الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية... مواقع الاتصال بينهما والسمات المشتركة

«مطبعة جامعة إدنبره» تصدر كتاباً جديداً ضمن سلسلتها التي بلغت 25 كتاباً

نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
TT

الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية... مواقع الاتصال بينهما والسمات المشتركة

نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم
نيرودا - نجيب محفوظ - صنع الله إبراهيم

من أهم السلاسل النقدية التي تصدر منذ عام 2012، ولا يعرف بها كثيرون للأسف، سلسلة كتب باللغة الإنجليزية عن الأدب العربي الحديث تصدر عن «مطبعة جامعة إدنبرة» في اسكوتلندا، ويشرف عليها الناقد المصري الدكتور رشيد العناني أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إكستر البريطانية وصاحب عدد من المؤلفات النقدية، من أهمها كتابان باللغة الإنجليزية هما «نجيب محفوظ والبحث عن المعنى» وكتاب عن اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب كما يتمثل في كتابات رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وطه حسين وتوفيق الحكيم والطيب صالح ويوسف إدريس وغيرهم.
صدر عن هذه السلسلة حتى الآن قرابة خمسة وعشرين كتاباً عن موضوعات مختلفة، مثل المدينة في الرواية العربية، وأدب السيرة الذاتية، والرواية العراقية، والصوفية في الأدب العربي المعاصر، وقصيدة النثر، وثورة 1919 المصرية في الأدب والسينما، وجمال عبد الناصر في المخيلة العربية، والرواية الليبية، والدين في الرواية المصرية، والروائي المصري صنع الله إبراهيم، والجنوسة وأدب المرأة، والتجربة الأدبية المغربية، وكتابات المدونين والأدب الرقمي في الفترة 2005 - 2016.
وآخر إصدارات السلسلة كتاب صادر في مطلع هذا العام الجديد عنوانه «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية: تبادلات عابرة للقارات» (Latin American and Arab Literature: Transcontinental Exchanges) من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة. وهي مؤلفة كتاب سابق عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» (2007) والمشرفة على إصدار كتاب «زوجي عبد الناصر» (2013) من تأليف السيدة تحية قرينة الزعيم المصري الراحل.
يتناول كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الصلات الثقافية بين هذين الأدبين، وذلك من خلال مواقع الاتصال بينهما والتناص والاهتمامات السياسية المشتركة، إذ ناضل كتاب الأدبين طويلاً ضد الاستعمار الأجنبي.

ترجع العلاقات بين الأدبين إلى القرن التاسع عشر منذ هاجر عدد من العرب الذين كانوا يعيشون في ظل الإمبراطورية العثمانية إلى أميركا الجنوبية، وقام عدد من أبناء الأخيرة بعدة زيارات إلى العالم العربي. وبمجيء أواخر القرن العشرين كان كثير من الأعمال الأدبية الأميركية الجنوبية قد ترجم إلى العربية، وتجلى الاهتمام بها في كتابات روائية وقصصية وشعرية، وأدب رحلات، وسير ذاتية، ومذكرات. هكذا امتدت خيوط الاتصال بين كوبا وكولومبيا والمكسيك وغواتيمالا من جهة، ومصر ولبنان والعراق من جهة أخرى. وتزامن ذلك مع إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل ثقافي بين القارات الثلاث.
تفتتح تحية عبد الناصر كتابها بأن تذكر أن الشاعر والثائر الكوبي خوسيه مارتي (1853 - 1895)، حين كان يعيش منفياً في مدينة نيويورك، كتب في 16 سبتمبر (أيلول) 1881 عن ثورة أحمد عرابي على الاحتلال البريطاني لمصر. ورغم أن مارتي لم يزر مصر قط فقد سجل الحالة الثورية واليقظة القومية التي عمت البلاد أثناء حركة عرابي. وكانت مقالته هذه من أول المؤشرات إلى التفاعل الفكري والتعاطف الوجداني بين الشعبين.
وبعد مرور أكثر من قرن نشر الشاعر حلمي سالم (الذي رحل عن عالمنا في 2012) قبل رحيله بعام قصيدة يذكر فيها مصرع لوركا على أيدي الفاشية، بما يؤكد اكتمال دائرة التواصل - واستمراريتها - من خلال الحركات الأدبية والأحداث الثقافية والتفاعل الشخصي بين الكتاب على امتداد المسافات بين القاهرة وهافانا وبيروت وبغداد وبوينس آيرس وطنجة.
ويبرز الكتاب الدور الذي لعبه الاستشراق الأميركي الجنوبي في دراسة التراث العربي، وأعمال أدباء المهجر الذين استقروا في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتأسيس «العصبة الأندلسية» في البرازيل في 1933 و«الرابطة الأدبية» في الأرجنتين في 1949، وحضور المناضل أرجنتيني المولد تشي جيفارا في الأدب العربي (لميخائيل رومان مسرحية عنوانها «ليلة مصرع جيفارا») وذلك من خلال قراءات معمقة لعدد من النصوص الأدبية.
وأهم الأسماء التي تبرز في الكتاب هي اسم الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس (1899 - 1986) الذي اهتم بفلسفة ابن رشد والعالم الإسلامي، واستوحى تراث الشرق بعامة وكتاب «ألف ليلة وليلة» بخاصة. وقد سبق أن أوضح ماهر البطوطي في كتابه المهم «الرواية الأم» أثر كتاب ألف ليلة في هذا الأديب. وليت تحية عبد الناصر رجعت إلى كتاب البطوطي هذا - وهو عمدة في بابه - كي تزيد بحثها ثراء.
ومما ساعد على توثيق العلاقة بين الأدبين تواصل حركة الترجمة عبر السنين ذهاباً وجيئة في كلا الاتجاهين بين اللغات العربية والإسبانية والبرازيلية. ومن أمثلة ذلك ترجمة بدر شاكر السياب قصائد لبابلو نيرودا في كتابه «قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث» (1955)، وإعادة إصدار الترجمة الإسبانية لرواية نجيب محفوظ «زقاق المدق».
وهناك الأديب الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز (1927 - 2014) صاحب رواية «مائة عام من العزلة» التي نقلها إلى العربية الدكتور سليمان العطار. وإلى ماركيز يرجع الفضل في إذاعة مفهوم الواقعية السحرية في القص العربي المعاصر، وإدخال عناصر الحلم والفانتازيا والخرافة والفولكلور والأسطورة في المخيلة الأدبية. ففي الواقعية السحرية يتجاور الإغراق في الخيال مع التفاصيل الواقعية الدقيقة، وتقوم صلات غير مباشرة بين الخيال شبه السوريالي والواقع السياسي والاجتماعي.
والاسم الثالث الذي يتوقف عنده الكتاب هو الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس (1928 - 2012) صاحب رواية «موت أرتيمو كروز» المترجمة إلى العربية.
وتعقد المؤلفة في الفصل الثالث من كتابها مقارنة مضيئة بين رواية ماركيز «مائة عام من العزلة» ورواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة»، كما تبرز دين إلياس خوري لماركيز.
وفي الفصل الرابع، تتناول تحية عبد الناصر رواية «وردة» لصنع الله إبراهيم و«لحظة غرق جزيرة الحوت» لمحمد المخزنجي عن كارثة مفاعل تشرنوبل النووي في 1986، ودين هذا العمل الأخير لفن الريبورتاج أو التقرير الصحافي عند ماركيز.
أما الفصل الخامس، فينقلنا إلى الألفية الثالثة من خلال معالجة العلاقة بين كارلوس فوينتس وبورخس وكاتبين عراقيين هما جبار ياسين حسين صاحب «يوم بوينس آيرس» وحسن بلاسم صاحب «كوابيس كارلوس فوينتس». وإلى جانب ببليوجرافيا وافية في أربع وعشرين صفحة تختم تحية كتابها بفصل قصير عنوانه «ميراث الأواصر عابرة القارات» تورد فيه قول محمود درويش في قصيدة له: «في دار بابلو نيرودا على شاطئ الباسفيك تذكرت يانيس ريتسوس»، وهي كلمات تجمع بين ثلاثة مناضلين ضد الاحتلال: درويش من فلسطين، ونيرودا من شيلي، وريتسوس من اليونان. وكان قد سبق لدرويش أن نشر في 1975 على صفحات مجلة «شؤون فلسطينية» قصيدة عنوانها «ذاهبون إلى القصيدة - إلى بابلو نيرودا» ما يؤكد حضور هذا الأخير في المخيلة الشعرية العربية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».