أي دور ينتظر إريتريا بعد الانسحاب العسكري من «تيغراي»؟

واشنطن اعتبرته «تقدماً كبيراً»... وناشطون شككوا في جديته

صورة تداولها ناشطون إثيوبيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لجنود إريتريين ينسحبون من إقليم تيغراي
صورة تداولها ناشطون إثيوبيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لجنود إريتريين ينسحبون من إقليم تيغراي
TT

أي دور ينتظر إريتريا بعد الانسحاب العسكري من «تيغراي»؟

صورة تداولها ناشطون إثيوبيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لجنود إريتريين ينسحبون من إقليم تيغراي
صورة تداولها ناشطون إثيوبيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لجنود إريتريين ينسحبون من إقليم تيغراي

أثار انسحاب قوات إريترية من مدن بإقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، ردود فعل متباينة؛ فبينما رحبت الولايات المتحدة بهذا الانسحاب، واعتبره وزير خارجيتها أنتوني بلينكن «تقدماً كبيراً»، شكك ناشطون إثيوبيون في جدية انسحاب تلك القوات من جميع مواقعها في الإقليم الذي شهد صراعاً دامياً على مدى عامين، مؤكدين أن الانسحاب «اقتصر فقط على مدن عدة»، وأن «قوات أخرى ستحلّ مكان القوات التي انسحبت خلال اليومين الماضيين».

وذكرت تقارير لوكالة «رويترز» ووكالة الأنباء الفرنسية، نقلاً عن إفادات من مصادر محلية، أن عدداً كبيراً من الجنود الإريتريين غادر منذ يوم (الجمعة) بلدتَين في إقليم «تيغراي» في شمال إثيوبيا، حيث كانوا يدعمون الجيش الإثيوبي منذ عامين في حربه ضد متمرّدي تيغراي.

وبحسب شهادات سكان محليين، غادرت قوات منذ ظهر (الجمعة) بلدتَي شيري وعدوة إلى جهة مجهولة، في حين كان جنود لا يزالون موجودين في البلدتين على مدى اليومين الماضيين، وفق إفادات من ناشطين إثيوبيين.

وانتقد ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي، رفع جنود إريتريين لافتات على العربات التي تقلهم خارج مدن «تيغراي» كُتب عليها عبارة: «انتهت اللعبة»، وعدوا ذلك «نوعاً من الاستهانة» بضحايا الصراع الذي أودى بحياة الآلاف، وتسبب في تشريد ما يزيد على مليوني شخص، في حين أشار ناشطون آخرون إلى أن «قوات إريترية جديدة وصلت إلى تيغراي لتحل محل القوات القديمة». وأفادوا بأن «قوات إريترية جديدة شوهدت تحفر خنادق في بلدتي شاير وأكسوم».

من جانب آخر، رحب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، بانسحاب القوات الإريترية من شمال إثيوبيا. واعتبر في اتصال هاتفي، مساء السبت، مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، هذا الانسحاب «تقدماً كبيراً». وذكر المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، في بيان، أن بلينكن عبّر في الاتصال الهاتفي عن «ترحيبه بهذا التطور»، مشيراً إلى أنه «أساسي لضمان سلام دائم في شمال إثيوبيا». وحثَّ الحكومة الإثيوبية على «السماح بدخول مراقبي حقوق الإنسان الدوليين».

وجدد بلينكن التزام الولايات المتحدة بدعم عملية السلام في إثيوبيا، لكنه أثار أيضاً مخاوف بشأن عدم الاستقرار في إقليم أورومو، وهي منطقة أخرى في هذا البلد يتصاعد فيها صراع آخر.

وأشار إبراهم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية، إلى أن انسحاب القوات الإريترية من إقليم تيغراي «يفتح صفحة جديدة» في العلاقات بين البلدين، لافتاً إلى أن حالة الصراع التي هيمنت على العقود الثلاثة الماضية، «أثرت سلباً على برامج التنمية الشاملة في إريتريا منذ استقلالها عام 1991».

وأوضح إدريس في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الوقت بات سانحاً لتفعيل اتفاق الشراكة بين إريتريا وإثيوبيا الموقّع عام 2018، وهو الاتفاق الذي فتح المجال أمام «تطبيع» العلاقات بين البلدين بعد عقود من التوتر والصراع.

وأشار الباحث في الشؤون الأفريقية، إلى أن التطورات الراهنة «تنبئ بإمكانية تصفير النزاعات الحدودية والسياسية»، وتُحتّم على قيادتي أسمرة وأديس أبابا، السعي إلى إطلاق كل ما كان مؤجلاً من برامج سياسية واقتصادية واجتماعية لتعزيز التعاون بين البلدين، خاصة أن التوتر بين إريتريا و«جبهة تحرير تيغراي»، «كان أحد عوامل النزاع وتعطيل برامج التعاون المشترك».

في المقابل، شكك الدكتور رامي زهدي، الباحث في الشؤون الأفريقية، في واقع انسحاب القوات الإريترية من إقليم تيغراي وحجم هذا الانسحاب، لافتاً إلى أن انسحاب بعض تلك القوات قد يكون ظاهراً على الأرض، إلا أنه «لا يعدو أن يكون انسحاباً تكتيكياً».

وأوضح زهدي لـ«الشرق الأوسط»، أن حجم ما قدمته القوات الإريترية من دعم للحكومة الفيدرالية خلال الصراع في تيغراي، وحجم العداء التاريخي الذي يجمع بين القيادة الإريترية وبين «جبهة تحرير شعب تيغراي»، «يجعل من الصعوبة بمكان التسليم بأن إريتريا ستقبل بانسحاب كامل وتام من هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة لها».

وحول الدور المتوقع المرتقب لإريتريا في أعقاب هذا «الانسحاب التكتيكي»، أفاد زهدي بأن هناك «تطابقاً كاملاً» في المواقف والرؤى بين القيادتين في أسمرة وأديس أبابا، وهذا ما يعزز فرضية أن «إريتريا ستكون لها أدوار مستقبلية في دعم نظام الحكم الحالي في إثيوبيا؛ لأن انهياره يعني عودة الصراع مع إريتريا، وبالتالي فلن يتنازل كل طرف عن علاقته بالطرف الآخر».

وأضاف الباحث في الشؤون الأفريقية، أن استمرار أي دور سواء عسكري أو سياسي لإريتريا، «سيمثل تهديداً لاتفاق السلام في إثيوبيا»، بالنظر إلى التكوين العِرقي في البلاد، وعدم ترحيب قطاعات معتبرة من الشعب الإثيوبي بالوجود الإريتري لأسباب عِرقية وتاريخية.

وبدأت المعارك في تيغراي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عندما أرسل آبي أحمد الجيش الفيدرالي لتوقيف مسؤولي المنطقة، بعدما اتهمهم بشن هجمات على قواعد عسكرية فيدرالية. وقاتلت القوات الإريترية إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية ضد «جبهة تحرير شعب تيغراي».

واتهمت تقارير حقوقية القوات المتصارعة من الجانبين بارتكاب انتهاكات بحق مدنيين، ودعت قوى دولية في مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الحكومة الإثيوبية إلى فتح تحقيقات في تلك الانتهاكات، و«إقرار آلية واضحة للعدالة الانتقالية».

ووقّعت الحكومة الفيدرالية في 2 نوفمبر الماضي بمدينة بريتوريا، بوساطة أفريقية، اتفاقاً مع «جبهة تحرير شعب تيغراي»، لوقف إطلاق النار بين الجانبين. ورغم أن القوات الإريترية لم تكن طرفاً في اتفاق السلام، فإنها اضطرت للانسحاب بموجب شروط ذلك الاتفاق.

وتَعتبِر إريتريا «جبهة تحرير شعب تيغراي»، عدواً لها. وخاضت إريتريا وإثيوبيا حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000، عندما كانت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» مسيطرة على الحكومة الاتحادية.
=======


مقالات ذات صلة

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

العالم العربي الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

تحليل إخباري مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

تصعيد جديد من قِبل رئيس ولاية غوبالاند، أحمد مدوبي مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث «توعد بإقامة انتخابات منفردة» إذا انقضت مهلة تصل لنحو 20 يوماً.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة ومقديشو.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حثّ ثلاثة كرادلة كاثوليك أميركيين إدارة الرئيس دونالد ترمب اليوم (الاثنين) على استخدام بوصلة أخلاقية في متابعة سياستها الخارجية، قائلين إن العمل العسكري الأميركي في فنزويلا، والتهديدات بالاستيلاء على غرينلاند، وخفض المساعدات الخارجية... تهدد بمعاناة واسعة النطاق بدلاً من تعزيز السلام.

ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، ففي بيان مشترك حذر الكرادلة: بليز كوبيتش من شيكاغو، وروبرت ماكلروي من واشنطن، وجوزيف توبين من نيوارك بولاية نيوجيرسي، من أنه دون رؤية أخلاقية فإن النقاش الحالي بشأن سياسة واشنطن الخارجية غارق في «الاستقطاب والحزبية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية الضيقة».

وقال ماكلروي لوكالة «أسوشييتد برس»: «معظم الولايات المتحدة والعالم ينجرفون أخلاقياً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ما زلت أعتقد أن الولايات المتحدة لها تأثير هائل على العالم».

وهذا البيان غير معتاد، وهو البيان الثاني خلال شهرين الذي يتحدث فيه أعضاء التسلسل الهرمي الكاثوليكي في الولايات المتحدة ضد إدارة ترمب التي يعتقد الكثيرون أنها لا تحترم المبادئ الأساسية للكرامة الإنسانية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أدان مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة برمته عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين و«تشويه سمعتهم» في الخطاب العام.


ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت محطة تلفزيون «إن بي سي نيوز»، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض التعليق على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وذلك مع تصاعد التوتر بعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على بعض الدول الأوروبية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت «إن بي سي نيوز» إن ترمب انتقد خلال المقابلة القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه لضم غرينلاند، التي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية.

وقال الرئيس الأميركي: «على أوروبا أن تركّز على الحرب مع روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون ما آلت إليه الأمور. هذا ما يجب أن تركز عليه أوروبا، وليس غرينلاند».

كان ترمب قد أعلن هذا الأسبوع فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على بعض الدول الأوروبية بدءاً من أول فبراير (شباط) المقبل على أن تزيد إلى 25 في المائة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) القادم.

وعندما سُئل عما إذا كان سينفّذ خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند، قال ترمب لـ«إن بي سي نيوز»: «سأفعل ذلك، بنسبة 100 في المائة».

من جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي الشاسع.

وقال بيسنت للصحافيين في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة بتاتاً». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي لأنه يعتبره «أصلاً استراتيجياً»، و«لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».


مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته باستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك نطاق الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول في أوروبا، ليواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» أزمة لا سابق لها منذ إنشائه قبل 77 عاماً.

ورغم الرفض القاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تقع غرينلاند ضمن سيادة بلدها، والزعماء الغرينلانديين، وكذلك من كبار المسؤولين الأوروبيين وبينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، جدد الرئيس ترمب حملته الكلامية للمطالبة بالحصول على أكبر جزيرة في العالم، فكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «لطالما طالب حلف الناتو الدنمارك، طوال 20 عاماً، بضرورة إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند». وأضاف: «للأسف، لم تتمكن الدنمارك من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيتم ذلك!».

وهو كان يشير في هذا المنشور إلى أن أعضاء «الناتو» لم يستثمروا بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي لسنوات، في وقت تتحوّل فيه المنطقة - التي تشهد ذوباناً للأنهار الجليدية ونشاطاً بحرياً متزايداً لكل من الصين وروسيا وممراً لكابلات الاتصالات البحرية الحيوية - إلى بيئة خصبة لتجدد الصراع بين القوى العظمى.

ولم يُبدِ ترمب حتى الآن أي اهتمام بالبحث عن حلول دبلوماسية، أو بنوع الشراكات الدفاعية التي لطالما عززها «الناتو»، بما في ذلك بناء المزيد من القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي لا يزال في مراحله الأولى، ليشمل غرينلاند البالغة مساحتها 836 ألف ميل مربع، أي نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس.

وكذلك لم يعر ترمب أي اهتمام حتى الآن بمعاهدة استراتيجية وقّعتها الدنمارك عام 1951 لمنح الولايات المتحدة حقوقاً تشمل فتح نحو 16 قاعدة عسكرية في غرينلاند، علماً بأنها أُغلقت لاعتقاد الإدارات الأميركية السابقة بأن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي. ولم يبقَ من هذه القواعد سوى واحدة حالياً. وصرح ترمب مراراً بأن بلاده بحاجة إلى غرينلاند الشاسعة والغنية بالمعادن من أجل «الأمن القومي» للولايات المتحدة.

أكبر من صفقة ألاسكا

أرشيفية لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال جولة عسكرية في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند (أ.ف.ب)

وإذا تمكن ترمب من الوصول إلى غايته، فستكون هذه أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، وحتى أكبر من صفقة وزير الخارجية سابقاً ويليام سيوارد، قبل أكثر من 150 عاماً، عندما اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867 مقابل سنتين تقريباً لكل فدّان.

وبدلاً من السعي إلى تسوية دبلوماسية، لجأ ترمب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وزاد عليه أخيراً ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد يفكر بـ«السلام حصراً» لتحقيق غايته. وكتب في رسالة خطية وجهها لرئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوير: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام حصراً، مع أنه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة». وكرر اتهام الدنمارك بأنها عاجزة عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين. وإذ تساءل: «لماذا لديهم حق الملكية، على أي حال؟»، أضاف: «لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضاً». واعتبر أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

جنود دنماركيون ينزلون من سفينة في ميناء نوك بغرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

وقاد ترمب حملة علنية لنيل جائزة نوبل، التي منحت خلال العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وقدمت ماتشادو ميداليتها الذهبية لترمب الأسبوع الماضي على الرغم من أن اللجنة أكدت أن الجائزة غير قابلة للتحويل أو المشاركة أو الإلغاء.

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد، السبت، بفرض موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل على 8 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا والنرويج، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وتهدد استراتيجيته بتقويض «الناتو» الذي شكل ركيزة الأمن الغربي لعقود، والذي كان يعاني أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب في أوكرانيا ورفض ترمب حماية الحلفاء الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع.

وهذا ما عكسه رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن الذي أكد أن تهديد ترمب بالتعريفات الجمركية لا يُغيّر من رغبة غرينلاند في تأكيد سيادتها. وكتب في منشور على «فيسبوك»: «لن نرضخ للضغوط»، مضيفاً أن الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي «مجتمع ديمقراطي له الحق في اتخاذ قراراته بنفسه».

وفي رد مباشر على رسالة ترمب، عبّر رئيس الوزراء النرويجي، في بيان أصدره مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عن «معارضتهما» لتهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. وذكّر بأن جائزة نوبل للسلام لا تُمنح من الحكومة النرويجية.