توتر متصاعد بين بوركينا فاسو وفرنسا يعزز «الدور الروسي»

باريس تتأهب لانسحاب عسكري جديد من غرب أفريقيا

الكابتن إبراهيم تراوريه زعيم الانقلابيين في بوركينا فاسو بصورة تعود إلى 15 أكتوبر 2022 (أ.ب)
الكابتن إبراهيم تراوريه زعيم الانقلابيين في بوركينا فاسو بصورة تعود إلى 15 أكتوبر 2022 (أ.ب)
TT

توتر متصاعد بين بوركينا فاسو وفرنسا يعزز «الدور الروسي»

الكابتن إبراهيم تراوريه زعيم الانقلابيين في بوركينا فاسو بصورة تعود إلى 15 أكتوبر 2022 (أ.ب)
الكابتن إبراهيم تراوريه زعيم الانقلابيين في بوركينا فاسو بصورة تعود إلى 15 أكتوبر 2022 (أ.ب)

عزز توتر متصاعد بين فرنسا والمجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو، دوراً روسياً متنامياً، في المستعمرة الفرنسية السابقة (غرب أفريقيا)، خاصةً بعد أن أمهلت السلطات الجيش الفرنسي «شهراً واحداً» لمغادرة البلاد. وهو ما عده مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فرصة لانقضاض روسي يملأ «الفراغ الفرنسي» في بوركينا سياسياً وعسكرياً، على غرار جارتها مالي.
وتدهورت العلاقات بين باريس وواغادوغو منذ الانقلاب العسكري، في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو الثاني في ثمانية أشهر، والذي مكن القائد إبراهيم تراوري من تولي منصب الرئيس الانتقالي للبلاد.
ويوم الأربعاء الماضي، علقت السلطات الحاكمة في بوركينا فاسو الاتفاق الذي ينظم منذ 2018 وجود القوات المسلحة الفرنسية على أراضيها. ووفق مصادر محلية فإن السلطات منحت الجيش الفرنسي مهلة شهر واحد لمغادرة البلاد، بموجب البنود المنظمة لحل الاتفاق.
وتواجه فرنسا القوة الاستعمارية السابقة غضبا سياسيا وشعبيا في بوركينا فاسو منذ أشهر عدة. وخرجت تظاهرات عدة كان آخرها الجمعة الماضي في واغادوغو للمطالبة بانسحاب فرنسا من هذا البلد الساحلي الذي يستضيف كتيبة من قرابة 400 فرد من القوات الخاصة الفرنسية. والثلاثاء الماضي قال الرئيس تراوري، أمام مجموعة من الطلاب إن «الكفاح من أجل السيادة قد بدأ».
ولا يعتبر الباحث السوداني المتخصص في الشأن الأفريقي محمد تورشين، الخطوة بالمفاجأة، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر متوقع منذ فترة، بل إن البعض يرى تأخرا في مغادرة القوات الفرنسية بوركينا فاسو».
وأضاف: «تقليص الدور الفرنسي كان مخططا منذ حكم بول هنري داميبا الذي استولى على السلطة في انقلاب سابق في يناير (كانون الثاني) 2022، لكنه أجل القرار، حتى أطاح به تراوري، والذي يسعى بدوره إلى بناء جبهة داخلية قوية تعزز وجوده وشعبيته داخلياً في مواجهة تحديات اقتصادية وسياسية».
ولفت الخبير السياسي إلى «دور روسي» وراء هذه الخطوة، خاصةً أن القرار جاء في أعقاب زيارة أجراها تراوري إلى مالي، التي شهدت انسحابا فرنسيا عسكرياً أخيراً، وربما وجد أن «الشراكة القوية بين روسيا ومالي باتت أكثر نفعا من فرنسا»، على حد قوله متوقعا «تحركات ومواقف تدعم هذا التوجه»» في الفترة المقبلة.
وتواجه فرنسا، الحليف التقليدي لدول الساحل الناطقة بالفرنسية، ضغوطا متزايدة من منتقدين يتهمونها بممارسة استعمار جديد ويطالبون بعلاقات أوثق مع موسكو.
واعتبر رئيس الوزراء في بوركينا فاسو أبولينير يواكيمكييليم دو تامبيلا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أن «بعض الشركاء» الدوليين لبلده «لم يكونوا أوفياء دائما» في مكافحة الجماعات المتشددة. وقال من دون أن يسمي دولا محددة «كيف نفسر أن الإرهاب يفسد بلادنا منذ العام 2015 في جو من اللامبالاة، إن لم يكن بتواطؤ بعض من يسمون أنفسهم شركاءنا؟ ألم نكن حتى الآن ساذجين جدا في علاقاتنا مع شركائنا؟ لا شك في ذلك».
وصرح رئيس الوزراء السبت في أعقاب لقائه السفير الروسي أليكسي سالتيكوف بأن «روسيا هي خيار عاقل في هذه الدينامية» و«نعتقد أن شراكتنا يجب أن تتعزز».
وفي انقلاب الثلاثين من سبتمبر الذي جاء بإبراهيم تراوري إلى السلطة، استهدفت تظاهرات غاضبة السفارة الفرنسية في واغادوغو رفع خلالها بعض المتظاهرين أعلاما روسية. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي أمرت السلطات العسكرية بتعليق بث إذاعة فرنسا الدولية واتهمتها بنقل «رسالة ترهيب» منسوبة إلى «زعيم إرهابي».
وقالت وزارة الخارجية الفرنسية مؤخراً إنها تلقت رسالة من السلطات العسكرية تطلب تغيير السفير لوك هالاد الذي أثار الاستياء إثر تقارير عن تدهور الوضع الأمني في بوركينا فاسو.
وتعتقد الدكتورة غادة فؤاد، مديرة المركز الأفريقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، أن الانسحاب العسكري الفرنسي المتوقع من بوركينا، يصب في مصلحة روسيا، التي تستغل التوتر الحاصل بين فرنسا ومستعمراتها السابقة في أفريقيا.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أرجعت الخبيرة في الشأن الأفريقي، هذا التوتر إلى عاملين رئيسيين، أولهما عدم إحساس القيادات الأفريقية بالعائد الاقتصادي والسياسي والأمني للتواجد الفرنسي في بلدانهم، خاصةً مع تزايد قوة ونفوذ الجماعات الإرهابية في المنطقة، وعدم وجود مردود إيجابي للشراكات الاقتصادية مع باريس.
وترزح بوركينا فاسو، إحدى أفقر الدول في أفريقيا وأكثرها اضطرابا، تحت وطأة تمرد متشدد اجتاحها من مالي المجاورة في 2015. وقتل الآلاف وفر حوالي مليوني شخص من منازلهم ما تسبب في أزمة أمنية وإنسانية كانت العام الماضي سببا في انقلابين. وأكثر من ثلث مساحة البلاد خارج سيطرة الدولة.
العامل الثاني، كما تشير فؤاد، يتعلق بدور روسيا التي عملت أخيرا على توطيد علاقتها بشكل واسع مع دول غرب أفريقيا، في ظل توجه عام بتقليل الاعتماد على فرنسا.
وتحذو بوركينا فاسو حذو جارتها مالي، حيث اضطرت باريس الصيف الماضي إلى سحب قوتها العسكرية المسماة «برخان» المرابطة في هذا البلد منذ عام 2014؛ لغرض المساعدة في محاربة واحتواء التنظيمات الإرهابية بعد أن تدهورت علاقاتها مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو، ووصول عناصر من ميليشيات «فاغنر» الروسية إلى هذا البلد.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتهم الرئيس الغاني نانا أكوفوادو، بوركينا فاسو بـ«التوصل إلى ترتيبات لتوظيف مجموعة (فاغنر) الروسية شبه العسكرية، على غرار ما فعلته دولة مالي».


مقالات ذات صلة

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

العالم «مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

بدأت بوركينا فاسو التحقيق في «مذبحة» وقعت في قرية الكرمة شمال البلاد، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، على أيدي مسلحين يرتدون زي القوات المسلحة البوركينابية. وقُتل نحو 136 شخصاً في الهجوم، الذي وقع في 20 أبريل (نيسان) واتَّهم فيه مواطنون قوات الجيش بالمسؤولية عنه، لكنّ مسؤولين قالوا إن «مرتكبي المذبحة إرهابيون ارتدوا ملابس العسكريين»، في حين ندّدت الحكومة بالهجوم على القرية، في بيان صدر في 27 أبريل، دون ذكر تفاصيل عن الضحايا، قائلة إنها «تواكب عن كثب سير التحقيق الذي فتحه المدعي العام للمحكمة العليا في واهيغويا، لامين كابوري، من أجل توضيح الحقائق واستدعاء جميع الأشخاص المعنيين»

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

أعلن الجيش في بوركينا فاسو أن 33 من جنوده قتلوا في هجوم نفذته مجموعة إرهابية على موقع عسكري، يقع في شرق البلاد، وذلك في آخر تطورات الحرب الدائرة على الإرهاب بهذا البلد الأفريقي الذي يعاني من انعدام الأمن منذ 2015. وقال الجيش في بيان صحافي إن مجموعة من المسلحين هاجمت فجر الخميس موقعاً عسكرياً في منطقة أوجارو، شرق البلاد، على الحدود مع دولة النيجر، وحاصروا وحدة من الجيش كانت تتمركز في الموقع، لتقع اشتباكات عنيفة بين الطرفين. وأعلن الجيش أن الحصيلة تشير إلى مقتل 33 جندياً وإصابة 12 آخرين، لكنهم في المقابل قتلوا ما لا يقلُّ عن 40 من عناصر المجموعة الإرهابية التي ظلت تحاصرهم حتى وصلت تعزيزات فكت عن

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الجماعات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، والتي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، بحسب مصدر قضائي، الاثنين، ذكر لوكالة «الصحافة الفرنسية»، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن «الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما في شمال إقليم ياتنغا»، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع ا

العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الهجمات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، التي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالاها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، حسب مصدر قضائي (الاثنين) ذكر لوكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما شمال إقليم ياتنغا، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع المتنوعة خ

أفريقيا مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

قال مسؤول من بلدة أواهيجويا في بوركينا فاسو، أمس الأحد، نقلاً عن معلومات من الشرطة إن نحو 60 مدنياً قُتلوا، يوم الجمعة، في شمال البلاد على أيدي أشخاص يرتدون زي القوات المسلحة البوركينية. وأضاف المدعي العام المحلي لامين كابوري أن تحقيقاً بدأ بعد الهجوم على قرية الكرمة في إقليم ياتنجا في المناطق الحدودية قرب مالي وهي منطقة اجتاحتها جماعات إسلامية مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش» وتشن هجمات متكررة منذ سنوات. ولم يذكر البيان مزيداً من التفاصيل بشأن الهجوم، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مارس (آذار) أن هجمات الجماعات المسلحة على المدنيين تصاعدت منذ عام 2022 ب

«الشرق الأوسط» (واغادوغو)

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.


من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
TT

من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تشير استطلاعات الرأي والوقائع السياسية الأخيرة، على جانبي المحيط الأطلسي، والغرب عموماً، إلى ظاهرة سياسية لافتة: فالشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين. ولا يتعلق الأمر دائماً بيمين محافظ تقليدي أو معتدل، بل أحياناً بحركات شعبوية وقومية، بل وبتيارات أكثر راديكالية تشكك في النظام السياسي الليبرالي نفسه.

في الولايات المتحدة، كان الشباب تاريخياً أكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في طلائع الجيل «زد» (Z) وقبله الجيل «واي» (Y)، أو «جيل الألفية»؛ فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ييل في عام 2025، فرقاً واضحاً بين الفئات الشبابية؛ فمن هم بين 22 و29 عاماً غالبيتهم ديمقراطية، بينما الأصغر سناً، بين 18 و21 عاماً، أكثرهم جمهوريون.

طلاب وطالبات في جامعة نورث كارولاينا الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وهنا تبرز مفارقة مهمة: الجيلان «واي» و«زد» ليسا كتلة سياسية واحدة؛ فهناك فرق واضح بين أفرادهما الأكبر سناً والأصغر سناً، كما أن الفجوة بين الرجال والنساء داخل الجيلين تتسع بشكل ملحوظ.

* لماذا يتحرك بعض الشباب نحو اليمين؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فالتجارب التي عاشها الشباب خلال سنوات تكوينهم السياسي تختلف بحسب العمر والبلد والبيئة الاجتماعية.

بالنسبة إلى الأصغر سناً من الجيلين المذكورين، كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير خاص؛ فقد أمضى كُثرٌ منهم سنوات المراهقة في ظل الإغلاق والعزلة والقيود الحكومية، وهي تجربة ربما أثرت في نظرتهم إلى السلطة والمؤسسات. وفيما تأثر الأكبر سناً من الجيلَين بحركات تقدمية ومنصات مثل «إنستغرام»، نشأ الأصغر وسط انتشار «تيك توك»، الذي أصبح مساحة أكثر تقبّلاً للأصوات اليمينية والشعبوية.

ويشير بعض المحللين إلى تأثير صناع المحتوى الناشطين على المنصات المختلفة في مجالات مثل اللياقة البدنية، والتنمية الذاتية، وإدارة الأموال، في تشكيل وعي سياسي يميل نحو الفردية والاعتماد على الذات بدلاً من دولة الرفاه.

والواقع أن المسألة لا تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالشباب الذين يشعرون بأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن قد يصبحون مشككين في النظام الذي يرونه مسؤولاً عن هذه النتائج. وإذا نظرنا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، والقلق بشأن الوظائف والمستقبل، والهجرة والهوية الوطنية، فهي كلها قضايا شائكة يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل سياسية أكثر حدة.

رئيس حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي جوردان بارديللا مع زعيمة الحزب مارين لوبن في لييفان بشمال فرنسا (أ.ف.ب)

* أوروبا: جيل جديد يكتشف اليمين

تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً في أجزاء من أوروبا، حيث حققت الأحزاب اليمينية والشعبوية تقدماً بين الشباب.

وفرنسا مثال بارز؛ فقد نجح حزب «التجمع الوطني»، بقيادة جوردان بارديلا (30 عاماً)، في جذب أعداد كبيرة من الشباب. ولا شك في أن بارديلا نفسه يمثل جزءاً من استراتيجية فعّالة؛ فهو شاب، حاضر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث إلى جمهور أصغر سناً بلغة مختلفة عن لغة الأحزاب التقليدية. وله ملايين المتابعين على «تيك توك».

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا؛ بل تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا.

ويجب أن يُشار هنا إلى أن الحروب والصراعات الدولية الأخيرة والاستقطاب الجيوسياسي، تؤثر حتماً على إعادة تشكيل مفهوم القومية والأمن لدى الشباب في الغرب.

* الرجل الشاب مقابل المرأة الشابة

وسط ما يحصل، قد يكون العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحول السياسي لا يحدث بالتساوي بين الجنسين. وفي هذا السياق، تشير استطلاعات وتحقيقات متعددة إلى أن نساء جيلَي «الألفية» و«زد» أصبحن أكثر ميلاً إلى الليبرالية والتقدمية، بينما يتحرك الرجال الشباب في الاتجاه المعاكس بدرجات متفاوتة. ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن «يمين الشباب الذكور» بدلاً من «يمين جيل الشباب» بصورة عامة.

وقد تكون هذه الفجوة مرتبطة بقضايا مثل الجندر، والهوية، والذكورة، والعلاقات بين الجنسين، والهجرة، وحرية التعبير. كما أن بعض الشباب الذكور يشعرون بأن الخطاب التقدمي السائد لا يمثلهم، أو أنه ينظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة بدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تواجه مشكلاتها الخاصة وتبحث عن حلول لها.

طلاب في جامعة مونستر الألمانية (د.ب.أ)

وقد أسهمت شبكة الإنترنت في نشوء مجتمعات سياسية بديلة يستطيع فيها هؤلاء الشباب الركون إلى أفكار كتاب ومعلقين ومؤثرين يقدمون لهم تفسيراً مختلفاً للعالم.

* ما «اليمين الجديد»؟

المهم هنا أن اليمين الذي يجذب بعض الشباب ليس بالضرورة نسخة من اليمين القديم.

فاليمين التقليدي كان يركز على صَون المؤسسات والتقاليد والاستقرار. أما ما يسمى أحياناً «اليمين الجديد» أو «اليمين الشاب»، فهو في بعض أوساطه أكثر تمرداً على النظام القائم. ويذهب البعض إلى الدعوة للانقلاب على الوضع الراهن وتغيير قواعد اللعبة جذرياً.

وهذا تحديداً قد يكون أحد أسباب جذب الشباب؛ فالسياسة بالنسبة إلى جيل يشعر بالإحباط يمكن أن تصبح أكثر إثارة عندما تقدم نفسها بوصفها حركة تمرد على النخب والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية والجامعات، بل تذهب إلى حد الإيحاء بأنها تمتلك حلولاً سحرية لمشكلات استعصت على النخب التقليدية اليمينية واليسارية.

وهنا تظهر المفارقة: قد ينجذب بعض الشباب إلى اليمين؛ ليس لأنهم أصبحوا أكثر محافظة، بل لأنهم يرونه أكثر راديكالية واستعداداً لتحدي النظام.

وفي المقابل، يجب ألا نتجاهل أن اليسار نفسه شهد تراجعاً في قدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة لبعض الشباب؛ فقد خفتت جاذبية قضايا مثل المناخ لدى قطاعات من الناخبين مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وفي الوقت نفسه يعاني بعض الحركات اليسارية انقسامات داخلية.

معرض خاص بعروض الوظائف في سيول عاصمة كوريا الجنوبية (رويترز)

* ماذا يريد هذا اليمين الشاب؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد هذا اليمين الشاب فعلاً؟

ليس من الحكمة اختزال الظاهرة في شخص دونالد ترمب أو في معاداة الهجرة؛ فبعض الشباب يريد سياسات اقتصادية مختلفة، وبعضهم يركز على الهوية الوطنية، وبعضهم على القيم الاجتماعية والدينية، بينما يريد آخرون تحدي المؤسسات الديمقراطية نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن جميع هؤلاء الشباب يشتركون في مشروع سياسي واحد؛ فاليمين الشاب ليس حركة متجانسة، وقد تختلف دوافعه وأهدافه من بلد إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن هذا الجيل سيبقى يمينياً إلى الأبد؛ فالاتجاهات السياسية تتغير، والشباب يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر مع تغير ظروفهم.

غير أن هناك أمراً أكثر أهمية من السؤال عمّا إذا كان الجيل الشاب «يمينياً» أم «يسارياً»؛ إذ يبدو أن فئة متزايدة ممن هم دون الثلاثين من العمر فقدت الثقة في قدرة الديمقراطية الليبرالية التقليدية على حل مشكلاتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اليسار واليمين معاً، بل أمام السياسة بوصفها فكراً وعلماً وممارسة منذ أن تحدّث أرسطو عن «شؤون المدن» في كتابه «السياسة» (بوليتيكا)؛ فالشباب لا يحتاجون إلى شعارات سياسية رنّانة، بل إلى أفكار جديدة يمكن مناقشتها واختبارها بحرية. وإذا أرادت الديمقراطية الليبرالية استعادة ثقة جيل جديد، فعليها أن تثبت أن النظام القائم قادر على الإصلاح والتغيير وتقديم مستقبل أفضل.

وقد لا يكون صعود اليمين بين الشباب هو نهاية هيمنة اليسار، بل علامة على بداية مرحلة سياسية جديدة. والسؤال في النهاية ليس: هل يتجه جيل الشباب إلى اليمين؟ بل: لماذا فقد جزء منه إيمانه بالاتجاه الذي سار فيه الجيل السابق؟ وماذا سيبني بدلاً منه؟

اقرأ أيضاً