكة لكنها لا تزال واقفة على قدميها. وحافظ نظامها السياسي على تماسكه، بينما لا يزال جيشها يمتلك القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية.

وأظهرت المؤسسة الثيوقراطية الحاكمة قدرتها على استيعاب غياب المرشد وقادة عسكريين كبار من دون أن تنهار، مع الحفاظ على تسلسل قيادي سياسي وعسكري موالٍ لآيديولوجيتها.

لكن الاقتصاد الإيراني يرزح تحت تكلفة الحرب والحصار المفروض منذ أشهر على صادرات النفط، ما أدى إلى انهيار الريال وأعاد المخاوف من احتجاجات جماهيرية كتلك التي قمعتها السلطات في يناير (كانون الثاني) بقتل آلاف المتظاهرين.

وفي الوقت نفسه، أعادت المؤسسة الحاكمة تنظيم صفوفها حول أولوية واضحة تتمثل في الحفاظ على الدولة، واستعادة قوة الردع، ومنع التداعيات الاقتصادية من زعزعة استقرار البلاد.

وقالت المصادر إن «الحرس الثوري»، الذي لطالما تمتع بنفوذ واسع، زاد نفوذه منذ بداية الحرب، ولا يزال يحتل موقعاً محورياً في التفكير الاستراتيجي داخل نظام حكم أعيد تشكيله حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

وتضم هذه النخبة العليا كبار قادة «الحرس الثوري»، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.

وقال عدد من المصادر رفيعة المستوى التي تواصلت معها «رويترز» داخل إيران إن خامنئي يعقد بالفعل اجتماعات مع هذه الشخصيات، ويشارك بصورة كاملة في المداولات، وله القول الفصل في جميع القضايا الرئيسية.

وقال مسؤول إيراني كبير إن عدداً محدوداً فقط من المسؤولين لا يزالون على اتصال مباشر وشخصي بخامنئي، وإن حجب التفاصيل المتعلقة به يهدف إلى منع تسرب معلومات قد تتيح للولايات المتحدة استهدافه.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد قال في يوليو (تموز) إنه لم يلتقِ خامنئي وجهاً لوجه منذ توليه المنصب، بينما كان بزشكيان ورئيس الأركان علي عبد اللهي بين عدد محدود من المسؤولين الذين أُعلن عن لقائهم به، من دون نشر صور أو تسجيلات توثق تلك الاجتماعات.

وقال شخص مقرب من الدائرة الضيقة المحيطة بخامنئي إن حالته الصحية تشهد تحسناً ملحوظاً، مؤكداً أنه يتمتع بسرعة البديهة ويشارك في صنع القرار.

وقال مسؤول ثان: «على الرغم من كل الضغوط، لم تتوقف الخدمات المقدمة للشعب. ونسق سياستنا الخارجية موحد وقراراتنا متسقة. وكل ذلك يظهر أن المرشد يمسك بزمام الأمور».

وحتى قبل الحرب، كان خامنئي يفضل العمل من خلف الكواليس بصفته أحد أبرز مساعدي والده، مبتعداً عن الأضواء.

ووفقاً لمصادر رفيعة المستوى، تسببت الإصابات التي تعرض لها في الساعات الأولى من 28 فبراير، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية قتلت والده، في تشوه ملامح وجهه.

لكن بعد توليه منصباً يمنح شاغله مكانة كبيرة في النظام الثيوقراطي، وفي ظل أخطر أزمة تواجهها البلاد منذ ثورة 1979، تبدو مثل هذه الاعتبارات غير مقنعة لكثيرين.

وقال فاتانكا: «أي اتفاق حقيقي مع واشنطن يتطلب موافقة واضحة لا لبس فيها من مجتبى، وكذلك أي قرار بمواصلة صراع طويل ومكلف مع الولايات المتحدة».

وأضاف: «غيابه الطويل خلق وضعاً خطيراً يمكن فيه لجميع الفصائل المتنافسة أن تدعي أنها تعرف ما الذي يريده المرشد حقاً».