انتظار مزدحم بالمرويّات والمحكيّات في جملة سردية واحدة

«المدعو إلى مساء السيدة» لعلي بدر

انتظار مزدحم بالمرويّات والمحكيّات في جملة سردية واحدة
TT

انتظار مزدحم بالمرويّات والمحكيّات في جملة سردية واحدة

انتظار مزدحم بالمرويّات والمحكيّات في جملة سردية واحدة

رواية «المدعو إلى مساء السيدة» للروائي علي بدر، رواية عن الانتظار. وهي تذكّرنا بمسرحية صموئيل بيكيت «في انتظار غودو» Waiting for Godot التي تعدّ علامة مهمة في تجربة مسرح اللامعقول أو العبث.
فمثلما كان بطلا بيكيت (فلاديمير وأستراغون) ينتظران وصول (غودو)، كذلك نجد بطل الرواية وراويها، وهو كاتب يصف نفسه بأنه عراقي - بلجيكي يجلس في حانة في مساء شتوي بانتظار السيدة التي وُجهت إليه دعوة للعشاء على طاولتها ذلك المساء. ومثلما لا يحضر (غودو)، كذلك لا تحضر السيدة إلى موعدها. وإذا ما أحس بطلا (بيكيت) بالإحباط لعدم حضور (غودو)، ربما لأنه يمثل لهما نوعاً من المخلّص أو الأمل المنتظر، فإن بطل علي بدر، يستثمر هذا الانتظار للدخول في حوارات فكرية وثقافية وسياسية مع جليسيه (هالي) و(جان بيير)، دون أي إحساس حقيقي بالإحباط أو الإخفاق والملل، بل نجده يستمتع إلى درجة كبيرة في جلسته تلك وهو يخوض حوارات ساخنة مع رفيقيه. ونكتشف لاحقاً أن الراوي هو كاتب وصحافي، وربما منشغل بإعداد جورنال يوم واحد كما أشار العنوان الفرعي للرواية، وتكمن أهمية «جورنال» في أنه يمثل عتبة نصية دالة، ومع تعدد دلالات مصطلح (جورنال) Journal فهو يشير أساساً إلى الصحيفة أو الدورية، لكنه هنا يشير إلى دفتر مذكرات أو يوميات يحرص فيه كاتبه على أن يدوّن ما شاهده أو عايشه في ذلك اليوم. إذ يقول البطل، وهو الراوي الرئيسي في الرواية، في نهاية الرواية، بعد أن عاد إلى الفندق جلس في حجرته وحيداً، بعد أخلفت السيدة موعدها:
«فتحت حقيبتي، وأخرجت الجورنال، كتبت باختصار بعض ما دار من حديث بيننا، كنت في انتظارها، في انتظار السيدة، ثم شيئاً فشيئاً انغمستُ في الأحاديث والذكريات»، (ص 197).
وهكذا وجدنا الراوي مستمتعاً بتلك الجلسة على الرغم من عدم مجيء السيدة:
«انتهت سهرتنا بالضحك والتسلية والمتعة... قلت لهم يا رفاق هكذا انتهى مساء السيدة»، (ص 197).
وكما لاحظنا لم يكن الانتظار عبثياً أو مملاً مثلما كان في مسرحية صموئيل بيكيت «في انتظار غودو»، بل كان مزدحماً بالأحاديث والمرويات المتنوعة، التي أضفت على الجلسة الكثير من المتعة والحيوية.
ونجد في خاتمة الرواية إشارة إلى الزمن السردي، إذ يقول البطل لرفيقيه بعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة من الليل إن جلستهم قد انتهت، ومعها انتهى مساء السيدة. وهذا يعني أن الزمن السردي لم يكن يوماً كاملاً، بل كان جزءاً يسيراً منه، يبدأ منذ المساء وينتهي عند منتصف الليل، وتحديداً في تمام الساعة الثانية عشرة. فالزمن السردي الحقيقي للرواية لا يعدو أن يكون بضع ساعات، ربما لا تزيد على ست ساعات، احتشدت فيها كل هذه المرويات والأفكار، مما جعلها رواية محتدمة ومتماسكة وتحتاج إلى قارئ صبور يقرأها بوصفها جملة سردية أو فقرة واحدة، ذلك أنها لا تنطوي على فصول أو فقرات طباعية كما جرت العادة في الروايات الاعتيادية، بل فقرة Paragraph واحدة متصلة، وبنفس سردي واحد.
لقد احتشدت الرواية بحكايات وقصص وأسرار كشفتها حوارات الراوي المركزي مع رفيقيه. وفي الحقيقة، فإن المتحدث الأساسي في تلك الجلسات كان بطل الرواية وراويها المركزي، وكانت النقلات بين المرويات والحكايات تبرَّر من خلال ذهاب البطل إلى الحمام وعودته، حيث نجد أن رفيقيه قد انتقلا بالحوار إلى موضوع جديد، حيث يتناول بدوره بالتفصيل كل ما يتعلق بهذا الموضوع الجديد، ليتحول في النهاية إلى السارد المهيمن في الرواية، حيث يتناول بالتحليل والتدقيق الكثير من المرويات والحكايات والقصص المهمة آنذاك ومنها إشارات لرحلات ماركو بولو إلى الصين ولقائه قبلاي خان، كما تناول الراوي ورفيقاه أهمية معدن الذهب في التاريخ، وسبب تعلق الناس به، وجرى تشريح لوقائع الثورة الفرنسية ومقاصلها، وكيف أنها أكلت رجالها، وتوقف المتحدثون عند التجربة السوفياتية، عبر مراحل مختلفة، وبشكل خاص في الفترة الستالينية، التي اتسمت بالعنف، حتى سقوطها، ومجيء يلتسين وبوتين وصعود عصابات المافيا، والحنين اللاحق للفترة السوفياتية ورموزها المعروفة. وتناولت الرواية موضوعات طريفة ومتنوعة منها قضية الأزياء والموضة والتدخين والعطور، كما جرى التطرق للحديث عن الروائي التشيكوسلوفاكي ميلان كونديرا، والقاصة الفرنسية الشابة فرنسوا ساغان، والناقد بول دي مان، فضلاً عن الشاعر ت. س. إليوت وقصيدته «الأرض الخراب»، وما أثارته من حوارات خلافية، وعلاقتها بمشكلاته الزوجية، وهو موضوع سبق للروائي أن نشره على الإنترنت في أحد المواقع.
ولا يمكن أن نهمل وجود شخصية السيدة التي لم تحضر، والتي كانت دائماً حاضرة في غيابها في أحاديث الراوي وجليسيه. حيث إن الرواية تُستهل بفكرة انتظارها:
«كنت مدعواً إلى طاولة السيدة. المساء قد هبط مبكراً... ستأتي لتغمر موائدنا بالترف، ستأتي مهما حدث»، (ص 5).
كما تُختتم الرواية بالإشارة إليها عندما يخبر الراوي جليسيه بانتهاء جلستهم المسائية، بعد أن أخلفت السيدة موعدها:
«تجاوزت عقارب الساعة الثانية عشرة في الليل، ولم تأتِ التي وعدت. قلت لهم: يا رفاق، هكذا انتهى مساء السيدة»، (ص 197).
ونكتشف أن هذه السيدة فرنسية متخصصة بالاتجاهات السياسية في منطقة البلقان، وتعمل على بحث يتلخص بالتشابه بين منطقتي البلقان والمشرق العربي، اللتين كانتا، في زمن ما، تحت سيطرة الدولة العثمانية. وربما هذا هو سبب اهتمام بطل الرواية بلقاء السيدة التي دعته إلى تلك الجلسة، ربما لأنه يفكر مثلها في فحص هذا التشابه، من أجل مزيد من الفهم للمشرق العربي ومشكلاته السياسية والاجتماعية. وربما يشكّل المكان المتمثل بالبار الآيرلندي أهمية خاصة في الرواية، لأنه جزء من البلقان. والبار، الذي أصبح بمثابة الإطارية للرواية (Frame Structure) يحمل اسم البار الآيرلندي «آيرش بار»، (ص 13)، وهو يقع في مدينة سكوبيا، عاصمة البلقان الشمالية، وتحديداً في الساحة المقابلة لتمثال الإسكندر المقدوني.
وقد يُخيَّل للقارئ، لأول وهلة، أن الروائي يمارس الكثير من المكر، لأنه يدرج ضمن سرده الروائي سلسلة لا تنتهي من الموضوعات والمرويات التي يمكن حذف الكثير منها، كما يمكن إضافة قصص وأحداث مماثلة لها. لكني أرى أن المؤلف علي بدر كان موفَّقاً ومقنعاً في إدارة ورسم عالمه الروائي لإقناع قارئه بمشروعية أهدافه ومناوراته السردية، التي تقتضيها عملية بناء رواية محتشدة وضاجّة بالحياة والحركة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.


قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.