تشديد فرنسي ـ ألماني على «تقديم أي دعم ضروري» لأوكرانيا

ماكرون وشولتس يؤكدان «الدور المحرك» لبلديهما في أوروبا

ماكرون وشولتس خلال جلسة المباحثات الموسعة لوفدي البلدين في «الإليزيه» أمس (أ.ف.ب)
ماكرون وشولتس خلال جلسة المباحثات الموسعة لوفدي البلدين في «الإليزيه» أمس (أ.ف.ب)
TT

تشديد فرنسي ـ ألماني على «تقديم أي دعم ضروري» لأوكرانيا

ماكرون وشولتس خلال جلسة المباحثات الموسعة لوفدي البلدين في «الإليزيه» أمس (أ.ف.ب)
ماكرون وشولتس خلال جلسة المباحثات الموسعة لوفدي البلدين في «الإليزيه» أمس (أ.ف.ب)

حاول المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الأحد، طي صفحة خلافاتهما، وأعلنا في باريس وحدة «المحرك» الفرنسي - الألماني ليصبح «رائداً في إعادة تأسيس أوروبا»، بينما أكد شولتس أن البلدين سيواصلان تقديم «أي دعم ضروري» إلى أوكرانيا.
وبينما تجد القارة العجوز نفسها غارقة من جديد في الحرب منذ 11 شهراً، وبمناسبة الذكرى الستين لتوقيع معاهدة المصالحة بين البلدين، أكد الرئيس الفرنسي أن هذا «الثنائي» سيقوم «باختيار المستقبل» كما «فعل عند كل نقطة تحول في البناء الأوروبي».
وقال ماكرون في كلمة ألقاها بهذه المناسبة في جامعة السوربون، إن «ألمانيا وفرنسا؛ لأنهما مهدتا الطريق إلى المصالحة، يجب أن تصبحا رائدتين في إعادة تأسيس أوروبا»؛ واصفاً الجارين بأنهما «روحان في صدر واحد». وأشار المستشار الألماني، من جانبه، إلى أن «المستقبل، كما الماضي، يعتمد على تعاون بلدينا كمحرك لأوروبا موحدة» قادر على تجاوز «خلافاتهما»، متحدثاً عن «الثنائي الشقيق». ووصف «المحرك الفرنسي- الألماني» بأنه «آلية تسوية تعمل بهدوء»، و«ليس بعبارات الإطراء»، كما تعمل من خلال «الإرادة القوية التي تسمح بتحويل الخلافات والمصالح المتباينة إلى عمل متقارب»، ثم عقد الزعيمان اجتماعاً لمجلس الوزراء الفرنسي الألماني في «الإليزيه».
- طي صفحة الخلافات
يذكر أنه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تعين تأجيل هذا الاجتماع السنوي، بسبب وجود خلافات حول سلسلة من القضايا الرئيسية، من الطاقة إلى الدفاع، والتي ظهرت في أعقاب الحرب التي شنتها روسيا في أوكرانيا. وبالتالي تتجه الأنظار نحو هذا الاجتماع بين زعيمي أقوى دولتين في الاتحاد الأوروبي للكشف عن مدى اتفاقهما، على الرغم من اختلاف مزاجهما الشخصي الذي ينعكس على علاقة البلدين.
ويطفو سوء التفاهم بينهما منذ أن خلف أولاف شولتس أنجيلا ميركل في نهاية عام 2021، فكل منهما مستاء من المبادرات التي اتخذها الآخر من دون استشارة مسبقة.
ويعد تاريخ الاجتماع رمزياً للغاية، ذلك أنه يوافق مرور ستين عاماً على توقيع «معاهدة الإليزيه» من قبل شارل ديغول وكونراد أديناور، وهذا «العمل التأسيسي» لـ«المصالحة» بين البلدين «اللذين كانا ألد عدوين»، حيث «قررا أن يصبحا الحليفين المقربين»، على قول ماكرون.
وأكد أولاف شولتس وإيمانويل ماكرون بصوت واحد، أن الهدف هو «سيادة» أوروبا من خلال زيادة الاستثمار في الدفاع والصناعة. ومن المتوقع أن يناقش الزعيمان ما إذا كانا سيرسلان دبابات ثقيلة إلى كييف، في الوقت الذي يزداد فيه الضغط على برلين، لتسليم دبابات «ليوبارد» إلى الجيش الأوكراني.
في جامعة السوربون، اكتفى شولتس بتأكيد أن فرنسا وألمانيا ستواصلان «تقديم كل الدعم الذي تحتاج إليه أوكرانيا ما دام ذلك ضرورياً»؛ قائلاً إن «إمبريالية فلاديمير بوتين لن تنتصر!».
وتزداد المطالبات في باريس بأن تكون فرنسا «قدوة»، بإرسال «عدد محدود من دبابات (لوكلير) لخلق دينامية». وتحذر فرنسا من «تراجع التصنيع» ما لم يستجب الاتحاد الأوروبي بقوة وبتمويل كبير للخطة الأميركية الضخمة لدعم الطاقات المتجددة، عبر قانون خفض التضخم. ويأمل الرئيس الفرنسي بذلك في كسب المستشار. وقال الأخير في كلمته إنه «يشارك» ماكرون «الأهداف» الرامية للقيام بـ«الاستثمارات» اللازمة لتصبح القارة العجوز «قطباً عالمياً لتقنيات المستقبل» وأول طرف «محايد مناخياً» في العالم.
كما يتعين على الجارتين السعي للتوصل إلى اتفاق على إصلاحات أوروبية، للحد من ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة خصوصاً بالحرب في أوكرانيا، ووضع مشروعات مشتركة تتعلق بالابتكار. كما سيتم إطلاق تذكرة قطار مخصصة لتشجيع الشباب على السفر بين البلدين.
وإلى جانب الحكومتين، اجتمعت وفود برلمانية من البلدين في باريس. وزارت رئيسة «الجمعية الوطنية» يائيل براون بيفيه، ونظيرتها في «البوندستاغ» باربل باس، ضريح سيمون فيل، في البانثيون، وأشادتا بهذه المرأة «الأوروبية العظيمة» مشيرتين إلى أنهما تريدان حمل شعلتها.
وتعهد المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الأحد، أن يدعم بلداهما أوكرانيا «ما دام ذلك ضرورياً»، وبشكل «ثابت» ضد العدوان الروسي.
وقال شولتس خلال احتفال في السوربون، في الذكرى الستين لتوقيع معاهدة المصالحة بين ألمانيا وفرنسا: «سنواصل تقديم كل الدعم الذي تحتاج إليه أوكرانيا ما دام ذلك ضرورياً». وأضاف شولتس: «معاً، بوصفنا أوروبيين، بهدف الدفاع عن مشروعنا للسلام الأوروبي».
وأكد ماكرون من جانبه تقديم «الدعم الثابت» من جانب البلدين إلى الشعب الأوكراني «في جميع المجالات». وأضاف: «بعد 24 فبراير (شباط)، لم ينقسم اتحادنا ولم يتنصل من مسؤولياته».
والاحتفال الذي جرى في جامعة السوربون يهدف إلى إظهار الوحدة المستعادة بين البلدين، بعد أن توترت علاقتهما في الأشهر الأخيرة، بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا. وأعلن المستشار الألماني أن «المستقبل، كما الماضي، يعتمد على تعاون بلدينا كمحرك لأوروبا موحدة»، واصفاً «المحرك الفرنسي- الألماني» بأنه «آلية تسوية» تسمح بـ«تحويل الخلافات والمصالح المتباينة إلى عمل متقارب».
- وزير الدفاع الألماني الجديد إلى كييف
في غضون ذلك، أفاد وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس، بأنه يعتزم زيارة أوكرانيا قريباً، في الوقت الذي تواجه فيه برلين ضغوطاً للسماح بتزويد كييف بدبابات ألمانية الصنع. وقال بيستوريوس لصحيفة «فيلت إم زونتاغ» الألمانية، في مقابلة نُشرت أمس الأحد: «الأمر المؤكد هو أنني سأسافر إلى أوكرانيا بسرعة. ربما حتى خلال الأسابيع الأربعة المقبلة».
ولم تتوصل ألمانيا والحلفاء الغربيون يوم الجمعة إلى قرار بشأن ما إذا كانت ألمانيا ستوافق على إرسال دبابات «ليوبارد 2» إلى أوكرانيا، أو تسمح للدول الأخرى التي تملك هذه الدبابات بالقيام بذلك، على الرغم من مناشدات أوكرانيا تزويدها بدبابات حديثة لتعزيز جهودها الدفاعية.
ورداً على سؤال حول الدبابات، قال بيستوريوس الذي أصبح وزيراً للدفاع الأسبوع الماضي: «نجري حواراً دقيقاً للغاية مع شركائنا الدوليين، أولاً وقبل كل شيء مع الولايات المتحدة، بشأن هذه المسألة».
وقالت مصادر ألمانية إنها ستسمح بإرسال دبابات ألمانية الصنع إلى أوكرانيا، للمساعدة في دفاعها ضد روسيا، إذا وافقت الولايات المتحدة على إرسال دبابات من عندها. ولكن مسؤولين أميركيين قالوا إن إدارة الرئيس جو بايدن ليست مستعدة لإرسال دباباتها، بما في ذلك دبابات «إم 1 أبرامز».
- بولندا تنتقد الموقف الألماني
في سياق متصل، اعتبر رئيس الوزراء البولندي، أمس الأحد، أن رفض برلين تزويد كييف بدبابات ثقيلة طراز «ليوبارد» هو أمر «غير مقبول»، الأمر الذي تطالب به أوكرانيا لصد الهجوم الروسي. وقال ماتيوس مورافيسكي لوكالة الأنباء البولندية، إن «موقف ألمانيا غير مقبول. لقد مر ما يقرب من عام على بدء الحرب. يموت أبرياء كل يوم. القنابل الروسية تدمر المدن الأوكرانية. تتم مهاجمة المدنيين وقتل النساء والأطفال». وتأتي تصريحاته بعد يومين من اجتماع شاركت فيه نحو خمسين دولة في قاعدة رامشتاين الجوية الأميركية، بهدف اتخاذ قرار حول تقديم مساعدة عسكرية إضافية إلى كييف.
وأعلن حلفاء أوكرانيا خلال الاجتماع تسليم كميات كبيرة من الأسلحة إلى كييف؛ لكنهم فشلوا في الاتفاق على تسليمها دبابات ثقيلة، على الرغم من مطالباتها المتكررة. وأضاف رئيس الوزراء البولندي أنه ينتظر «إعلانا واضحاً» من برلين، يسمح بتسليم دبابات «ليوبارد» الألمانية الصنع من الدول التي تمتلكها. وأشارت بولندا التي أعلنت استعدادها لتسليم كييف 14 دبابة من هذا الطراز، إلى أنها تجري مناقشات مع نحو 15 دولة بهذا الصدد. وأكد مورافيسكي أنه في حال رفضت برلين تزويد كييف بالدبابات «فسنشكل تحالفاً صغيراً من البلدان المستعدة لمنح بعض معداتها الحديثة ودباباتها الحديثة لأوكرانيا التي تواجه أزمة».
والسبت، حث وزراء خارجية دول البلطيق الثلاث برلين على «تزويد أوكرانيا بدبابات (ليوبارد) الآن»، لافتين إلى «المسؤولية الخاصة» لألمانيا «أول قوة أوروبية». وقال وزير خارجية إستونيا على «تويتر»: «نحن وزراء خارجية إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ندعو ألمانيا لتزويد أوكرانيا الآن بدبابات (ليوبارد). هذا ضروري لوقف العدوان الروسي، ومساعدة أوكرانيا، وإعادة السلام إلى أوروبا بسرعة. ألمانيا عليها مسؤولية خاصة في هذا الصدد، باعتبارها القوة الأوروبية الرائدة».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.