بايدن يستبعد منح كييف طائرات مقاتلة وماكرون يعتبره ممكناً

أوكرانيا تعلن أنها ستتسلّم «ما بين 120 و140» دبابة غربية كدفعة أولى

دبابات «ليوبارد 2» (د.ب.أ)
دبابات «ليوبارد 2» (د.ب.أ)
TT

بايدن يستبعد منح كييف طائرات مقاتلة وماكرون يعتبره ممكناً

دبابات «ليوبارد 2» (د.ب.أ)
دبابات «ليوبارد 2» (د.ب.أ)

على الرغم من كلمة «لا» التي أجاب فيها الرئيس الأميركي جو بايدن عن سؤال عمّا إذا كانت بلاده سترسل طائرات «إف - 16» إلى أوكرانيا، يرى البعض أن هذا الجواب «البسيط» بات سياسة «تقليدية» في الرفض، ثم الموافقة لاحقاً على طلبات كييف. هذا ما حصل منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، التي تقترب من إنهاء عامها الأول، حيث تدرج تقديم المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، في آلية، تصر إدارة بايدن على القول، إنها تتكيف مع الوضع الميداني على الأرض.
وكان بايدن، قد أعلن الاثنين أن الولايات المتحدة لن ترسل تلك الطائرات المقاتلة، رافضاً دعوات متجددة من حكومة كييف لهذه الأسلحة المتطورة، لتغيير مجرى الصراع، وتعزيز سيطرة أوكرانيا على مجالها الجوي. ورغم ذلك، وصف مسؤول أوكراني تلك الطائرات بأنها «العقبة الكبيرة التالية» لبلاده، مدعوماً بالالتزامات التي تم إقرارها الأسبوع الماضي، بعد موافقة الولايات المتحدة وألمانيا، وقبلها بريطانيا ودول أوروبية عدة، على إرسال دبابات قتال ثقيلة. وفي تصريح لشبكة «سي إن إن»، أشار المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي، إلى التزام الأسبوع الماضي بإرسال الدبابات. وقال: «هناك الكثير من القدرات التي يتم إرسالها وسيتم إرسالها». هذا، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مساء الاثنين، أن أول شحنة من مركبات «برادلي» القتالية وصلت إلى أوكرانيا. وقالت قيادة النقل الأميركية في بيان، إن أكثر من 60 مركبة «برادلي» غادرت قاعدتها من شمال مدينة تشارلستون، في ولاية ساوث كارولاينا، الأسبوع الماضي.
وستتسلّم أوكرانيا «ما بين 120 و140» دبابة ثقيلة غربية الصنع، على ما أكّد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، وذلك بعد أيام قليلة من إعطاء الغربيين الضوء الأخضر لهذه الشحنات. وقال كوليبا في مقطع فيديو على «فيسبوك»: «في الدفعة الأولى من المساهمات، ستتلقى القوات الأوكرانية ما بين 120 و140 دبابة حديثة غربية»، مذكّرا بأن هذه الدبابات هي من طراز ليوبارد 2 الألمانية وتشالنجر 2 البريطانية وأبرامز الأميركية.
وبدوره أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الإثنين أنّ تزويد أوكرانيا بطائرات مقاتلة لتعزيز قدرتها على التصدّي للغزو الروسي «ليس أمراً مستبعداً»، محذّراً في الوقت نفسه من خطر تصعيد النزاع. وفي أعقاب محادثات أجراها في لاهاي مع رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، قال الرئيس الفرنسي ردّاً على سؤال بشأن إمكان تزويد كييف طائرات مقاتلة «لا شيء مستبعداً من حيث المبدأ». لكنّ ماكرون شدّد على أن هناك «معايير» لاتّخاذ أي قرار بهذا الشأن هي أن يكون هناك «طلب» بهذا المعنى قد «صاغته» أوكرانيا، وألا يكون هذا الأمر «تصعيدياً»، و«ألا يطال الأراضي الروسية، بل أن يساعد جهود مقاومة» الغزو، و«ألا يضعف قدرة الجيش الفرنسي».

وأضاف «من حيث المبدأ، لا شيء مستبعداً»، مشدّداً على أنّ الأوكرانيين «لا يطلبون ذلك اليوم». وأوضح الرئيس الفرنسي أنّه «في ضوء هذه المعايير الثلاثة، سنواصل، على أساس كلّ حالة على حدة، النظر في شحنات الأعتدة العسكرية إلى كييف»، مشيراً إلى أنّ هذه المعايير تنطبق أيضاً على مسألة تزويد أوكرانيا بدبابات لوكلير الفرنسية. ولفت ماكرون إلى أنّ بلاده ستدرس الطلبات الرسمية التي تتلقّاها من أوكرانيا وليس ما يتمّ تداوله في الإعلام، مشيراً إلى أنّ وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف سيزور باريس لإجراء محادثات مع نظيره الفرنسي سيباستيان لوكورنو.
من جهته قال الرئيس الليتواني، جيتاناس ناوسيدا، إنه يجب على الغرب إبقاء جميع خياراته مفتوحة عندما يتعلق الأمر بتسليم الأسلحة إلى أوكرانيا، والذي يشمل إرسال الطائرات المقاتلة التي هناك حاجة شديدة إليها. وقال ناوسيدا في مقابلة مع التلفزيون الليتواني، إنه «يجب تجاوز هذه الخطوط الحمراء»، وذلك في إشارة إلى التحفظات بشأن الطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة المدى التي تطلب أوكرانيا الحصول عليها. وقال الزعيم الليتواني إن أنظمة الأسلحة هذه تعد «مساعدة عسكرية لا غنى عنها». وأضاف ناوسيدا في مقابلة أجريت معه مساء الاثنين، قائلا: «في هذه المرحلة الحاسمة من الحرب، عندما تكون نقطة التحول وشيكة، فمن الضروري أن نتحرك من دون تأخير». ويشار إلى أن ليتوانيا عضو في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
كذلك شدّد رئيس الوزراء الهولندي مارك روته على أنّه «لا محظورات، لكنّها ستكون خطوة كبيرة» إذا تمّ تسليم كييف طائرات مقاتلة. وأكّد روته أنّ هولندا، على غرار فرنسا، لم تتلقّ بعد أي طلب رسمي من أوكرانيا بهذا المعنى، مشيراً إلى أنّه يوافق على المعايير التي طرحها نظيره الفرنسي.
وأشار السفير الأوكراني في العاصمة الألمانية برلين أوليكسي ماكييف إلى مدى أهمية حصول بلاده على طائرات مقاتلة. وفي تصريحات لمحطة «دويتشه فيله» الألمانية، قال ماكييف الاثنين: «لم نقدم طلبا لألمانيا بعد بخصوص المقاتلات»، لكنه لفت إلى أنها مهمة لأن هناك حاجة إليها لإسقاط الصواريخ الروسية. وأضاف ماكييف أن «روسيا تطلق الكثير من الصواريخ على مدن وبنية تحتية أوكرانية»، وقال إن الطائرات المقاتلة هي جزء من الجهود الأوكرانية الرامية إلى الدفاع عن المجال الجوي. وواصل السفير الأوكراني حديثه قائلا: «كل يوم نتناقش ونتجادل فيه داخلياً أو نتفاوض فيه مع شركاء حول قواعد الاشتباك، يموت فيه جنود ومدنيون أوكرانيون»، وأردف أنه لهذا السبب فإن من المهم جداً إجراء النقاش سريعاً، وتوفير الإمداد بالأسلحة والذخيرة بأسرع ما يمكن.
بيد أن بعض الانتقادات، تؤكد أن هذه السياسة قد تكون مسؤولة عن إطالة أمد الحرب، بسبب «الحذر» الزائد عن حده، في تقدير ردة فعل روسيا. ويرى مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، أن بايدن يخشى استفزاز روسيا، لكن ما لا يفهمه الرئيس، هو أن إظهار قدرة روسيا على إملاء الأسلحة التي يمكن للولايات المتحدة إرسالها إلى أوكرانيا، يثير استفزاز روسيا أكثر، منذ أن خلص بوتين إلى أن بايدن ضعيف. ومع ذلك، يضيف روبن لـ«الشرق الأوسط»، أن الجواب الأول كان عدم إرسال طائرات «إف - 16»، رغم أنه قد تم بالفعل تخصيص الأموال من قبل الكونغرس، وليس هناك أي سبب على الإطلاق لعدم القيام بذلك، ويمكن أن يسمح للطيارين الأوكرانيين بالتدريب عليها. ويؤكد روبن أن رفض بايدن تسليم الطائرات، يظهر أن غرائز بايدن «سيئة»، وأن مستشاريه هم في الحقيقة من يتحكمون ويصححون له، وفي الحالتين هذا سيئ للديمقراطية. ودعا روبن إلى مساعدة أوكرانيا، على بناء مصانع لإنتاج أسلحتها، بدلا من الاعتماد فقط على توريد الأسلحة لها، مشدداً على أن لأوكرانيا الحق الكامل في الدفاع عن بنيتها التحتية ضد أي هجوم، وهي تقوم بذلك بالفعل. وأكد أن الدفاع عن تلك المصانع يختلف كثيراً عن شن هجمات على المصانع الروسية، ولا يعد تصعيداً لتورط الولايات المتحدة وحلف الناتو في الصراع.
من جهة أخرى، أبقت كوريا الجنوبية الباب مفتوحاً لإعادة النظر في الحظر الذي تفرضه على إرسال أسلحة إلى أوكرانيا. وقال وزير دفاعها لي جونغ سوب، الثلاثاء، إنه كان على دراية «بالحاجة إلى الجهد الدولي»، وإن حكومته «توجه اهتماماً وثيقاً» بالوضع. وجاءت تصريحات لي، في مؤتمر صحافي مع وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، بعد يوم من حث الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ كوريا الجنوبية على تغيير سياستها في تصدير الأسلحة الدفاعية «للأغراض السلمية فقط». وقال ستولتنبرغ خلال زيارته لسيول، الاثنين، إن دولاً، مثل ألمانيا والنرويج... وغيرهما، غيّرت موقفها؛ «لأنها أدركت أنه عندما تواجه غزواً وحشياً؛ حيث تغزو قوة عظمى دولة أخرى بطريقة صارخة كما رأينا في أوكرانيا، وإذا كنا نؤمن بالحرية ونؤمن بالديمقراطية، ولا نريد أن ينتصر الاستبداد... فعندئذ يُحتاج إلى أسلحة». وفي حين قدمت كوريا الجنوبية مساعدات إنسانية ومساعدات أخرى غير قاتلة مباشرة إلى أوكرانيا، قالت الولايات المتحدة إن كوريا الشمالية ترسل صواريخ إلى روسيا لتعويض النقص في إمداداتها.


مقالات ذات صلة

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».