«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

ديمة عبد الله تصدر سيرة ذاتية بوجهين

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية
TT

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

تصر ديمة عبد الله، على أن روايتها «أعشاب ضارة»، التي ترجمت إلى العربية وصدرت مؤخراً عن «دار الآداب»، ليست عن الحرب، وإنما عن علاقتها الاستثنائية بوالدها، وذلك الانصهار بين شخصين، فرقتهما الظروف، وجمعهما الحب والشعر والرسم والإحساس الدائم بالغربة.
لكن القارئ لا يمكنه أن ينسى لحظة واحدة، وهو يقرأ في مائتي صفحة ونيف، أن الكاتبة بروايتها الأولى هذه التي صدرت عام 2020 بالفرنسية، إنما تنفض عن روحها عبئاً ثقيلاً، وتتخفف من ذكريات أليمة، وتحاول بالكلمات أن تغسل بعضاً مما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1992) من كدمات وندوب وتمزقات، ليس فقط على ماضيها وطفولتها، وإنما على عائلتها بأكملها. وإن كانت والدتها لا تظهر في الرواية إلا لماماً، وشقيقها الأصغر كذلك، فهي حكاية عن حبل سري لا ينقطع، وإعجاب لا يخالطه نقد أو احتجاج، يربط طفلة بوالدها، ويبقى ساكناً قلبها ووجودها في غيابه وبعد موته.
هذا الامتزاج بين الاثنين، يتبدى في طبيعة تركيب النص، حيث تروى الابنة الصغيرة حكايتها مع والدها الضخم، المارد، الكبير الهامة، لكننا سرعان ما نعرف أنه هو أيضاً شريك وراوٍ ومحرك للأحداث أيضاً.
تارة تتحدث الكاتبة عن نفسها وعنه وعنهما معاً وعلاقتهما بالعالم الخارجي الذي يرتج ويتزلزل بفعل العنف، وتارة أخرى تجعله يروي على طريقتها ليكمل الحكاية كما يراها بعينيه، أو هكذا توحي لنا. نحن إذن، في حضرة راويين أو صوتين اثنين، يتواليان على سرد قصتهما، الابنة والأب، ليقصا معاً، حكاية حبهما، وتناغمهما، وحوارهما الذي يكون أحياناً على صمته بليغاً ومعبراً. وبتقدم النص ترسم الرواية عبر هاتين الشخصيتين بروفايلاً لكل منهما، بحيث لا ننتهي من القراءة، إلا وقد أصبحنا على معرفة بهذا الأب الضخم الهيئة، رقيق القلب، عاشق النكتة، الشاعر الذي ينكب على الكتابة كل صباح، لا شيء يغير من عاداته طوال عشرين سنة، وهو يرسم حين يحلو له، ولا يتوقف عن الحب والحنو. أما الابنة فنتابعها من صفوفها الأولى في المدرسة، ونواكب تقاعسها المدرسي، وعدم اكتراثها لما يحدث في الصف، ولا لصداقات في المدرسة، مؤثرة الوحدة والعزلة، ونعايش رحيلها عن لبنان وهي في الثانية عشرة، تاركة وراءها شطرها الآخر والدها، ونبقى معها حتى عقدها الثالث وانخراطها في الحياة الباريسية.
يبدو للوهلة الأولى، وكأن لا حرب قاهرة ومجنونة في الأفق، لكن كل حياة الراوية ترسمها فعلياً أحداث الحرب. تتحدث الطفلة عن غصة تخنقها، عن كآبة، حزن، فرط إحساس باللااستقرار مع تغيير المنازل، وتبدل الأسرة، وحزم الشنط، والاكتفاء بالقليل من الأغراض، كي يصبح الترحال أسهل والهرب أقل صعوبة.
إذن اختارت ديمة عبد الله - وهي ابنة الشاعر اللبناني محمد عبد الله الذي رحل عن عالمنا عام 2016 والروائية هدى بركات التي لم تتمكن من إقصاء أثر الحرب عن أي من رواياتها - أن تدشن مسارها الأدبي بعمل عن الحرب، ولو كانت لا تحب ذلك. إذ ليس في «أعشاب ضارة» قتلى، ومصابون، وبيوت مهدمة، وقذائف تطال الأبرياء، وقنابل تنفجر في كل اتجاه، وإنما عائلة تنأى بنفسها عن الخراب، بأن تنتقل من بيت إلى آخر، كي تقي نفسها شروراً لا يد لها بها، ولا تعرف لها من مبرر. وعندما تبلغ الراوية (الطفلة) الثانية عشرة، يتبين للوالد أن ترحيل عائلته أمر لا بد منه، كي يكمل الولدان الصغيران أيامهما وينالا ما يستحقان من حياة.
تبدأ الرواية بالجملة التالية «يد المارد شاسعة، حتى أن إصبعاً واحداً تكفيني. فهو دائماً ما يمد لي إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». وبمشهد مؤثر، مجتزأ من حياة عائلة عادية في بيروت عام 1983 تعيش الحرب، حيث يضطر الأهل في أي لحظة خطر للتوجه إلى مدارس أولادهم واصطحابهم إلى البيت، درءاً لتطور أخطر، نرى أنفسنا نتابع خطوات التلميذة الصغيرة ابنة الست سنوات وهي تمسك بإصبع والدها، وتلحق به. الفوضى، الضجيج، الخوف، ليس هذا ما يشغل الطفلة السعيدة بأنها تخرج من المدرسة بصرف النظر عن السبب، بصحبة الرجل القوي الذي «دائماً ما يمد إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». من جماليات الرواية لغتها الطفولية التي تستخدمها الراوية؛ بساطة جملتها، وصفها للأب «حين أنظر إلى هذا المارد، أراه جميلاً جداً، أجمل من بقية من جاء من الأهل الآخرين. وأعلم أنه يجب علي أن لا أترك إصبعه فأبقى مركزة انتباهي على اليد».
نتعرف عبر البطلين، إلى عائلة لا تنتمي إلى عصبة أو قضية كالتي يتماهى معها الآخرون من حولهم. ويقول الأب إن ابنته «تعرف الثمن الذي دفعناه أنا وأمها بسبب عدم انتمائنا».
الأحداث قليلة سلسلة لا صخب فيها، وليس هذا هو المهم. فهي ليست قصة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بقدر ما هي تتبع لتطور الشخصيتين، وانعكاس الظروف الخارجة عن إرادتيهما على مسارهما، وهو ما تحاول الكاتبة عدم التطرق إليه إلا للضرورة، وبقدر ما يسير حياتها، ويؤثر على عائلتها.
الانتقال إلى باريس والعيش بعيداً عن الأب لا يساعد في شفاء الروح. هي العزلة نفسها في المدرسة، الغربة ذاتها في يومياتها. الانخراط صعب في فرنسا، نسيان اللغة الأم تدريجياً، صعوبة التعاطي مع الأصدقاء باستثناء ساندرين، التي هي أشبه بملاك. لكن ساندرين تموت وتختفي. وتبقى للشابة وهي تكبر، صحبتها مع النباتات، وقد بدأت علاقتها بها مع والدها ونباتاته التي كانت تعيش على الشرفة في بيروت. هذه الصلة النباتية في لبنان تصبح جسراً لعلاقتها بحدائق باريس، ومن ثم إلى تشكيل شرفتها الفرنسية التي هي «أشبه بشرفات العجائز، لأنني أترك فيها كل شيء ينبت من دون تمييز على الإطلاق، من دون أدنى انتقاء، لأن ذكرياتي على غرارهن، كثيرة لا تعد، ولأنني على غرارهن أخشى النسيان».
لا حرب بالمعنى الحربي في «أعشاب ضارة»، لكن الطفلة التي كبرت، تعيش غصة، تمتد على مدى صفحات القصة؛ الكآبة تتحول بمرور الوقت إلى حالة مرضية، انسحاب الفتاة من حياتها العائلية، وبحث والدها عنها، ثم عودتها، وكأنما هي في كل مرة تحاول أن تجد شفاءها، تماماً كما تفعل وهي تكتب روايتها هذه وتصف فيها العلاقة بين الخارج والداخل. في منزلها في باريس، وقد تكومت أغراضها التي نقلتها من منزل إلى آخر، ولم تفتحها بعد. «محتويات صناديقي الغامضة، هي نفسها محتويات دماغي. ففيه كل أنواع الذكريات التي لا طائل منها، فهي بلا رأس ولا ذنب...». حياة كاملة في فرنسا في هذه الصناديق المكدسة وسط الغرفة «جميع الرسائل التي كتبها لي وكل الصور، وحقيبة ظهري الزرقاء... مع نصوص أبحاثي والثياب الجديدة وأوراقي الرسمية، باختصار، ثقل حياة بكاملها منثورة كحبات أرز متنافرة ممزوجة بالشوائب».
«يا ماردي» تخاطب والدها في نهاية الرواية، وتتوجه إليه بكلام طويل ومؤثر، وكأنما تغسل روحها من كل ما تبقى فيها من أسى وحزن وألم، مختتمة بقصيدة له.
هي من الروايات القليلة للجيل الثاني بعد الحرب الأهلية اللبنانية. جيل عاش الحرب، ويظن أنه لم يعشها، وصمته بكوارثها، وربما لا يصدق بأنه لم يتخلص منها. تركت ديمة عبد الله بلدها صغيرة، لكنها لم تنس، نسيت العربية لكنها لا تزال متعلقة بما تبقى منها، هجرت شرفتها البيروتية وأنبتت مثيلاً لها في باريس.
سيرة ذاتية لحياة جوانية تتبدل فيها الروح وتنتقل من حال إلى أخرى، وكأنما حياة واحدة لا تكفي.
وكانت «أعشاب ضارة» قد فازت عند صدورها بالفرنسية عن دار «سابين ويسبيسر» بجائزة «أنفواييه بار لا بوست» التي تكافئ عن الرواية الأولى. وتبلغ الكاتبة اليوم الخامسة والأربعين من عمرها، تخصصت بالآثار، قبل أن تصدر كتابها الأول هذا، بما يشبه إعادة اعتبار لأبوة شاعر ما كان يغادر بيروت الحرب إلا ليعود إليها، وكأنه سمكة لا تعيش خارج محيطها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.