الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية... مواقع الاتصال بينهما والسمات المشتركة

«مطبعة جامعة إدنبره» تصدر كتاباً جديداً ضمن سلسلتها التي بلغت 25 كتاباً

نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
TT

الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية... مواقع الاتصال بينهما والسمات المشتركة

نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم

من أهم السلاسل النقدية التي تصدر منذ عام 2012، ولا يعرف بها كثيرون للأسف، سلسلة كتب باللغة الإنجليزية عن الأدب العربي الحديث تصدر عن «مطبعة جامعة إدنبرة» في اسكوتلندا، ويشرف عليها الناقد المصري الدكتور رشيد العناني أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إكستر البريطانية وصاحب عدد من المؤلفات النقدية، من أهمها كتابان باللغة الإنجليزية هما «نجيب محفوظ والبحث عن المعنى» وكتاب عن اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب كما يتمثل في كتابات رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وطه حسين وتوفيق الحكيم والطيب صالح ويوسف إدريس وغيرهم.
صدر عن هذه السلسلة حتى الآن قرابة خمسة وعشرين كتاباً عن موضوعات مختلفة، مثل المدينة في الرواية العربية، وأدب السيرة الذاتية، والرواية العراقية، والصوفية في الأدب العربي المعاصر، وقصيدة النثر، وثورة 1919 المصرية في الأدب والسينما، وجمال عبد الناصر في المخيلة العربية، والرواية الليبية، والدين في الرواية المصرية، والروائي المصري صنع الله إبراهيم، والجنوسة وأدب المرأة، والتجربة الأدبية المغربية، وكتابات المدونين والأدب الرقمي في الفترة 2005 - 2016.
وآخر إصدارات السلسلة كتاب صادر في مطلع هذا العام الجديد عنوانه «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية: تبادلات عابرة للقارات» (Latin American and Arab Literature: Transcontinental Exchanges) من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة. وهي مؤلفة كتاب سابق عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» (2007) والمشرفة على إصدار كتاب «زوجي عبد الناصر» (2013) من تأليف السيدة تحية قرينة الزعيم المصري الراحل.
يتناول كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الصلات الثقافية بين هذين الأدبين، وذلك من خلال مواقع الاتصال بينهما والتناص والاهتمامات السياسية المشتركة، إذ ناضل كتاب الأدبين طويلاً ضد الاستعمار الأجنبي.

ترجع العلاقات بين الأدبين إلى القرن التاسع عشر منذ هاجر عدد من العرب الذين كانوا يعيشون في ظل الإمبراطورية العثمانية إلى أميركا الجنوبية، وقام عدد من أبناء الأخيرة بعدة زيارات إلى العالم العربي. وبمجيء أواخر القرن العشرين كان كثير من الأعمال الأدبية الأميركية الجنوبية قد ترجم إلى العربية، وتجلى الاهتمام بها في كتابات روائية وقصصية وشعرية، وأدب رحلات، وسير ذاتية، ومذكرات. هكذا امتدت خيوط الاتصال بين كوبا وكولومبيا والمكسيك وغواتيمالا من جهة، ومصر ولبنان والعراق من جهة أخرى. وتزامن ذلك مع إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل ثقافي بين القارات الثلاث.
تفتتح تحية عبد الناصر كتابها بأن تذكر أن الشاعر والثائر الكوبي خوسيه مارتي (1853 - 1895)، حين كان يعيش منفياً في مدينة نيويورك، كتب في 16 سبتمبر (أيلول) 1881 عن ثورة أحمد عرابي على الاحتلال البريطاني لمصر. ورغم أن مارتي لم يزر مصر قط فقد سجل الحالة الثورية واليقظة القومية التي عمت البلاد أثناء حركة عرابي. وكانت مقالته هذه من أول المؤشرات إلى التفاعل الفكري والتعاطف الوجداني بين الشعبين.
وبعد مرور أكثر من قرن نشر الشاعر حلمي سالم (الذي رحل عن عالمنا في 2012) قبل رحيله بعام قصيدة يذكر فيها مصرع لوركا على أيدي الفاشية، بما يؤكد اكتمال دائرة التواصل - واستمراريتها - من خلال الحركات الأدبية والأحداث الثقافية والتفاعل الشخصي بين الكتاب على امتداد المسافات بين القاهرة وهافانا وبيروت وبغداد وبوينس آيرس وطنجة.
ويبرز الكتاب الدور الذي لعبه الاستشراق الأميركي الجنوبي في دراسة التراث العربي، وأعمال أدباء المهجر الذين استقروا في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتأسيس «العصبة الأندلسية» في البرازيل في 1933 و«الرابطة الأدبية» في الأرجنتين في 1949، وحضور المناضل أرجنتيني المولد تشي جيفارا في الأدب العربي (لميخائيل رومان مسرحية عنوانها «ليلة مصرع جيفارا») وذلك من خلال قراءات معمقة لعدد من النصوص الأدبية.
وأهم الأسماء التي تبرز في الكتاب هي اسم الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس (1899 - 1986) الذي اهتم بفلسفة ابن رشد والعالم الإسلامي، واستوحى تراث الشرق بعامة وكتاب «ألف ليلة وليلة» بخاصة. وقد سبق أن أوضح ماهر البطوطي في كتابه المهم «الرواية الأم» أثر كتاب ألف ليلة في هذا الأديب. وليت تحية عبد الناصر رجعت إلى كتاب البطوطي هذا - وهو عمدة في بابه - كي تزيد بحثها ثراء.
ومما ساعد على توثيق العلاقة بين الأدبين تواصل حركة الترجمة عبر السنين ذهاباً وجيئة في كلا الاتجاهين بين اللغات العربية والإسبانية والبرازيلية. ومن أمثلة ذلك ترجمة بدر شاكر السياب قصائد لبابلو نيرودا في كتابه «قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث» (1955)، وإعادة إصدار الترجمة الإسبانية لرواية نجيب محفوظ «زقاق المدق».
وهناك الأديب الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز (1927 - 2014) صاحب رواية «مائة عام من العزلة» التي نقلها إلى العربية الدكتور سليمان العطار. وإلى ماركيز يرجع الفضل في إذاعة مفهوم الواقعية السحرية في القص العربي المعاصر، وإدخال عناصر الحلم والفانتازيا والخرافة والفولكلور والأسطورة في المخيلة الأدبية. ففي الواقعية السحرية يتجاور الإغراق في الخيال مع التفاصيل الواقعية الدقيقة، وتقوم صلات غير مباشرة بين الخيال شبه السوريالي والواقع السياسي والاجتماعي.
والاسم الثالث الذي يتوقف عنده الكتاب هو الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس (1928 - 2012) صاحب رواية «موت أرتيمو كروز» المترجمة إلى العربية.
وتعقد المؤلفة في الفصل الثالث من كتابها مقارنة مضيئة بين رواية ماركيز «مائة عام من العزلة» ورواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة»، كما تبرز دين إلياس خوري لماركيز.
وفي الفصل الرابع، تتناول تحية عبد الناصر رواية «وردة» لصنع الله إبراهيم و«لحظة غرق جزيرة الحوت» لمحمد المخزنجي عن كارثة مفاعل تشرنوبل النووي في 1986، ودين هذا العمل الأخير لفن الريبورتاج أو التقرير الصحافي عند ماركيز.
أما الفصل الخامس، فينقلنا إلى الألفية الثالثة من خلال معالجة العلاقة بين كارلوس فوينتس وبورخس وكاتبين عراقيين هما جبار ياسين حسين صاحب «يوم بوينس آيرس» وحسن بلاسم صاحب «كوابيس كارلوس فوينتس». وإلى جانب ببليوجرافيا وافية في أربع وعشرين صفحة تختم تحية كتابها بفصل قصير عنوانه «ميراث الأواصر عابرة القارات» تورد فيه قول محمود درويش في قصيدة له: «في دار بابلو نيرودا على شاطئ الباسفيك تذكرت يانيس ريتسوس»، وهي كلمات تجمع بين ثلاثة مناضلين ضد الاحتلال: درويش من فلسطين، ونيرودا من شيلي، وريتسوس من اليونان. وكان قد سبق لدرويش أن نشر في 1975 على صفحات مجلة «شؤون فلسطينية» قصيدة عنوانها «ذاهبون إلى القصيدة - إلى بابلو نيرودا» ما يؤكد حضور هذا الأخير في المخيلة الشعرية العربية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زينة دكّاش.. فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش.. فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

"كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها". على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر "الشرق الأوسط". وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة "زينا لبست خلخالها" بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي "دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص"، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ"كثارسيس" catharsis أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق درّبته هو يوسف جول، كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها "اللي شبكنا يخلّصنا" كممثل أساسي. "يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن"، توضح دكّاش.

في "اللي شبكنا يخلصنا" تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

"في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي"، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت الكثارسيس الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ "زوزو" أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في "زينا لبست خلخالها" تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – زينة دكّاش

"قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها"، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى "تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح"، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ"زينا لبست خلخالها"، تقول دكّاش: "إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي".

"إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف" – زينة دكّاش

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: "أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين". رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أيَ خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة الكثارسيس خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ "المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج". تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: "في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل".

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مًن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.


ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

رغم مرور 81 عاماً على المأساة، تستعيد اليابانية ساداي كاساوكا (94 عاماً) لحظات نجاتها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945، وتقول بتأثر لـ«الشرق الأوسط» إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات وأحياناً تبكي.

ومع تلك المعاناة سعت السيدة إلى نقل تجربتها للأجيال؛ إذ عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً وبدأت تروي تجربتها علناً عام 2000.

وكانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أُنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما». وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة. لا تخفي كاساوكا أنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية التي تسميها بـ«كتلة شر» بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام. وقالت: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية».


إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
TT

إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)

أطلق وزير السياحة أحمد الخطيب جدول فعاليات برنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، الذي يجمع باقة واسعة من الفعاليات والأنشطة السياحية المتنوعة في عدة وجهات شتوية داخل البلاد، بما يمنح الزوار خيارات متعددة لقضاء موسم حافل بالتجارب التي تلائم مختلف الاهتمامات والأعمار.

واستعدت مجموعة من الوجهات لاستقبال الزوار، منها الرياض والعلا والقصيم وحائل وجدة والخبر والأحساء والمدينة المنورة والبحر الأحمر، ويقدم الجدول تحت شعار «شتاء السعودية على ما تحب»، نافذة متكاملة لاستكشاف أبرز الفعاليات والأنشطة والتجارب التي تحتضنها خلال الموسم.

وتجمع الفعاليات بين الترفيه والثقافة والمغامرة والاسترخاء، بدءاً من المهرجانات والفعاليات الرياضية والعروض الحية والتجارب الثقافية والتراثية، وصولاً إلى الرحلات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، والإقامة في المنتجعات.

ويُوفِّر الموسم خيارات متنوعة من المطاعم والمقاهي والتسوق والجلسات المطلة على البحر، بما يتيح للزوار من العائلات والأصدقاء تصميم رحلاتهم وفق اهتماماتهم، والجمع بين تجارب متعددة خلال زيارة واحدة.

ويعكس جدول فعاليات «شتاء السعودية» تنوع الخيارات التي تقدمها الوجهات الشتوية في المملكة، من الفعاليات العالمية الكبرى والتجارب الترفيهية في المدن، إلى المواقع التاريخية والمسارات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، بما يمنح كل زائر مساحة لاختيار تجربته الخاصة، واكتشاف المزيد مما تقدمه البلاد خلال هذا الموسم.

كانت «هيئة السياحة» نظمت ورشة عمل لبرنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، بمشاركة أكثر من 100 شريك من القطاعين العام والخاص، حيث يشمل البرنامج أكثر من 1800 منتج سياحي، إلى جانب العديد من الفعاليات والأنشطة النوعية والتجارب الثقافية والطبيعية، التي تلائم مختلف الشرائح وتعزز تنافسية الوجهات وترفع جاذبيتها خلال الموسم.