آن بوريل : فرنسا بلد حقوق الإنسان لكنها ملوثة بالأحزاب العنصرية وكراهية الأجانب

الكاتبة الفرنسية تقول لـ «الشرق الأوسط» أن لكل رواية «هندستها المعمارية الخاصة»

آن بوريل مع كتبها في معرض القاهرة للكتاب (الشرق الأوسط)
آن بوريل مع كتبها في معرض القاهرة للكتاب (الشرق الأوسط)
TT

آن بوريل : فرنسا بلد حقوق الإنسان لكنها ملوثة بالأحزاب العنصرية وكراهية الأجانب

آن بوريل مع كتبها في معرض القاهرة للكتاب (الشرق الأوسط)
آن بوريل مع كتبها في معرض القاهرة للكتاب (الشرق الأوسط)

تتنوع إبداعات الكاتبة الفرنسية آن بوريل ما بين الشعر والرواية والمسرح، ولديها أعمال عديدة حظيت بتقدير النقاد ولجان التحكيم. حصلت على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان كونياك 2018 عن مسرحيتها «انظروا كيف نرقص»، وفازت روايتها «اختراع الثلج»، قبل ذلك بعامين بجائزتي «كابري دوغ»، و«مدينة لكتور»، كما توجت بجائزة كُتَّاب البحر الأبيض المتوسط، من مجلّة «أنفاس» في عام 2001 عن ديوانها «دربٌ سائل»، وجائزة مدينة داكس عن ديوانها «أَسْوَد». وأخيراً صدرت الترجمة العربية لروايتيها «حانة غران مدامز»، و«المدعو الأخير» عن دار ويلوز هاوس بجنوب السودان. هنا حوار معها حول أعمالها، على هامش مشاركتها في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب

> نلاحظ أن شخصيات «حانة غران مدامز» تبدو تائهة وبلا هوية... كيف ترين ذلك؟
- «غران مدامز» هي جزئياً رواية طريق. تبدأ في الحدود بين فرنسا وإسبانيا، وتنتهي على حصيلة الطريق السريع بالقرب من تولوز. إذا نظرت إلى خريطة لهذه المنطقة، ورسمت خطاً من «لاجونكيرا» إلى «تولوز»، فسوف تسافر على طول البحر الأبيض المتوسط، ثم مباشرة عبر جبال البرانس، وهناك بعد ذلك مائتان وخمسون كيلومتراً من الطرق السريعة التي ستوصلك إلى النقطة الأخيرة. وستكون قد أنتجت خطاً رمزياً خيالياً، وهو ذلك الخط المطبوع في ذاكرتي وعلى عظامي. ولكني حقيقة، وبهذا الخط الخيالي جغرافياً، أردت أن تكون روايتي «حانة غران مدامز» سريعة وغاضبة، حيث تهرب شخصياتي من أشياء كثيرة، حياتهم السابقة، وأسرارهم، ومخاوفهم، ورغباتهم، وغضبهم.

> هل من أجل ذلك جاءت الفصول التي تسرد تفاصيل حياتهم من دون عناوين، ومجرد مقاطع قصيرة مرقمة؟
- ساهمت الفصول القصيرة التي جاءت من دون أرقام أو عناوين في الإسراع بإيقاع السرد. ولأن الشخصيات خارجة عن القانون، رحت أتخيل روايتي، خارج قانون الروايات الواقعية البحتة. وقمت خلال أحداثها بمزج تقنيات مختلفة، وأضفت حوارات كتلك التي تستخدم في المسرح، واستخدمت الفراغ في الصفحات، وحكيت نكاتاً، وكسرتُ تقنية «رواية الطريق» بجزء ثابت طويل، حين فوجئت الشخصيات بحرارة الصيف. خلاصة القول أنا أرى أن كل كتاب له هندسته المعمارية الخاصة اعتماداً على القصة. «حانة غران مدامز» رواية حرة، كما نقول؛ مثل الشعر الحر.
> لكن كيف جاءت لك فكرة هذه الرواية، يبدو أن وراءها قصة ما؟
- على الطريق السريع وأنا عائدة إلى المنزل، بعد أن زرت محطة الوقود، التي ولدت فيها وعشت ووالدي، جلستُ داخل سيارتي. قررت أن أكتب قصة تعود فيها محطة البنزين المدمرة إلى الوجود مرة أخرى. سأخترع بعض الأشخاص الجدد لجعلها على قيد الحياة. عائلة جديدة وستدخل هذه العائلة في صدام مع مجموعة أخرى من الشخصيات المعارضة لها تماماً. تبادرت مارييل ووالدها ووالدتها إلى الذهن، وعلى الجانب الآخر من الطريق، كان الأجداد، وبعد ذلك، في حالة جنون، جلبتها رياح الجنوب الهوجاء، ظهرت «بيغونيا مارس»، بساقين طويلتين وابتسامة مدمرة، تحمل كلباً قبيحاً له فراء خليط بين الأبيض والأسود. ثم الاثنان الآخران، لودوفيك (الرئيس)، و(الصيني)، كانوا جميعا هناك، وسرعان ما ارتكبوا جريمة قتل؛ يجب أن أقول إنني كنت أتخيل تلك الجريمة وأنا في سن المراهقة، عندما سافرنا ذات مرة مع أعز صديقاتي ووالديها إلى إسبانيا، وعلقنا على الطريق السريع لساعات في ازدحام مروري ضخم، وفي الجزء السفلي من نصب الكتالونيين، كنت أتخيل أن شخصاً ما قد قُتل في الليل، ووُضِع على الدرج الأخير من النُصب التذكاري الشبيه بـ«الإنكا». استطعت أن أرى القميص الأبيض مثل العلم على قمة الهرم.

> في «حانة غران مدامز» يرتكب الثلاثي (الصيني) و(العاهرة) و(لودوفيك) جريمتي قتل: الأولى ضد شخص هو (الكتالوني) ولأسباب مجهولة، والثانية بسبب واضح هو معاقبة مغتصب الطفلة «مارييل» التي التقوها في رحلة هروبهم من الجريمة الأولى؟ كيف تستغلين فكرة كهذه في بناء الرواية؟
- غالباً ما أعمل من مخزون من الصور التي سجلتها ذاكرتي أحياناً منذ عدة عقود. عندما عادت جريمة القتل هذه إلى كتاباتي، ساعدتني حقيقة ألا أحد يعرف سبب ارتكاب الثلاثي لها - ولا حتى أنا في ذلك الوقت - على إظهار الشخصيات الثلاث في كامل وحشيتهم. وكنت أريد أن يسقط القارئ في الشراك نفسها، التي أنا فيها، في جنون ريح الجنوب وإلحاح الذاكرة، مأخوذاً بقوة تفوق قدراته، وإذا كانت جريمة القتل الأولى جزءاً من افتتاح الرواية بالمعنى الموسيقي، مثل الأوبرا، فإن القتل الثاني هو بالطبع جزء من الحبكة.
لكن يجب أن أعترف أنني أعرف الآن سبب ارتكاب جريمة القتل الأولى، وقد كتبت رواية بعنوان «ملك الليل والنهار»، ستصدر في أبريل (نيسان) المقبل في فرنسا، وآمل أن تترجم قريباً إلى العربية، تحكي الرواية (أخيراً!)، لماذا قتل الثلاثي الدموي الكتالوني.
> لكن كيف لثلاثة من الخارجين عن القانون أن يكون لديهم هذا النزوع نحو تحقيق العدل في مواجهة عجوز متنمرة عليهم، وعم مغتصب؟
- لا أريدُ صناعة أو خلق الشخصيات السردية ككتل. الخارج عن القانون مثل رئيس المجموعة «لودوفيك» يصبح فجأة مثل أي رجل لديه قلب، أمام فتاة صغيرة تنتهك. شيء ما يتغير في الطريقة التي ينظر بها «الثلاثة» إلى العالم عند وصولهم إلى محطة البنزين. كان من الممكن أن يصبحوا أشخاصاً جيدين وعاديين، ويقضون أوقاتهم في سرد النكات لبعضهم بعضاً وشرب نبيذ «الروز» تحت شجرة السنط. لكن الشر طرق بابهم مرة أخرى. كان نائماً بداخلهم ولكن عندما استيقظ، فهموا ما يجري. أصبح الرئيس وزميلاه، (بيغونيا والصيني)، أكثر شراسة من أي وقت مضى، ومستعدين لفعل أي شيء من أجل مارييل، فهي التي كانت بطريقة «خفية ونفسية»، تعوضهم بوجودها عما ينقصهم. كما أنها على الجانب الآخر، لا يمكن لأحد أن يفهمها أفضل منهم لأنهم يعرفون الكثير عن الشر. يمكنك أيضاً قراءتها؛ على أن الثلاثة «وحوش» ستخلصها مما تعانيه، كما هو الحال في حكاية أو كابوس ألم بمارييل، لأنها تُركت بمفردها وغير محمية.
> في الرواية نفسها تشيرين إلى أن العاهرة «بيغونيا مارس» كانت تدرس الأدب قبل تورطها فيما صارت إليه، ثم تبنين معمار الرواية كله على هذه التفصيلة... ما رؤيتك لهذه الاستراتيجية في البناء لروايتك؟
- تبدأ حياة بيغونيا من نقطة واقعية للغاية. قرأت مقالات في الصحافة وعلم الاجتماع عن الدعارة بشكل عام وعن قرية «لاجونكيرا»، حيث لا يزال الحال كما هو إلى يومنا الحاضر. ووجدت العديد من القصص عن الطلاب الذين واجهوا مصيراً مشابهاً. أرادوا كسب حياتهم من خلال وظيفة ليلية سهلة، بدا الأمر ممتعاً وشيقاً ومسلياً وأفضل أجراً من أي وظيفة طلابية مشتركة. لكنها كانت الخطوة الأولى في عالم الهلاك. ثم فكرت في «مارسيل بروست». في «ذكرى الأشياء الماضية»، يكتب مارسيل في الواقع عن الكتابة. في نهاية المجلدات السبعة، نفهم أن ما أراد كتابته كان فعلياً ما قرأناه للتو. في أثناء السير على خطى الكاتب العملاق، أردت استخدام الهندسة المعمارية نفسها، ولكن في رواية قصيرة واحدة. وبدلاً من الجمل الطويلة وشخصيات الطبقة العليا، اخترت استخدام جمل قصيرة وأشخاص منبوذين وعائلة مختلة.
> في «حانة غران مدامز» يبدو حضور «علي طالب» وكأنه اللحظة المضيئة في حياة (مارس) فيما يظهر (رولاند العنصري) عمدة «فيلغوج» في «المدعو الأخير» بفساده ودوره في تدمير الحياة فيها، لكن يبدو حضور الأجانب بمن فيهم العرب مثيراً للخوف والإرهاب والتهديد... كيف ترين هاتين الصورتين المتعارضتين لوجود الأجانب في الروايتين؟
- بما أن فرنسا بلد حقوق الإنسان، وموطن فولتير وغيره من المفكرين الأحرار، فهي أيضاً أرض ملوثة بالأحزاب السياسية العنصرية وكراهية الأجانب. فمن ناحية كان الناس يساعدون اللاجئين في الجمعيات أو بشكل فردي، ومن ناحية أخرى تدمر الشرطة خيام المهاجرين الفقراء. لذا تعد فرنسا بوتقة انصهار كبيرة وخارجة، تثري بموجات الهجرات المختلفة، ومن ناحية أخرى، يخشى الناس من التعرض للغزو. انظر إلى الأجنبي الذي أنت عليه قبل أن تخشى أي أجنبي، أود أن أقول، كما هو الحال في العديد من الأماكن الأخرى في أوروبا، الشعبوية هي اتجاه وتهديد. ومع ذلك، تتمتع أوروبا أيضاً بتاريخ طويل من الترحيب. لذلك، في رواياتي كمرآة للمجتمع، تتعايش وجهتا النظر بين شخصياتي.
> هناك حس شعري لامع في كثير من مناطق القص في «المدعو الأخير»... هل خشيتِ أن تؤثر اللغة الشعرية على السرد وفاعليته في الحدث؟
- اعذرني إذا كنت مخطئة، لكنني شعرتُ أنه فقط من خلال صنع قطعة جمالية من العمل، يمكنني جعل القصة تزدهر وتتدفق المشاعر، اللغة سلاح، كلنا نعرف ذلك وباستخدامها بكل إمكانياتها، وإنشاء الصور، وعمل القوائم، وكتابة قصيدة، واختراع أفعال جديدة، واستخدامها لصنع الموسيقى والإيقاع، وخلق عالم آخر وهمي صعب، ولكنه جميل. إنه وسيلة لمحاربة القبح والشر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».


مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

أعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام» عودة «ماسبيرو» إلى الإنتاج «الدرامي التاريخي» مجدداً. وفي بيان صحافي، الاثنين، أفاد الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة، بأن «قطاع الإنتاج» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

وأوضح المسلماني في بيانه أن «ماسبيرو» يعود تدريجياً إلى سوق الدراما في ظل تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، لافتاً إلى أن «التركيز سيكون على الملفات ذات القيمة الفكرية والثقافية والتاريخية، إلى جانب تضمين الدراما الاجتماعية منظومة القيم والمبادئ الوطنية».

ورحّب نقاد فنيون مصريون بهذه العودة، من بينهم حنان شومان، التي أوضحت أن الحكم على المضمون سيكون بعد مشاهدته فعلياً.

أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (حساب الهيئة على فيسبوك)

وأضافت حنان شومان لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن «فكرة العودة إلى الإنتاج لا تتمحور حول الإعلان بقدر ما ترتبط بمستوى العمل وكيفية تقديمه»، لافتة إلى أن «الإنتاج السخي هو العامل الأول والأساس في خروج أي عمل بشكل جاذب للجمهور، على عكس الميزانيات الضعيفة».

ونوّهت حنان إلى أن امتلاك «قطاع الإنتاج» سابقاً، خلال مسيرته الحافلة بالروائع الفنية، لأدوات قوة، أبرزها الميزانيات الضخمة، والقدرة على استقطاب النجوم والكتّاب والمخرجين وسائر صُنّاع العمل، إضافة إلى العرض على التلفزيون الرسمي؛ يجعل المنافسة في ظل المتغيرات الجديدة أمراً صعباً، خصوصاً مع تنوع جهات الإنتاج، واختيار الفنان للجهة التي تحقق له طموحه الفني والمادي.

وعن جاذبية الأعمال التاريخية ومدى إقبال الجمهور عليها راهناً، أكدت شومان أن «محتوى العمل ومعالجته الدرامية، لا اسم الشخصية، هما الفيصل؛ سواء كانت الشخصية تاريخية أم لا، لأن جودة المضمون هي التي تحدد حجم الإقبال الجماهيري، ومدى تحقيق أهداف الصناعة، واستمرار حركة الإنتاج الفني».

وعاش الإمام السيوطي في القرن الـ15، قبل نحو 500 عام، حيث وُلد في القاهرة لعائلة من أسيوط، وله مئات المؤلفات والرسائل ذات المكانة الرفيعة في العلوم الإسلامية. وقد حفظ «القرآن الكريم» في سن مبكرة، ومن ثَمّ اتجه إلى حفظ المتون وطلب مختلف العلوم، منها الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، واللغة، مما جعله موسوعة في العلوم الشرعية والعربية.

وحسب بيان «الوطنية للإعلام»، فإن مسلسل «دعاة الحق»، الذي عُرض قبل أكثر من 20 عاماً، تناول عدداً من الشخصيات الإسلامية، من بينها شخصية «السيوطي» عبر حلقتين فقط، ولم يُنتج مسلسل مستقل عنه.

«ماسبيرو» يُقرر إنتاج مسلسل عن الإمام المصري جلال الدين السيوطي (الهيئة الوطنية للإعلام)

ولفتت الهيئة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد، في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بسيرة الإمام السيوطي العلمية التي جعلت أعماله باقية وحاضرة بعد 500 عام، مؤكداً «أهمية الاقتداء به بوصفه نموذجاً يُحتذى».

وقبل المسلسل الرمضاني الذي سيتناول سيرة الإمام السيوطي، أعلن «ماسبيرو»، قبل أشهر عدَّة، عودته إلى الإنتاج الدرامي بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، عبر مسلسل «حق ضايع» المكوّن من 15 حلقة، بإنتاج مشترك مع شركة «إكسيليفون فيلم» للمنتج عوض ماهر، وبطولة أحمد صلاح حسني، ونسرين أمين، ولوسي، ونضال الشافعي، ورنا سماحة، ومن تأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج محمد عبد الخالق. لكن التصوير توقف، وتقرر تأجيل عرض المسلسل في موسم رمضان الماضي.

وقدّمت الدراما المصرية خلال السنوات الماضية عدداً محدوداً جداً من المسلسلات التاريخية، من بينها «الحشاشين» لكريم عبد العزيز، الذي حقق نسب مشاهدة كبيرة وأثار جدلاً واسعاً وقت عرضه، وكذلك «رسالة الإمام» عن حياة الإمام محمد الشافعي، وهو من بطولة الفنان خالد النبوي.


«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثّلاً السعودية في مسابقة الأفلام العربية ضمن الدورة الـ12 من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، التي تنطلق في 27 أبريل (نيسان) الحالي. وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر» خلال دورته الخامسة العام الماضي، ويُعد عرضه في الإسكندرية أول عرض له في القارة الأفريقية.

صُوِّر الفيلم في مدينة الرياض، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الشاب سعيد، الذي يبدأ يومه المليء بالفوضى؛ إذ يستيقظ متأخراً ويتغيب عن اجتماعاته، ثم يتناول إفطاره ويغادر متجهاً إلى عمله. وبعد أن يذكّره نادلٌ متجهم بالصلاة، يعود ليجد حذاءه قد سُرق، ليبدأ رحلة بحث عنه تتخللها مطاردات مضحكة وغير متوقعة. الفيلم من بطولة الممثل السعودي عبد الحميد العمير، ومن تأليف وإخراج محمد الزوعري، الذي بدأ مسيرته في مجال الإعلانات، ثم اتجه إلى الدراما حيث كتب وأخرج مسلسل «كروموسوم». ويُعد «يوم سعيد» أول أفلامه الروائية القصيرة.

وتشهد مسابقة الأفلام العربية في المهرجان مشاركة 7 أفلام أخرى إلى جانب الفيلم السعودي، من بينها الفيلم التونسي «المسمار» للمخرج رائد بوسريح، والقطري «ارحل لتبقى الذكرى» للمخرج علي الهاجري، والمصري «ديك البلد» للمخرجة ناتالي ممدوح، والأردني «ثورة غضب» للمخرجة عائشة شحالتوغ، والفلسطيني «سينما حبي» لإبراهيم حنضل ووسام الجعفري، إلى جانب الفيلم المصري - الإماراتي «أغداً ألقاك» للمخرج مؤمن ياسر، والفيلم اللبناني «كبّ القهوة خير» للمخرج إليو طرابيه.

ملصق فيلم «يوم سعيد» (إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

في حين تشهد مسابقة الفيلم الروائي مشاركة 15 فيلماً، من بينها فيلم «قبل الظهر»، وهو إنتاج مشترك بين مصر والسعودية للمخرج مروان الشافعي، ويُعرض عالمياً للمرة الأولى، إلى جانب أفلام من الجزائر، وليبيا، وفرنسا، والبرازيل، وإسبانيا، وبلجيكا، وبولندا، والمكسيك. كما تتضمن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي» مشاركة 17 فيلماً من دول عدَّة، من بينها الولايات المتحدة، ومصر، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وبولندا، وإسبانيا، والجزائر، فيما تضم مسابقة أفلام الطلبة 8 أعمال.

واستحدث المهرجان في هذه الدورة مسابقة تحمل اسم المخرج خيري بشارة، يتنافس على جوائزها 20 فيلماً مصرياً. وأكد محمد محمود، رئيس مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الجائزة تأتي احتفاءً بمسيرة المخرج الكبير خيري بشارة، كما تُعد تكريماً لصنّاع الأفلام، حيث سيحصل الفائزون على جائزة تحمل اسمه، وسيُسلِّمها بنفسه في حفل الختام.

وعن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، التي يقيمها المهرجان للعام الثاني على التوالي، قال محمود إن «الإقبال عليها كان لافتاً في الدورة الماضية، وشهدت مناقشات ثرية. وهذا العام تلقينا أفلاماً من عدد أكبر من المخرجين، ما يؤكد أن ثمة شيئاً يتغيَّر، وربما لا يتقبله البعض، لكنه أصبح واقعاً بالفعل؛ فالذكاء الاصطناعي مقبل بقوة إلى عالم السينما».

ترام الإسكندرية يتصدر ملصق مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» (إدارة المهرجان)

ولفت محمود إلى اهتمام المهرجان بالسينما العربية عبر تخصيص مسابقة لها، موضحاً أنه بدأ عربياً ونجح في تكوين قاعدة واسعة من صنّاع الأفلام العرب، قبل أن يتحول في دورته الـ8 إلى مهرجان دولي.

وأشار إلى أن المهرجان حصل منذ دورته الـ11 على حق ترشيح الفيلم الفائز بجائزة «هيباتيا الذهبية» لمنافسات الأوسكار، مؤكداً أن ذلك يُعد اعترافاً عالمياً بمكانته بوصفه أحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن شراكته مع مهرجان «كليرمون فيران» في فرنسا، وهو الأكبر عالمياً في مجال الأفلام القصيرة.

واختتم بأن هذه الدورة تشهد حضور عدد من الضيوف يفوق التوقعات، رغم الظروف الراهنة والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يشارك ضيوف من خارج مصر، إضافة إلى مخرجين شباب حضروا على نفقتهم الخاصة، ما يعكس حالة الأمان في مصر وأهمية المهرجان وقيمته.

واستُلهم ملصق الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير من «ترام الإسكندرية»، أحد أبرز رموز المدينة، الذي رغم غيابه عن المشهد حالياً، سيظل جزءاً من ذاكرتها وشاهداً على تاريخها.