الجيش الأميركي يعلن مقتل قيادي «داعشي» في الصومال

وصف العملية بأنها «هجومية مخطط لها منذ أشهر»

قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
TT

الجيش الأميركي يعلن مقتل قيادي «داعشي» في الصومال

قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)

أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مقتل عدد من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي، من بينهم قيادي بارز، في عملية هجومية تم التخطيط لها منذ شهور، نفذتها القوات الأميركية بشمال الصومال، بناءً على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي جو بايدن.
وأوضح أوستن في بيان أمس (الخميس)، أن العملية التي شنت، بناءً على أوامر من بايدن، أسفرت عن مقتل عدد من أعضاء تنظيم «داعش»، بمن فيهم بلال السوداني، أحد قادة التنظيم في الصومال والمسيّر الرئيسي للتنظيم.
وقال إن السوداني كان مسؤولاً عن تعزيز الوجود المتزايد لـ«داعش» في أفريقيا وتمويل عمليات التنظيم في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في أفغانستان.
وبعدما نفى إصابة أي مدني بسبب هذه العملية، أكد أن «هذا الإجراء يجعل الولايات المتحدة وشركاءها أكثر أمناً وأماناً، ويعكس التزامنا الثابت بحماية الأميركيين من تهديد الإرهاب في الداخل والخارج»، معرباً عن امتنانه لمجتمع الاستخبارات والشركاء الآخرين بين الوكالات لدعمهم هذه العملية الناجحة لمكافحة الإرهاب.
ووقعت الغارة مساء أمس في مجمع كهوف جبلي بعيد في منطقة بونتلاند، شمال الصومال، بعد شهور من اكتشاف شبكات التجسس الأميركية المقر الخفي لـلسوداني، ورصد الموقع لدرس تحركاته.
ورغم عدم إفصاح الجيش الأميركي عن هوية وحدة العمليات الخاصة التي نفذت الغارة، فقد أشارت تقارير أميركية إلى أن الوحدة المعروفة باسم «سيل 6»، قامت تاريخياً بأكثر مهام مكافحة الإرهاب حساسية في الصومال.
وكانت قيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) قد أعلنت في بيان مقتضب مساء أمس، عن تنفيذ الجيش الأميركي ما وصفته بعملية ناجحة لمكافحة الإرهاب في الصومال، لكنها لم تقدم أي تفاصيل إضافية، وقالت إنها ستوفرها في الأيام المقبلة.
وأوضحت أنه نظراً للموقع البعيد للعملية، فإن التقييم هو أنه لم يصب أو يقتل أي مدنيين، مشيرة إلى أن حماية المدنيين تظل جزءاً حيوياً من عملياتها لتعزيز قدر أكبر من الأمن لجميع الأفارقة.
وقال مسؤولون أميركيون إن السوداني، وهو أحد قادة التنظيم في الصومال، قُتل في العملية مع نحو عشرة آخرين من التنظيم، وأضافوا أن العملية وافق عليها بايدن في وقت سابق هذا الأسبوع، ونُفذت في آخر 24 ساعة، لكنهم رفضوا التطرق إلى التفاصيل الأساسية للعملية.
كما رفضوا الإفصاح عما إذا كان هناك أي تهديد مباشر مثله السوداني على الولايات المتحدة، أو تفاصيل حول ما إذا كان قد تم جمع أي معلومات استخباراتية، وكيف نفذت القوات الأميركية العملية، أو حتى عدد الجنود الأميركيين المشاركين.
في المقابل، قال مسؤول أميركي كبير إن الولايات المتحدة أرادت اعتقال السوداني، لكن الميليشيات التي كانت معه بادرت برد فعل، لافتاً إلى أن السوداني من قاعدته الجبلية في شمال الصومال قدم ونسق التمويل لفروع تنظيم «داعش»، ليس في أفريقيا فحسب، لكن أيضاً لـ«ولاية خراسان»، الذراع العاملة في أفغانستان.
وقبل عشر سنوات، أو حتى قبل انضمامه إلى تنظيم «داعش»، شارك السوداني في تجنيد وتدريب مقاتلين لحركة «الشباب» المتطرفة في الصومال.
وأشار المسؤول إلى أن «السوداني كان له دور تنظيمي ومالي رئيسي مع مهارات متخصصة جعلته هدفاً مهماً للجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب».
وذكرت مسؤولة كبيرة في البيت الأبيض أن هذه العملية التي جرى الإعداد لها منذ «أشهر عدة» لم تسفر عن ضحايا مدنيين، أو في صفوف الجيش الأميركي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المسؤولة الرفيعة، التي طلبت عدم كشف اسمها، أن الإنزال سبقته «تدريبات مكثفة» للقوات الأميركية في مواقع «شيدت خصيصاً» لتحاكي تضاريس الموقع، حيث نفذت العملية، وهو كهف في جبال شمال الصومال. وأضافت: «كنا مستعدين للقبض على السوداني».
وقال مسؤول أميركي ثان، إن «اعتقال (الإرهابي) هو الخيار الأفضل للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية من العملية»، لكن «رد القوات المعادية على العملية أدى إلى مقتله».
وبينما لم يصدر أي رد فعل رسمي من السلطات الصومالية، أعلن حسين شيخ علي مستشار الأمن القومي الصومالي، ترحيب الحكومة الصومالية بمطاردة القيادة العليا للجماعات الإرهابية التي تقاتل في الصومال، وحذر في تصريحات لإذاعة «صوت أميركا»، من أنه رغم أن «داعش» ليس لها نفوذ كبير، فمن المحتمل أن يتزايد تهديد التنظيم.
وزعمت وزارة الخزانة الأميركية، العام الماضي، أن السوداني عمل عن كثب مع عنصر آخر في تنظيم «داعش»، هو عبد الله حسين أباديجا، الذي جند شباناً في جنوب أفريقيا، وأرسلهم إلى معسكر تدريب على الأسلحة.
وأدرج السوداني في قوائم وزارة الخزانة في عام 2012 لدوره مع حركة «الشباب» المتطرفة، ووفقاً لمسؤول رفيع في الإدارة، فقد ساعد المقاتلين الأجانب في السفر إلى معسكر تدريب «الشباب»، وسهل تمويل المتطرفين العنيفين في الصومال.
في شأن قريب، دعا المؤتمر العام لعلماء الصومال، الذي استضافته العاصمة مقديشو لمدة أربعة أيام، إلى محاربة حركة «الشباب» وتنظيم «داعش»، وعدهما في ختام أعماله مساء أمس جماعتين مجرمتين مارقتين من الخوارج، لا تتمتعان بأي شرعية دينية.
من جهته، أكد اللواء تهليل بيحي قائد القوات البرية بالجيش الصومالي، لدى تفقده قواته في المناطق المحررة بمدينة حرطيري التابعة لإقليم مدغ وسط البلاد، على أولوية تحرير بقية المناطق التي ما زالت تحت سيطرة فلول حركة «الشباب»، معرباً عن اعتزاز الجيش بالتعاون مع السكان المحليين لتصفية الإرهابيين، ومؤكداً استمرار القتال حتى يتم القضاء على الإرهاب في كل ربوع البلاد.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

(حوار سياسي) بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً...

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد نحو 3 أسابيع بدت فيها الحرب الأوكرانية كأنها تراجعت إلى المرتبة الثانية في سُلّم الاهتمام الأميركي والدولي بسبب حرب إيران، عادت الجبهة لتفرض نفسها مجدداً، ولكن في ظروف معقّدة بالنسبة إلى كييف.

فروسيا لم تتعامل مع انشغال واشنطن بوصفه فراغاً عابراً فقط، بل على أنه نافذة لزيادة الضغط العسكري وتثبيت منطق تفاوضي أكبر تشدداً: تصعيد واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومحاولة انتزاع مكاسب ميدانية في دونيتسك وزابوريجيا، مع الإيحاء في الوقت نفسه بأنها ما زالت «منفتحة» على التفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن وفق شروطها.

هذا التزامن بين التصعيد العسكري والمرونة الدبلوماسية الشكلية هو ما يفسر دعوات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مواطنيه إلى الاستعداد لحرب قد تمتد سنوات أخرى، في وقت تخشى فيه كييف أن تتحول حرب الاستنزاف إلى واقع ثابت لا مجرد احتمال نظري. وفي هذا السياق، يكتسب حديث جون هاردي، الباحث بالشأن الروسي في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، لـ«الشرق الأوسط»، أهمية خاصة؛ إذ يقول إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، «أظهر باستمرار عدم استعداده لتسوية ذات مغزى، ومع انتقال اهتمام الولايات المتحدة ومواردها الآن إلى الشرق الأوسط، ومع جني روسيا مزيداً من الأموال من مبيعات النفط، فقد يصبح بوتين أشد تصلباً».

موسكو تستثمر انشغال واشنطن

المؤشرات الميدانية خلال الأيام الأخيرة توحي بأن موسكو قرّرت استئناف المبادرة بعد فترة جمود نسبي. فالتقارير الغربية تتحدث عن هجوم روسي ربيعي جديد يركز على ما يسمى «حزام القلاع» في شرق دونيتسك، مع ضغط قرب سلوفيانسك وبوكروفسك وكوستيانتينيفكا، فيما بدا أن الكرملين يستثمر تباطؤ الدبلوماسية الأميركية وانشغال واشنطن بحرب إيران. ويرى خبراء أن موسكو جمّدت مسار التفاوض حتى تعود الولايات المتحدة إلى التركيز على الملف الأوكراني، لا من أجل تقديم تنازلات، بل من أجل استئناف التفاوض من موقع قوة أكبر.

عناصر إنقاذ يعملون على إخماد حرائق جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية يوم 25 مارس 2026 (أ.ب)

والأهم أن الكرملين لم يبدل مطالبه الأساسية، فما زالت موسكو تتمسك بمنع انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وبانسحاب كييف من 4 مناطق تسيطر عليها قوات موالية لموسكو، وهما شرطان ضمن شروط تراها أوكرانيا أقرب إلى إملاءات استسلام منها إلى صيغة تسوية. وحتى حين يُكرّر المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، أن بلاده ما زالت على اتصال بالولايات المتحدة بشأن التسوية، فإن ذلك لا يقترن بأي خفض للسقف السياسي أو العسكري. لذلك؛ يبدو أن «الانفتاح» الروسي على التفاوض ليس بديلاً للتصعيد، بل امتداد له بوسائل أخرى.

ومن هنا، يمكن فهم القلق الأوكراني من أن تكون حرب إيران قد منحت موسكو امتيازات سياسية ومالية وعسكرية معاً. فارتفاع عائدات النفط، وتباطؤ تدفق بعض الأسلحة، وتراجع التركيز الغربي على الجبهة الأوكرانية... كلها عوامل تصب في مصلحة روسيا. وهذا ما التقطه جون هاردي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، حين ربط بين انشغال الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، وازدياد تصلب بوتين، بما يوحي بأن الكرملين يرى في اللحظة الحالية فرصة لتشديد الشروط لا تليينها.

المسيّرات في قلب المعركة

الحدث الأبرز في عودة الحرب إلى الواجهة كان الهجوم الروسي الكثيف هذا الأسبوع. فقد شنّت روسيا إحدى أضخم موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب، مُستخدمة مئات المسيّرات خلال أقل من 24 ساعة، في رسالة تتجاوز البُعد العسكري البحت إلى الضغط النفسي والسياسي. فاستهداف المدن والمستشفيات والمباني السكنية ومواقع ثقافية، وفق كييف، يهدف أيضاً إلى تكريس فكرة أنه لا تهدئة مجانية، وأن لا موقع آمناً إطلاقاً داخل أوكرانيا.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد في أوكرانيا يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا تظهر وظيفة المُسيّرات في الحرب الحالية بوصفها أكثر من مجرد أداة مساندة. فروسيا تستخدمها على مستويين متوازيين: استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض ضغط يومي على المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية. وحتى إذا تمكّنت كييف من اعتراض نسبة كبيرة منها، فإن مجرد إطلاق هذا الكم يخلق معركة استنزاف في الذخائر والاعتراض والجاهزية. بهذا المعنى، تحولت المسيّرات إلى أداة منخفضة التكلفة نسبياً وعالية التأثير في حرب طويلة النفس.

في المقابل، تسرّع أوكرانيا من إجراءات إنتاج وتوظيف المسيرات. وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد طورت ما تشبه «سوقاً إلكترونية» عسكرية تسمح للوحدات باختيار المسيّرات التي تحتاجها مباشرة، في خروج واضح على البيروقراطية التقليدية المركزية في التسليح. غير أن هذا الابتكار، على أهميته، لا يلغي المشكلة الأعمق: نقص المال، والذخائر، والدفاعات الجوية، والمقاتلين. أي إن أوكرانيا تحاول تعويض الاختلال في الموارد بالمرونة والتكيّف، لكن قدرتها على فعل ذلك تبقى مرتبطة باستمرار الدعم الغربي.

لا سلام قريباً

في التعليقات السياسية والإعلامية، تتشكّل صورة تكاد تكون شبه جامعة: لا أحد يرى اختراقاً قريباً. زيلينسكي شدد على أن الحرب في إيران تشجع روسيا، وأن حجم القصف الروسي يؤكد غياب أي نية حقيقية لإنهاء الحرب. هذا الخطاب لا يعكس مجرد تعبئة معنوية داخلية، بل قناعة متصاعدة في كييف بأن الدبلوماسية من دون ضغطٍ عسكري ودعم غربي فعليٍ قد تتحول مظلة تتيح لموسكو إعادة التموضع فقط.

أقارب وأصدقاء جنود أوكرانيين خلال وقفة احتجاجية في كييف يوم 25 مارس 2026 (رويترز)

ومن الجانب الأميركي، فقد نقلت «رويترز» عن مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، قولها أمام المشرعين إن روسيا تملك اليد العليا حالياً، وإن حرب الاستنزاف تبقى استراتيجيتها المرجحة ما لم يُتوصل إلى اتفاق. لكن المشكلة أن أي اتفاق يبدو بعيداً في ضوء الشروط الروسية الحالية، وفي ضوء اقتناع بوتين بأنه يستطيع الصمود أطول والاستفادة من عامل الوقت.

وهنا يرى جون هاردي أن بوتين غير مستعد لتسوية جدية، «بل يربط تشدده الإضافي بتحول الأولويات الأميركية وارتفاع مداخيل روسيا النفطية». وهذا يعني أن المسار الأرجح الآن ليس سلاماً وشيكاً، بل جولة أشد قسوة من الحرب الطويلة: مفاوضات متقطعة، وشروط روسية قاسية، ومسيّرات تملأ السماء، فيما يراهن كل طرف على إنهاك الآخر قبل أن يقتنع بتقديم التنازل.


انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

تستمر أزمة المطارات الأميركية وزحمتها الخانقة، ومعها يحتدم الجدل حول تمويل وزارة الأمن القومي. فالانفراجة التي شهدتها المحادثات لتمويل الوزارة مطلع الأسبوع عادت للانحسار بعد معارضة بعض الجمهوريين والديمقراطيين على طبيعة الاتفاق وتفاصيله.

ولاقت بنود الاتفاق القاضية بتمويل كل الوزارة، ما عدا عمليات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (آيس) استياء عدد من الجمهوريين الذين عدّوا أن تصويتاً على اتفاق من هذا النوع يعني تصويتاً لسحب التمويل من عمليات اعتقال المهاجرين وترحيلهم.

وقال السيناتور الجمهوري جوش هولي: «لا أريد التصويت لإلغاء تمويل (آيس)، ولا أريد التصويت لخفض تمويلها. أريدها أن تكون ممولة بالكامل».

معارضة ديمقراطية

يعارض الديمقراطيون هذا المبدأ كلياً. فقد خاضوا هذه المعركة منذ البداية بهدف واحد، وهو الحدّ من ممارسات وكالة الهجرة وعناصرها، وقدَّموا لائحة طويلة من المطالب لفرض إصلاحات على الوكالة؛ مثل منع عناصرها من إخفاء وجوههم وراء أقنعة، وإلزامهم بالحصول على مذكرات قضائية قبل تنفيذ عمليات مداهمة أو اعتقال.

وتحدّث زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن توجُّه حزبه قائلاً: «يجب أن نضع قيوداً على وكالة الهجرة والجمارك ونوقف العنف. نحن بحاجة إلى إصلاحات. وكل واحد من زملائي من دون استثناء يؤمن بضرورة أن نكون موحّدين لفرض إصلاحات على (آيس)».

عنصر من وكالة «آيس» في مطار هيوستن بتكساس يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويعوّل الديمقراطيون على استمرار وحدة صفّهم في مواجهة تصاعد الضغوط لإنهاء الإغلاق الجزئي، الذي بدأ منتصف الشهر الماضي بسبب اعتراضهم على ممارسات «آيس». لكن المعضلة التي يواجهها الحزبان اليوم هي أن هذه المعركة السياسية تحوّلت إلى أزمة حقيقية في المطارات الأميركية التي تشهد ازدحاماً خانقاً بسبب غياب نحو 11 في المائة من إجمالي القوة العاملة، بما يشمل عناصر الأمن والتفتيش الذين لم يتقاضوا رواتبهم بسبب الإغلاق الجزئي.

ورغم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إرسال عناصر «آيس» للمساعدة على ضبط طوابير المسافرين الطويلة، فإن هذا لم يُحسّن من أوضاع السفر كثيراً. وقد عمدت بعض شركات الطيران إلى تحفيز المسافرين على إلغاء رحلاتهم، كما ألغت بعضها برامج خدمة أعضاء الكونغرس الخاصة، التي تُسهّل معاملاتهم ورحلاتهم بسبب نقص الموظفين.

تبادل اتهامات

وفيما يتبادل الحزبان الاتهامات حيال المسؤولية عن الأزمة التي تمُرّ بها البلاد، ظهرت بوادر أمل خجولة بعد اجتماع عقده جمهوريون مع ترمب في البيت الأبيض، وخرجوا منه بتسوية اعتبروا أنها ستُرضي الديمقراطيين.

وتقضي هذه التسوية بفصل تمويل عمليات «آيس» عن تمويل الوزارة، «على أن يُبحث تمرير هذا التمويل لاحقاً عبر مسار المصالحة»، مع إقرانه ببعض بنود مشروع «أنقذوا أميركا». كما عرضوا تزويد عناصر الوكالة بكاميرات جسدية لتصوير ممارساتهم المثيرة للجدل خلال عمليات الاعتقال.

مشروع المصالحة

غير أن وعود الجمهوريين بدمج مشروع «أنقذوا أميركا» ضمن مسار «المصالحة» تصطدم بعقبات إجرائية واضحة. فالمقترح يقوم عملياً على فصل تمويل عمليات «آيس» عن مشروع تمويل وزارة الأمن القومي، ثم محاولة تمريره لاحقاً عبر آلية المصالحة التي تتيح إقرار البنود المالية بأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ.

غير أن هذا المسار مقيّد بشدة، إذ تفرض «قاعدة بيرد» حظراً على إدراج أي بنود لا ترتبط مباشرة بالموازنة، ما يجعل إدراج عناصر من مشروع انتخابي -كالتغييرات في قوانين التصويت- عرضة للاستبعاد.

وبذلك، يتحول رهان الجمهوريين على المصالحة إلى خيار إجرائي محفوف بالمخاطر، سواء من حيث قابلية تمرير تمويل «آيس» نفسه، أو إمكانية ربطه بأجندة تشريعية أوسع.

ترمب يتحدث مع الصحافيين في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ب)

وشكّك الديمقراطيون في هذه المبادرة، وقال السيناتور الديمقراطي تيم كاين: «حتى نحصل على الإصلاحات التي نريدها في (آيس)، لن نُصوّت على تمويلها». وقد أعلن شومر أنه سيُقدّم طرحاً للرد على المبادرة الجمهورية بهدف التوصل إلى تسوية، لكن هذا لم يلقَ استحسان الجمهوريين، كالسيناتور ليندسي غراهام الذي قال: «لم أذهب إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس لمدة ساعتين وإقناعه باتفاق لأقوم بتغييره لاحقاً. لا يمكننا العمل بهذه الطريقة».

ومن الواضح أن مباركة ترمب أساسية للحصول على الدعم الجمهوري اللازم لإقرار أي تسوية. وقد تمكن الجمهوريون الذين التقوا به من إقناعه بتسوية تفتح المجال لطرح أجزاء من مشروع «أنقذوا أميركا» ضمن مسار المصالحة بعد إقرار تمويل وزارة الأمن القومي.

ورغم أن البيت الأبيض بدا منفتحاً على الطرح في بيان وصفه بـ«الحل المقبول»، فإن ترمب قال لاحقاً، في معرض لقائه بالصحافيين، إنه غير راضٍ عن أي اتفاق مع الديمقراطيين، وتعهّد بالنظر بدقة في أي تسوية ناجمة عن المفاوضات قبل الموافقة عليها.


«البنتاغون» تتوصل إلى اتفاقيات مع شركات دفاع لزيادة إنتاج أسلحة وذخائر

صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
TT

«البنتاغون» تتوصل إلى اتفاقيات مع شركات دفاع لزيادة إنتاج أسلحة وذخائر

صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)

قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الأربعاء، إنها توصلت إلى اتفاقيات إطارية مع شركات «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» و«هانيويل» لزيادة إنتاج عدة أنظمة دفاعية وذخائر، في إطار تحولها إلى «حالة الاستعداد للحرب».

تأتي الخطوة بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإسرائيل الحرب على إيران. وكذلك عقب اجتماع ترمب في وقت سابق من الشهر الحالي مع مسؤولين تنفيذيين من سبع شركات دفاعية، في إطار سعي «البنتاغون» إلى تجديد مخزونات الأسلحة التي استُنزفت جراء الضربات الأميركية على ‌إيران والعمليات العسكرية ‌الأخيرة.

وأفادت وكالة «رويترز»، الثلاثاء، بأن «​البنتاغون» ‌تعتزم ⁠أيضاً إرسال آلاف ​القوات ⁠المحمولة جواً إلى الخليج لمنح ترمب خيارات أوسع لإصدار أوامر بشن هجوم بري.

وأضافت «البنتاغون» أنه بموجب هذه الاتفاقيات، ستقوم «هانيويل إيروسبيس» بزيادة «إنتاج المكونات الضرورية لمخزون الذخيرة الأميركي»، في إطار استثمار بقيمة 500 مليون دولار على مدى عدة سنوات.

وأشارت «البنتاغون» إلى أن شركتي «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» ستزيدان إنتاج ⁠أجهزة التوجيه الخاصة بصاروخ «ثاد» الاعتراضي ‌بمقدار أربعة أمثال، كما ستسرع اتفاقية ‌إطارية جديدة مع شركة «لوكهيد» ​من إنتاج صاروخها من طراز ‌«بريسيجن سترايك ميسيل» للضربات دقيقة التوجيه.

وقالت شركة «هانيويل» إن الاتفاقية ‌ستدعم زيادة إنتاج أنظمة الملاحة ومحركات توجيه الصواريخ ومنتجات الحرب الإلكترونية المستخدمة في مختلف المنصات العسكرية الأميركية.

وأشار جيم كوريير، الرئيس التنفيذي لشركة «هانيويل إيروسبيس»، إلى أن الشركة على أتم الاستعداد لتلبية الطلب الملح.

وأوضح ‌جيم تايكليت، الرئيس التنفيذي لشركة «لوكهيد مارتن»، أن الشركة «تعمل بتنسيق وطيد مع وزارة الحرب ⁠والجيش الأميركي ⁠لزيادة الإنتاج بما يلبي الاحتياجات العملياتية».

كان ترمب قد وقّع في يناير (كانون الثاني) أمراً تنفيذياً يُوجّه المسؤولين إلى تحديد المتعاقدين الذين يعتبر أداؤهم ضعيفاً في العقود الحكومية. وكثفت إدارته الضغط على شركات الدفاع لإعطاء الأولوية للإنتاج على حساب توزيعات الأرباح على المساهمين.

وقال ترمب عن الاجتماع السابق الذي ضم مسؤولين تنفيذيين من شركات «لوكهيد مارتن» و«بي إيه إي سيستمز» و«بوينغ» و«هانيويل إيروسبيس» و«إل.ثري هاريس تكنولوجيز» و«نورثروب غرومان»: «ناقشنا الإنتاج وجداول الإنتاج».

وسحبت الولايات المتحدة أسلحة من مخزونها بمليارات ​الدولارات منذ الغزو الروسي لأوكرانيا ​في 2022 وخلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ومنها أنظمة مدفعية وذخيرة وصواريخ مضادة للدبابات.