مرثية شعرية تحتفي بجمالية الحقيقة

«الأفعوان الحجري» لنوري الجراح

غلاف «الأفعوان الحجري»
غلاف «الأفعوان الحجري»
TT

مرثية شعرية تحتفي بجمالية الحقيقة

غلاف «الأفعوان الحجري»
غلاف «الأفعوان الحجري»

تمثل الفترة الهلنستية من تاريخ البحر المتوسط سيرورة الدمج بين الهلينية، أي المركزية اليونانية، والشرق السوري الذي يمثل الأطراف. ويمكن وصف كتاب «الأفعوان الحجري» للشاعر نوري الجرّاح، الصادر مؤخراً في طبعتين عربية وإنجليزية، أنه مرثية شعرية جدلية المنزع بامتياز. وما أعنيه بذلك هو أنه نص إشكالي يترك النقاش مفتوحاً على الحسم الأنثروبولوجي.
ما فعله شاعر هذا النص باختصار هو تقديم الحسم إزاء وجهتي نظر حول رؤية حضارة العالم. وتشير وجهة النظر السائدة التي أَلِفَها الأنثروبولوجيون الغربيون طويلاً إلى أن الحضارة الهلينية (اليونانية)، حضارة المتوسط، هي حصيلة غزو شمالي من قبل شعوب هندو - أوروبية. ولكن اليونانيين أنفسهم، أصحاب ما يدعى بالمنزع الكلاسيكي في السياق الحضاري العالمي، لم يشيروا البتة إلى هذا الغزو الذي يدعى بـ«الموديل الآري».
هذا هو فصل المقال في الدراسة الأنثروبولوجية (3 أجزاء) التي أصدرها الباحث البريطاني مارتن برنال Bernal تحت عنوان «أثينا السوداء... الجذور الآفرو - آسيوية للحضارة الكلاسيكية». في «الأفعوان الحجري» يقدم نوري الجراح ما يمكن اعتباره بمثابة «المعادل الجمالي» لصنيع برنال. بؤرة ما أعنيه بالمعادل الجمالي هنا تكمن في تحويل نصب مُقام وفق الطراز التدمري، نقشت عليه كتابات بالتدمرية واللاتينية، وعثر عليه إلى الشمال من لندن على مقربة من جدار هادريان Hadrian Wall، في منطقة ساوث شيلدز South Shields التي يمر فيها نهر تاين River Tyne عند مصبه في المحيط - إلى نص شعري ملحمي.
في هذا النص نقش اسمان؛ برعتا التدمري القادم من الجنوب، وريجينا السلتية القادمة من الشمال. والسؤال؛ هل كان برعتا التدمري تاجراً وصل إلى بريطانيا قبل 2000 عام، أم مقاتلاً في القوات الرومانية القادمة من الجنوب؟
أغلب الظن أن برعتا التدمري مقاتل لم ينقش الاسم الأصلي لمحبوبته على اللوح الجنائزي التدمري، بل استبدل الاسم السلتي بصفة، هي ريجينا، باللاتينية تعني ملكة. ويظل السؤال مطروحاً؛ من هو هذا المغامر الذي جاء من الشرق ليحرر امرأة من الغرب ويسميها ريجينا مستفزاً بذلك سطوة النظام العبودي لروما؟
كيف قيض لفتى لوحته شمس تدمر أن يحيط بذراعه السمراء خصر فتاة سلتية ذات جديلة حمراء، ويهيم بها قبل 2000 عام؟
نصب شبيه بأنصاب تدمر عثر عليه بالقرب من جدار روماني أشعل مخيلة الشاعر، وله تدين هذه القصيدة التي تضيف للمرة الأولى إلى ثقافة اللغتين العربية والإنجليزية، بلغة ملحمية أيقونية المنزع، عابرة للجغرافيا والآيديولوجيا، أيقونة أقدم من كل ما عرفنا من أيقونات الحب المرتبط تحديداً بالمأساة.
مرثية التدمري لمحبوبته التي ماتت في الثلاثين ليست مجرد تاريخ ميثولوجي. يرى الأنثروبولوجيون البريطانيون أن برعتا القادم من سوريا قد يكون مقاتلاً في الجيش الروماني أو تاجراً تدمرياً وصل بطريقة ما إلى بريطانيا. ويرى شاعر «الأفعوان الحجري»، شأنه شأن آخرين، أنه قد يكون أحد النبالين السوريين الخمسمائة الذين كلفوا بالدفاع عن جدار هادريان (حسب الوثائق العسكرية الرومانية) الذي بني بأمر من الإمبراطور الروماني، الذي يحمل السور اسمه في عام 122 بعد الميلاد. وعندما أخلد برعتا إلى الراحة مع نهاية خدمته العسكرية، واصل حياته في منطقة قريبة من الحصن الرئيسي عند جدار هادريان، المسمى آربيا. ويخبرنا المؤرخون أن القانون العسكري الروماني لم يكن يسمح لمن هم من غير كبار الضباط اصطحاب عائلاتهم إلى المناطق التي يخدمون فيها لفترة ربع قرن، وهو ما يفسر بقاء الغالبية العظمى من صغار الضباط والجنود الرومانيين في بريطانيا، وارتباط معظم هؤلاء بنساء من القبائل السلتية، ومنها الكتافلانيون الذين تنتمي إليهم ريجينا، وهو ما حدث، وفقاً لمرثية «الأفعوان الحجري» لبرعتا التدمري باقترانه من السبية السلتية التي حررها.
من هذا المنظور يمكن اعتبار القصيدة صلة وصل بين الحقيقة التاريخية وبين الشعرية العابرة للثقافات. وهذا المنزع طريقة أخرى للقول إن الشعر جسر بين الحقيقة والخيال. وهذه النقطة يمكن تعقبها بمقاربات مختلفة، لعل أقربها إلينا تعقب الشعر العربي الراهن من حيث علاقته بالحقيقة الأنثروبولوجية.
وبصرف النظر عما يختاره قارئ الشعر المعاصر، فإن بعض الإلمام بالتاريخ الأوروبي ربما كان مطلوباً لإدراك مدى تماس الشاعر الجرّاح مع نقد إدوارد سعيد لباراديم النزعة المركزية الأوروبية.
أختم هذه الملاحظات بالقول إنه تكمن في هذه الملحمة الجسور رحلة شعرية مبتكرة لملمح مقموع عادة، ملمح مسكوت عنه، أو ربما منسي كلياً في التراثين الأدبي الإنجليزي والعربي. والحال أن كلا التراثين لا يمكن أن يقيّما نقدياً أو ينظر إليهما على النحو نفسه بعد الآن، في ضوء هذا الأثر الشعري. رحلة الشاعر السوري هنا، هي في تقديري سيرنادا شرقية الطراز Eastern Serenada لحن يعني هنا بلغة الموسيقى العزف في الهواء الطلق من قبل فارس تدمري قادم من الشرق ليمنح ريجينا السلتية في الشمال البريطاني الحرية والكرامة معاً، وها هنا تذهب صورة الشاعر بصورة العاشق ليطل هذا من شرفة محبوبته مسطراً شهادة أخاذة على القدرة على الإبداع الشعري، ولعلها مقاربة حداثية تجعل القدامة جنساً أدبياً ناطقاً بالكشف والإضاءة.

***
الضَّبَابُ يَفْتَرِسُ الأَقْوَاسَ والرُّمَاةَ،
الضَّبَابُ يَلْتَهِمُ الحِجَارَةَ، والسُّوْرَ، ويَهِيمُ عَلَى النَّهْرِ،
والَّذِينَ تَسَاقَطُوا مِنَ الحُصُونِ المَرْجُومَةِ بالبَلْطَاتِ والفُؤُوسِ،
سَقَطُوا فِي حُفْرَةِ الشِّتَاء...
أَرْوَاحُ الصَّرْعَى تَهِيمُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْجَار.
***
أيْنَ هُمُ الرُّمَاةُ التَّدْمرِيُّونَ الَّذِينَ مَلَؤُوا الأَسْمَاعَ والْأَزْمِنَةَ بِصَيْحَاتِهُمُ الْمَرِحَةِ،
وأَقَاصِيصِهُمُ الَّتِي دَحْرَجَهَا الهَوَاءُ عَلَى امْتِدَادِ السُّورِ؟
نِيْرَانُهُمُ الهَائِجَةُ في أَمْوَاجِ الضَّبابِ أَرْسَلَتْ عَبِيْرَ دُخَانِهَا فِي الغَابَاتِ،
ودَلَّتْ عَلَيْهِمْ فُؤُوسُ المَوْشُومِينَ المُقبلينَ لينتحروا، كَسَمَكِ السَّالمُون، فِي أَعَالِي النَّهار.
***
بِأَيِّ لُغَاتٍ خَاطَبَ الجَرْحَى آلِهَتَهُمْ وَهُمْ يَلْفُظُونَ أَنْفَاسَهُمْ وَيُودِعُونَهَا فِي شُقُوقِ الْأَرْضِ؟
***
الضّبابُ يَلْفَحُ وجهيَ، الضّبابُ يَهيمُ بي،
فلأَتوارى أَبْعَدَ، ولأَسْمَع وقْعَ حَوافرِ خَيلٍ، ونِياقٍ تَخُبُّ،
ولألمح من وراءِ سعفِ النَّخيلِ خيالاتِ راكبينَ،
في عَجَاجٍ يلفَحني ويَمْلأُ الأَبْصارَ،
لأغيبَ في ركابِ مَنْ غابوا وأَنْهض وأَتَلقَّى صَيْفَ الجَنوب،
الرِّيحُ تَسُفّ الهاجرةَ وتَخُزُّ بالرَّملِ وجْهيَ.
***
دَمي قشعريرةُ ذِئْبٍ جَرِيحٍ، وصَوتي عُواء غَابَةٍ تَحْتَرِقُ.

من الديوان

أَنْتَ يَا مَنْ تَقِفُ لِتَقْرأَ كَلِمَاتِيَ المُرْتَجِفَةَ مِنَ البَرْدِ؛ هَلْ وصَلْتَ إِلى هُنَا، مِثْلِي، عَلَى مَرْكَبٍ مِنْ خَشَبِ الْأرزِ المَجْلُوبِ مِنْ جِبَالِ «نُومِيدْيَا»، أم عَلَى طَوْفٍ أَلْقَتْ بِهِ سَفِينَةٌ قُرْبَ شاطئٍ فِي بَحْرِ الشَّمَال؟
لَسْتُ حَامِلَ بَيَارِقَ، ولَكِنَّنِي تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ مِنَ الشَّرق.
وَلَئِنْ تَرَكْتُ سَيْفِيَ عِنْدَ النَّهْرِ،
فَلِيُبَارِكَ الْبَعْلُ خُطْوتِي إِلَى البَيْتِ،
ولِيَصْفَحَ عَنْ إِثْمِ يَدِي.
***
في العَاصِفَةِ، وَقَدْ جُزْنَا بَحْرَ الرُّومِ، صَلَّيْتُ لَكِ يَا عَشِيرةُ، وأَنْتِ رَبَّةُ هَذِهِ الأَمْوَاجِ،
لَكِ صَلَّيْتُ،
ولِلْبَعْلِ أَعْطَيْتُ أُمْنِيَتِي.
ولمَّا رَأَيْتُ اليَابِسَةَ، رَأَيْتُكِ تَغْسِلِينَ قَدَمَكِ قُرْبَ النَّهْرِ،
رَأَيْتُ الضَّوْءَ يَتَقَطَّرُ،
مِنْ كَاحِلِكْ،
وَرَجَوْت إِيلَ فِي عَلْيَائِهِ، أَنْ يُبَارِكَ عَيْنِي الَّتي رَأَتْ.
***
كَيْفَ لِي، أَنَا بَرْعَتا بِوَجْهِيَ المُلَوَّحِ بِشَمْسِ «تَدْمُرَ»، أَنْ أُمَدِّدَكِ فِي شِغَافِ الصَّمْتِ فِي غَيْبُوبةِ السَّرِيرِ؛ كَيْفَ أَسْتَعِيدكِ مِنْ غَابَةِ الذِّئبِ، أَنَا الطَّائفُ بِالْكتَّانِ الدِّمَشْقِيِّ، وبِالْأَقْطَانِ، عَلَى بَلْدَاتٍ هَارِبَةٍ مِنْ صَخَبِ المُشَاةِ، وجَلَبَةِ السُّيُوفِ، وضَجِيجِ أَسَاطِيلِ النَّهْرِ؛
كَيْفَ أسْتَرِدُّكِ مِنْ صَمْتِ الغَابَةِ وتِيهِ النَّهْرِ.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.