لماذا لا تزال «25 يناير» تثير تبايناً في مصر؟

(تحليل سياسي)

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
TT

لماذا لا تزال «25 يناير» تثير تبايناً في مصر؟

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)

رغم مرور 12 عاماً على شرارتها التي أطاحت حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، فإن التطرق إليها من جانب المؤيدين سيأتي مصحوباً بنعت «الثورة»، بينما سيُفضل المناوئون لها - في أفضل الأحوال - اللجوء إلى لفظ «الأحداث» لوصفها، في انعكاس واضح لتباين لا يزال سارياً بين نخب ومواطنين بشأن الموقف من «25 يناير (كانون الثاني) 2011».
ومنذ انطلقت هتافات المحتجين في الخامس والعشرين من يناير مطالبة بـ«العيش (الخبز)، والحرية، والعدالة الاجتماعية»، تباينت مؤشرات الصعود والهبوط نحو تحقيق تلك الأهداف بشكل كبير، ومن عهد إلى آخر.
بيد أنه على المستوى السياسي ينسب المناوئون إلى «أحداث يناير» المسؤولية عن «منح تيار الإسلام السياسي الفرصة» لقيادة مقاليد الحكم في البلاد لنحو عام، وما أعقب ذلك من تفشي «موجة عمليات إرهابية» لا تزال مصر تعالج تبعاتها.
وعلى الجانب الآخر، فإن فريق مؤيدي «ثورة يناير» يرى أنها جاءت لـ«تحرك ماء السياسة الراكد، وقطعت الطريق على توريث الحكم من مبارك الأب إلى مبارك الابن»، فضلاً عن «التصدي لسيطرة (الحزب الوطني الحاكم) على السلطتين التشريعية والتنفيذية».
سكان مصر أنفسهم لم يعودوا على الصورة السابقة إبان «25 يناير» أو بالأحرى التعداد ذاته الذي كان أقل من 80 مليون نسمة في عام 2011 اختلف؛ حيث بلغ تعداد المصريين 104.5 مليون نسمة، حسب آخر إحصاء رسمي (أعلن الثلاثاء) قبل يوم واحد.
وبالعودة إلى شعارها الأوسع «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، تبدو مراجعة ما تحقق من أهداف أو طلبات «25 يناير» ضرورية، ويرى المحلل السياسي المصري ومستشار مركز «الأهرام» للدراسات السياسية الدكتور، عمرو الشوبكي، أن «جملة شعارات (يناير) كانت إنسانية وعامة، تكررت في انتفاضات وثورات أخرى ضمن موجات (الربيع العربي)، الأمر الذي يعني أن ما أعقبها من سنوات وجب أن تكون مساحة تطرح خلالها القوى الفاعلة آليات أو مسارات تقرب المصريين من أهدافهم العامة».
ولقد دخلت مصر بعد عام واحد من يناير، بوصول مرشح «الإخوان»، محمد مرسي، حقبة عدّها البعض «شتاءً إسلاموياً»، جمّد المسارات الطبيعية لحركة السياسة في البلاد، وتواكب ذلك مع مساعٍ مستمرة للجماعة لترسيخ نفوذها عبر بسط السيطرة على مؤسسات مختلفة، وتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، وهو ما دفع ممثلي قوى وطنية ومؤسسات دينية إلى الانسحاب من لجنة صياغة الدستور.
ويقول الشوبكي لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المرتبكة والمأزومة التي عاشتها مصر طوال 3 عقود من حكم مبارك، عبّرت عن نفسها بعد رحيله، ولعل أكثر مثال صارخ للارتباك أن (الإخوان) الذي كان تنظيماً محظوراً من الناحية الرسمية في ظل عهد مبارك، امتلك 88 نائباً في برلمان عمل في ظل سلطة الرئيس الأسبق». مضيفاً: «التجريف السياسي المُتعمد قبل (يناير)، لصالح المواءمات مع (الإخوان) أحد أسباب قوة تنظيمهم، وبالتالي استعدادهم فيما بعد لإزاحة مبارك ليسيطروا وينفردوا بسلطات عدة».
لكن هل كانت حقبة مبارك وسلطته وسياساته هم فقط المسؤولين عن عدم تمكن «يناير» من الوصول لبعض أهدافها؟... يجيب الشوبكي: «يصعب قول ذلك طبعاً، فنحن كنا أمام تيارين تقريباً؛ أولهما سعى مباشرة بعد إزاحة مبارك لدفع مسار (يناير) نحو (العنف، والصدام، وتفكيك المؤسسات)، بينما كان التيار الثاني، وهو (تنظيم الإخوان) يركز على التمكُّن والتغول؛ وبين الفريقين خيّم غبار الخلافات والصراع على الأفق الإصلاحي، وبالتالي نما الاستقطاب والخلاف».
ويرى الشوبكي أن خصوصية يناير وكونها غير مسبوقة بين محاولات التغيير في مصر ربما يكونان من أسباب استمرار تباين مواقف البعض منها، لأنها «ثورة يصعب القياس عليها في محاولات التغيير المصرية السابقة، إذ كانت معظم تلك المحاولات تأتي من الأعلى إلى الأسفل، أو عبر مجموعات قادمة من مؤسسات الدولة مثل حالة (ثورة 23 يوليو) والتي قادها تنظيم الضباط الأحرار، أو حتى في مثال (ثورة 1919) التي كان رمزها وزيراً بالحكومة (سعد زغلول)».
ويخلص الشوبكي إلى أن «استمرار الحديث عن (يناير) وتقييمها من قبل مؤيدين ومعارضين سيظل، بسبب خصوصيتها ومحوريتها، وغياب وجود نظير لها، بعدما نجح مواطنون عفويون في التغيير وإجبار مبارك على الاستقالة».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


ترمب: سأحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب: سأحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، إن لدى الولايات المتحدة «علاقة رائعة وقوية» مع مصر، وذلك خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.

وكشف ترمب أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

من جهته، قال السيسي إنه سعيد للغاية بانضمامه إلى «مجلس السلام» الذي يقوده ترمب بشأن غزة. وشدد على أهمية التحرك في المرحلة الثانية من خطة غزة موضحاً أنه سيقوم بكل ما في وسعه لإنجاحها.

وطلب السيسي من ترمب الاستمرار في رعاية ملف غزة حتى تحقيق الخطة بشكل كامل.

كما شكر الرئيس المصري نظيره الأميركي على دعمه لمصر في ملف المياه.

كانت إثيوبيا قد افتتحت في سبتمبر (أيلول) «سد النهضة» الضخم على نهر النيل الذي بدأت تشييده في 2011، وهو مشروع بلغت تكلفته مليارات الدولارات وتعتبره مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا.


مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

تصاعدت حدة الجدل في مصر بشأن «خفض الدين العام»، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت خطة الحكومة المنتظر إعلانها قريباً في هذا الصدد تتضمن بيعاً لأصول الدولة في سبيل تخفيف أعباء خدمة الدين عن كاهل الدولة والمواطن.

ومنذ إعلان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الشهر الماضي، عن «عزم الحكومة خفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 عاماً»، تبارت وسائل إعلام محلية لمحاولة الكشف عن ملامح خطة الحكومة لتخفيض الدين، سواء عبر بيع أصول وأراض مملوكة للدولة أو مبادلة الدين بأسهم في شركات ذات كيان قانوني.

لكن الحكومة لم تعلن رسمياً حتى الآن عن تفاصيل الخطة، وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، في تصريحات متلفزة مساء الأحد، إن «العمل لا يزال جارياً على بعض التفاصيل الفنية الخاصة بخطة تخفيض الدين؛ تمهيداً للإعلان عنها رسمياً خلال الفترة القريبة المقبلة». وأكد أن جميع الإجراءات التي سيتم الإعلان عنها «ستكون متوافقة مع أحدث المعايير والسياسات المالية الدولية»، دون تحديد موعد بعينه لإعلان الخطة.

«تجفيف منابع الدَّين»

ووسط التكتم الحكومي على التفاصيل، بدأ تداول مقترحات وأفكار كثيرة، من بينها مقترح «المقايضة الكبرى» الذي طرحه رجل الأعمال المصري حسن هيكل، وأثار انتقادات اقتصادية على المستوى المحلي، مروراً بـ«مبادلة الديون» أو حتى «بيع الأصول».

ولم يُبدِ عضو مجلس النواب المصري محمد فؤاد تفاؤلاً بإمكانية تحقيق مستهدف الحكومة في خفض الدين عبر صفقات استثمارية، مؤكداً في منشور عبر حسابه على منصة «إكس» أن «الحل في معالجة أصل المرض وليس آثاره»، في إشارة لضرورة الحد من الاقتراض.

بدوره، قال الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة إنه «لا يوجد شيء في علم الاقتصاد يسمى خفض الدين بين ليلة وضحاها»، لكنه أوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حلولاً وبدائل للتعامل مع حجم الدين الضخم الذي يرهق الدولة»، لافتاً إلى لقاء حضره مع وزير المالية المصري أحمد كجوك، ضمن عدد من خبراء الاقتصاد، تضمن مقترحات «للحد من الاقتراض وتحسين القدرات المالية للبلاد، وضم الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد الرسمي».

وأضاف: «الحديث عن بيع الأصول هو استباق للأحداث، فأي أصول مهما بلغت قيمتها لن تحد من قيمة الدين وإن كانت خطوة لسد العجز المتراكم»؛ لكنه أشار إلى «إمكانية اعتماد استراتيجية مبادلة الديون واستبدال الودائع بواسطة استثمارات»، مشدداً على «ضرورة تحسين الإنتاج، وتعزيز موارد الدولة المالية».

وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

من جانبه، لا يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع سبباً للتكهنات والتساؤلات بشأن خطة الحكومة لخفض الدين العام، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الوزراء شرح رؤية الحكومة في مقال، و«كل ما تحدث عنه أمور تم العمل ببعضها بالفعل ولا تتضمن إجراءات جديدة»، موضحاً أن هناك إجراءات من بينها «إطالة أمد الدين، وتنويع مصادره، وتحسين خدمة سداده، كما أنه وفقاً لاتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، فإن أي صفقة كبيرة يتم توجيه جزء من عائداتها لخفض الدين».

وأضاف: «الأهم من خفض الدين هو تجفيف منابع الدين، عبر تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز الاستثمارات ودور القطاع الخاص».

أين يكمن الحل؟

وحاول مدبولي توضيح المسألة عبر مقال نشره الشهر الماضي على صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»، قال فيه إن «قضية الدَّيْن العام وخدمة الدَّيْن في مصر لم تعد مجرد أرقام تُتداول في تقارير اقتصادية، بل أصبحت سؤالاً مشروعاً لدى المواطنين عن القدرة على الاستمرار وحدود الاحتمال في ظل ضغوط معيشية كبيرة».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

وأشار إلى أن الدولة تمكنت في عام واحد من سداد دين خارجي صافٍ بنحو 3.4 مليار دولار، رغم بقاء الرصيد الكلي مرتفعاً بفعل تراكمات سابقة، إضافة إلى تحويل التزامات قائمة بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمار مباشر طويل الأجل، لافتاً إلى استخدام «أدوات غير تقليدية لإدارة الدّيْن، من بينها آلية مبادلة الديون».

لكن المقال التوضيحي لم يُنه الجدل والتكهنات، رغم وجود مسار واضح لخفض الدين عرضته «السردية الوطنية للاقتصاد المصري» التي تم إعلانها في الآونة الأخيرة، والتي توقعت الاستمرار في خفض نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 75 في المائة بحلول العام المالي 2028 - 2029، بعد مؤشرات سابقة أعلن عنها رئيس الوزراء كشفت أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل عامين إلى نحو 84 في المائة حالياً.

وقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، محمود محيي الدين، في تصريحات متلفزة الأسبوع الماضي: «لا يوجد في علم الاقتصاد آليات غير مسبوقة أو صفقات تنقذ اقتصاد الدين».

وأشار إلى أن حل أزمة الدين «يكمن في السيطرة على حجم المديونية وتطوير الموارد والناتج المحلي والصادرات». وأضاف: «تقليل أعباء الدين يتطلب تعزيز دور القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات المباشرة ليكون ذلك بديلاً وحيداً للاقتراض».


النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)
واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)
TT

النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)
واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)

يواجه النظام الصحي في السودان ضغوطاً غير مسبوقة ونقصاً حاداً في الخدمات الطبية، في وقت تشهد فيه البلاد تفشياً واسعاً للأمراض وسوء التغذية. وبينما تؤكد تقارير دولية تدهور الأوضاع الصحية، يقول مسؤولون حكوميون إن الوضع الصحي يشهد تحسناً ملحوظاً، مع تراجع الأوبئة والأمراض في عدد من الولايات.

ومنذ اندلاع القتال في منتصف أبريل (نيسان) 2023، توقفت غالبية المستشفيات عن العمل، وتحولت كثير من المرافق الصحية، خصوصاً في العاصمة الخرطوم، إلى مواقع عسكرية بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في الخدمات الطبية.

وفي الثالث والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن أرقام صادمة تتعلق بالهجمات التي استهدفت مرافق الرعاية الصحية في السودان. وأكدت المنظمة أن البلاد سجلت أعلى نسبة وفيات في العالم نتيجة استهداف القطاع الصحي، واعتبرت ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي. وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» في السودان، شبل صهباني، إن المنظمة تحققت من وقوع 201 هجوم على المرافق الصحية، أسفرت عن مقتل 1858 شخصاً من العاملين في المجال الصحي والمرضى وأفراد من عائلاتهم. وأضاف أن عام 2025 وحده شهد توثيق 65 هجوماً، أدت إلى مقتل 1620 شخصاً، وهو ما يمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الوفيات الناتجة عن استهداف القطاع الصحي على مستوى العالم.

تأهيل مستشفيات في العاصمة

في المقابل، رصدت «الشرق الأوسط» بدء أعمال تأهيل وافتتاح مستشفى بحري التعليمي، الذي تعرض لدمار واسع خلال القتال. وقال عضو اللجنة العليا لتهيئة وإعمار ولاية الخرطوم وعضو مجلس السيادة، الفريق إبراهيم جابر، إن عملية إعادة إعمار القطاع الصحي قد انطلقت بالفعل. وأوضح جابر، خلال افتتاح المستشفى، أن البلاد بدأت مرحلة جديدة من البناء بجهود محلية، مع فتح الباب أمام المنظمات الدولية والهيئات التابعة للأمم المتحدة لتقديم الدعم في مجالات الصحة والتعليم.

عضوا مجلس السيادة السوداني الفريق إبراهيم جابر (يمين) والفريق شمس الدين الكباشي (إعلام مجلس السيادة)

وخلال الأسابيع الماضية أعيد افتتاح عدد من المستشفيات، من بينها مستشفى ابن سينا في الخرطوم، ومستشفى أم درمان التعليمي، ومستشفى الدايات للولادة، إضافة إلى مرافق صحية أخرى. ومع ذلك، لا تزال مستشفيات كبيرة ومراكز صحية حكومية وخاصة تعاني من دمار واسع وتخرج عن الخدمة. وقالت المواطنة انتصار آدم إنها تشعر بالأمل بعد فترة طويلة من اليأس بسبب انهيار الوضع الصحي ونقص الأدوية. وأضافت: «كنا نحصل على العلاج بصعوبة شديدة، أما الآن فقد أصبح الوصول إلى الأطباء وتلقي العلاج أسهل». فيما أوضحت المواطنة تودد آدم سليمان أنها واجهت معاناة كبيرة مع أسرتها، واضطروا في فترات سابقة إلى استخدام الأعشاب الطبيعية للتداوي، لكنها أكدت أن الوضع تحسن بشكل نسبي في الوقت الحالي.

تحسن ملحوظ

من جانبه، قال وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان يضم أكثر من ستة آلاف مؤسسة صحية، عاد نحو 70 في المائة منها إلى العمل في معظم الولايات. وأوضح أن الخدمات الصحية في ولاية الخرطوم استعيدت بنسبة 86 في المائة، وتشمل مراكز الرعاية الصحية الأساسية والمستشفيات. وأشار الوزير إلى أن وزارته بدأت في استعادة الخدمات المرجعية والتخصصية داخل ولاية الخرطوم، مؤكداً أن الوضع الصحي في البلاد يسير نحو التحسن، استناداً إلى الجولات الميدانية والتقارير المتعلقة بالأوبئة والأمراض.

وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم يتحدث للمحرر (الشرق الأوسط)

وأضاف أن معظم الأوبئة التي كانت تشكل مصدر قلق كبير، وعلى رأسها الكوليرا، تراجعت بصورة واضحة، موضحاً أن عدد الحالات المسجلة خلال ثلاثة أسابيع لم يتجاوز ثماني حالات في ولاية واحدة. وتوقع وصول ولاية شمال كردفان إلى صفر إصابات، وعدم تسجيل أي حالات في بقية ولايات البلاد.

وأكد الوزير كذلك تراجع حالات الإصابة بالحمى بشكل كبير، محذراً في الوقت ذاته من التحديات الصحية المتوقعة مع اقتراب فصل الخريف، الذي يتطلب تنفيذ حملات واسعة لتجفيف مصادر المياه وإزالة بؤر تكاثر البعوض.

وأشار إلى التنسيق مع المنظمات الدولية للتوسع في حملات التحصين ضد الأمراض المرتبطة بالموسم، مثل الحصبة التي ظهرت مؤخراً في بعض ولايات إقليم دارفور، موضحاً أن نسبة التغطية ارتفعت من 40 في المائة في العام الأول للحرب إلى 72 في المائة في العام الحالي.

مرافق خارج الخدمة

بدوره، قال مدير عام وزارة الصحة في ولاية الخرطوم، فتح الرحمن محمد الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المرافق الصحية في الولاية تعرضت لدمار كبير. وأوضح أنه من أصل 56 مستشفى كانت تعمل قبل الحرب، لا يعمل حالياً سوى 40 مستشفى فقط. وأضاف أن نسبة التأهيل في بعض المستشفيات تتراوح بين 30 و40 في المائة، مشيراً إلى أن خمسة مستشفيات قيد الإعداد ستعود إلى الخدمة خلال أيام قليلة، فيما تخضع ثلاثة مستشفيات أخرى لأعمال صيانة وإعادة تأهيل.

مدير عام وزارة الصحة في الخرطوم فتح الرحمن محمد الأمين (الشرق الأوسط)

وأوضح أن ولاية الخرطوم كانت تضم 280 مركزاً صحياً قبل الحرب، عاد للعمل منها 245 مركزاً، فيما لا يزال نحو 30 مركزاً خارج الخدمة لأسباب تتعلق بالسلامة. وتوقع أن تكتمل عمليات التأهيل خلال شهر أو شهرين، بعد تزويد المراكز بالمعدات اللازمة وإصلاح البنية التحتية.

وأشار الأمين إلى تحديات كبيرة تواجه القطاع الصحي، أبرزها تصريف المياه الراكدة داخل المنازل وإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، التي تسهم في تكاثر البعوض وزيادة خطر تفشي الأوبئة. واعتبر أن المنازل الخالية تشكل خطراً صحياً حقيقياً، مؤكداً أن جهود مكافحة النواقل لن تكون كافية دون معالجة هذه المشكلة. وختم بالقول إن السلطات الصحية تراقب الوضع الوبائي بشكل مستمر، مع تسجيل حالات مرتبطة بالمواسم، خصوصاً مرض الملاريا، محذراً من تفاقمها بسبب خلو عدد كبير من المنازل، لكنه أكد أن الخسائر الصحية يمكن تقليلها بنسبة تصل إلى 95 في المائة في حال تنفيذ التدخلات الوقائية المطلوبة.