«زواج المبدعين»... مغامرة مليئة بالمزالق

بزيع يكتب عن 32 علاقة انتهت غالبيتها إلى مصائر تراجيدية

«زواج المبدعين»... مغامرة مليئة بالمزالق
TT

«زواج المبدعين»... مغامرة مليئة بالمزالق

«زواج المبدعين»... مغامرة مليئة بالمزالق

لخمسين سنة بقي الشاعر شوقي بزيع بعيداً عن مؤسسة الزواج، وإذ دخلها بعد تردد وانتظار طويلين، لا تزال هذه العلاقة الإشكالية التي يعيشها أديب مع شريك يتقاسم معه تفاصيل أيامه مسألة تثير لديه الأسئلة والكثير من الفضول. وهو ما يعترف به في المقدمة المسهبة لكتابه الشيق «زواج المبدعين»، الذي صدر حديثاً عن «دار مسكيلياني للنشر والتوزيع»، إذ يقول: «أنا لا أجافي الحقيقة بشيء إذا قلت، ببالغ التواضع، إن هاجس البحث عن نظائر وأشباه في عالم الكتابة والفن، هو الذي دفعني إلى كتابة هذه السير العاطفية والأسرية لكوكبة متميزة من المبدعين، وصولاً إلى جمعها بين دفتي كتاب».
يشرح الشاعر شوقي بزيع في 300 صفحة ونيف، اثنتين وثلاثين علاقة زوجية لأدباء مشاهير، من مختلف الجنسيات، بقدر ما تختلف حيواتهم نجدها تتشابه في جنوحها إلى التعقيد وبلوغ حافة الصدام، إن لم يكن الجنون والموت. لا بل يلحظ القارئ أن نجاح هذه العلاقات إن حدث صدفة، فكي يؤكد شذوذه عن القاعدة. فليس للشاعر بزيع، بحسب ما يشرح لنا، يد في تشويه هذه الزيجات أو الافتراء عليها. «وإذا تراءى للقارئ أن في خلفية السرد وأسلوب الكتابة ما يشي بتغليب الجانب السلبي والقاتم من الزواج، على ما عداه من وجوه إيجابية، فالواقع أن الأمر لا يتصل بهوى فردي، بل بالمعاينة الموضوعية الدقيقة لما واجهه أغلب المبدعين والمبدعات من مكابدات ومتاعب، في ظل انفصالهم شبه الكلي عن الواقع، وعجزهم الشخصي عن تلبية الشروط المرهقة للزواج».
وإذ يبدأ الكتاب بتجربة الثنائي الشهير الشاعر الفرنسي لويس أراغون والروائية الروسية إلسا تريوليه التي قال فيها «إنها المرأة الخالدة التي أنجبتُها للعالم/ ومنها أولد»، فإن بزيع يرى أن المتخيل الإبداعي لهؤلاء الكتّاب، لا يصح بالضرورة على الواقع. فقد تجلت إلسا في كتابات أراغون «بمثابة واحدة من أساطير الوله والعشق والافتتان بالآخر النادرة». ومع ذلك فعلاقتهما بقيت «عصية على الفهم»، حتى من قبل معاصري الشاعر. «مجنون إلسا» الذي دارت أشعاره حولها، لم تبادله هي ولهه بها في كتاباتها على الأقل، وكأنما أدركت أن التزام المعشوق الصمت «هو الشرط الإلزامي لوضعه في خانة الأسطورة»، وكان لها ما أرادت. فلم يبقَ اسمها من خلال كتاباتها الأدبية، وإنما بفضل أشعار أراغون التي دارت حولها. وهي علاقة لا تشبه في شيء، تلك التي ربطت إلسا أخرى بالكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا. فهذا الأخير ربطته بزوجته قصة «تحمل في داخلها كل خصائص التراجيديا العاطفية الإنسانية». فرغم أن مورافيا هو أحد أكثر كتّاب الغرب إباحية، واتهمه الفاتيكان بالفحش وترويج الرذيلة، غير أنه كان هو المطعون من زوجته الكاتبة المرموقة إلسا مورانته، وظل على مدى خمسة وثلاثين عاماً يطاردها بالرسائل بينما كانت هي في أحضان سواه.
وإذا كانت زيجات الأدباء في الغرب قد حظيت بكتابات وفّرت للشاعر بزيع ما يحتاج إليه من مراجع، تسهل مهمته، فإن الكتابة عن زواج المبدعين العرب أصعب شأناً، إن لقلة الكتابات أو ندرة الاعترافات الشخصية، أو لما يمكن أن تسببه من حرج يجبر على شيء من تحفظ. فبالتأكيد أن الكتابة عن علاقة بابلو نيرودا بماتيلدا أوروتيا الزوجية، أو فيفيان هايوود بـ ت.س. إليوت، أسهل بكثير من الكتابة عن علاقة خالدة سعيد بأدونيس أو عبلة الرويني بالشاعر أمل دنقل. وهو ربما ما يفسّر غلبة الكتابة عن التجارب الغربية مقارنة بالثنائيات الخاصة بالمبدعين العرب. إذ يقتصر الكتاب على 12 تجربة للمبدعين العرب، بينها قصتان من التراث العربي، وهما عن علاقة لبنى بقيس بن ذريح وورد بديك الجن الحمصي.
ومن بين التجارب التي تلفت في الكتاب، العلاقة الزوجية بين الشاعر يوسف الخال والفنانة التشكيلية مها بيرقدار. فهي صفحات ستبقى مرجعاً في المستقبل، بفضل جرأة الكاتب على نشر اعترافات أدلت بها الزوجة مها بيرقدار حول حياتها التي كانت شديدة التوتر بزوجها الشاعر الراحل. تقول: «إن سلوكه اتسم بالقسوة والتعنيف الكلامي، لكنه لم يصل إلى العنف الجسدي إلا مرات قليلة، وبخاصة حين تثبت مرة من خيانته لي، حتى إذا ما فاتحته بهذا الشأن بادر إلى دفعي بقوة، معتبراً أن ما أقوله هو من بنات وساوسي المرضية».
وتتحدث مها وهي الزوجة الثانية للشاعر بعد هيلين، عن مساعدتها المالية له، وصدوده في المقابل عن موهبتها الشعرية والتشكيلية، وعدم تشجيعها، حتى إنه لم يكن يعبأ بذلك. لهذا لم تنشر بيرقدار في حياته سوى مجموعتها الأولى «عشبة الملح»، فيما صدرت مجموعاتها الثلاث الباقية بعد موته. ويرى بزيع أن يوسف الخال في إحدى مقابلاته، يدلي باعترافات تضفي مصداقية على شهادة زوجته حين يقول: «لا أعتقد أن أي امرأة بالذات لعبت دوراً رئيسياً في حياتي، فأنا أحب عِشرة النساء، لكنني لا أحب النساء، لا أحب جنسهن، أتعب وأضجر منهن. بيني وبينهن جدار لا يُخرق، ولا أذكر أنني استسلمت في حياتي لحب امرأة».
الشاعر محمد الماغوط لم يكن أكثر رقة من يوسف الخال، مع زوجته الشاعرة سنية صالح التي لم تأخذ حقها من الشهرة أو الاهتمام النقدي. آمنت بمكانة زوجها الإبداعية، نرى ذلك من تقديمها لأعماله الشعرية والمسرحية فيما هو لم يبادلها الإعجاب، بل قرّعها بعد صدور مجموعتها الثانية «حبر الإعدام» قائلاً: «ألا تشعرين بتأنيب الضمير وأنت تكتبين بمعزل عن قضايا أكثر أهمية وإلحاحاً من عذاب امرأة غير متآلفة مع بيئتها؟» وبانتظار أن تفرج ابنتي سنية، عن سيرة حياة والدتهما التي تركتها في عهدتهما، فإن بزيع يستند إلى ما كتبه شقيق الماغوط، وشقيقة سنية الناقدة خالدة سعيد التي تؤكد تضحيات شقيقتها إلى جانب الماغوط، وتشير إلى أن «سالبين اثنين لا يصنعان زواجاً ناجحاً»، وأن «الحب الذي ربط بين الطرفين كان فيه من العنف بقدر ما فيه من الحنان». لكن هذا الحنان يتبخر حين نقرأ أن عيسى شقيق الماغوط كتب أنه أثناء زيارة له إلى منزل أخيه الأكبر، شهد عراكاً جسدياً بين الطرفين، و«أن ذلك العراك العنيف قد انتهى بكارثة مروعة، تمثلت في إجهاض سنية، التي كانت حاملاً في شهرها التاسع لمولودها المرتقب».
من الزيجات الناجحة تلك التي ربطت نزار قباني ببلقيس الراوي، لكن القدر شاء أمراً آخر، فقضت نحبها بشكل مأساوي تحت ركام الانفجار المروع الذي ضرب السفارة العراقية في بيروت، حيث كانت تعمل لسنوات.
ولعل واحدة من أشهر العلاقات المعاصرة، هي التي ربطت خالدة سعيد بالشاعر أدونيس منذ أكثر من خمسة وستين عاماً، ومع ذلك لا يبدو أن أدونيس من كبار المؤيدين للزواج، لأن «العلاقة الحرة وغير المشروطة هي الصيغة المثلى للارتباط بين شخصين متحابين، وإن مؤسسة الزواج صارت مؤسسة نافلة وينبغي إلغاؤها». هذا لا يمنع خالدة من القول: «أحب أدونيس أكثر من روحي، وهذا يكفي».
يلاحظ أن الأدباء الرجال أشد خوفاً على إبداعهم من شريكاتهم. وهذا ما نلحظه عند محمود درويش الذي فشل في الحفاظ على زواجه مرتين مرة مع رنا قباني والثانية مع الكاتبة والمترجمة المصرية حياة الهيني. لكن الخشية الكبرى عنده كانت من تحمل مسؤولية طفل. فهو «أخطر على الكاتب من الزواج نفسه، لأن بوسع الرجل أن يطلق امرأته متى شاء، ولكن ليس بوسعه التخلص من أطفاله». ووصل الأمر بمحمود درويش إلى أن أكره زوجته الحامل رنا قباني على التخلص من الجنين. ويعلق بزيع: «كان يلحّ على التوضيح بأنه لم يفعل ذلك بتأثير من أنانيته العالية أو بسبب كرهه للأطفال، بل لأنه أوهن من أن يتعايش، ولو في الخيال، مع ما يمكن أن يواجهه طفله المرتقب من احتمالات الألم أو المرض أو الموت المبكر».
هي دراسة حاولت التصدي لعلاقات زوجية شائكة، محيطة بمختلف إشكالياتها وتعقيداتها، دون أن تهمل جوانبها الإيجابية التي تبقى قليلة. والشاعر شوقي بزيع إذ يقوم بهذه المهمة، يعلم جيداً أنها مليئة بالمزالق والمطبات، لا سيما حين يتناول الحياة الشخصية للأزواج المبدعين العرب وحتى الراحلين منهم، حيث يمكن أن تعتبر خرقاً للأخلاق وانتهاكاً لحرمة الموت، خاصة أنها زيجات في أغلبها تراجيدية، توزعت مآلات أصحابها بين الانفصال والقتل والانتحار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».