«ولمرت» ساهمت في نقل التصنيع خارج أميركا.. وتعمل الآن على عودته

أكبر شركة بيع بالتجزئة في العالم تبقى أكبر مستورد في الولايات المتحدة

«ولمرت» ساهمت في نقل التصنيع خارج أميركا.. وتعمل الآن على عودته
TT

«ولمرت» ساهمت في نقل التصنيع خارج أميركا.. وتعمل الآن على عودته

«ولمرت» ساهمت في نقل التصنيع خارج أميركا.. وتعمل الآن على عودته

صوت من عهد آخر كان يحيي المحتشدين في قمة «ولمرت» السنوية الثالثة للتصنيع الأميركي – المنعقدة لإيجاد مزيد من المنتجات الأميركية الصنع.
«يمكن للأميركيين أن يصنعوا كل شيء تقريبا، في هذا البلد، وببراعة»، هكذا تحدث المؤسس سام والتون، في فيديو باهت بالأبيض والأسود، يعود تاريخه لثمانينات القرن المنصرم، موضحا مهمة «ولمرت» المتمثلة في شراء مزيد من المنتجات المصنعة في الولايات المتحدة.
أخفق والتون في هذا المسعى في نهاية المطاف، فقد أغلقت المصانع الأميركية التي كان من الممكن أن تعزز هذا الجهد. وألقى المنتقدون باللائمة على إصرار «ولمرت» على تقليل التكاليف عبر نقل سلسلة الإمداد الأميركية إلى الصين، حيث تفوقت المصانع الكبرى واليد العاملة الرخيصة على منافسيها في أميركا.
لكن «ولمرت» تسعى حاليا إلى إحياء قاعدة التصنيع الأميركية. والشركة دخلت عامها الثاني ضمن خطة لعشر سنوات لشراء مزيد من المنتجات من المصانع الأميركية بما قيمته 250 مليار دولار. وتعمل «ولمرت» على تعزيز جهودها، بينما تناضل في مواجهة ارتفاع الأسعار وصراع عمالة. أما المشككون في هذا الجهد فيستشهدون بتاريخ الشركة، ويقولون إنه مجرد مناورة علاقات عامة براقة.
ومع هذا، فشركة البيع بالتجزئة يمكن أن تنجح في ما أخفق فيه مؤسسها، الذي توفي في عام 1992. وقد يسهم في هذا الابتكارات التكنولوجية ومستوى معيشي آخذ في الارتفاع في الصين. وكما استخدمت الشركة إمكاناتها الهائلة لإرسال سلسلة الإمداد للخارج، يمكنها أن تعيد توجيه هذه القوة الشرائية لإعادتها من جديد إلى داخل أميركا، بينما تلتزم بشعارها الذي تردده وهو أسعار منخفضة كل يوم.
قال داريل روزن، الذي يرأس شركة في بنتونفيل تتولى تقديم الاستشارات للموردين لـ«ولمرت»: «هذه طريقة لتوفير الأموال بالنسبة لهم. وهذا في القلب من مهمة (ولمرت)... كانت لدى سام هذه الرؤية من قبل أن تكون لديه الأدوات أو يتكشف سير الأمور».
لكن ثمة لعبة هنا: فالتصنيع يختلف هذه المرة، إذ إن نفس التكنولوجيا التي تساعد المصانع على المنافسة تستأصل الحاجة إلى عدد كبير من العمال. لذا، فبينما يمكن لـ«ولمرت» أن تنجح في محاولتها لجلب بعض المنتجات إلى الداخل الأميركي، فإنه سيكون عليها أن تشتري مزيدا من المنتجات أكثر مما قامت به سابقا، لكي تستبدل الوظائف التي تم فقدانها بالفعل.
وقد دشنت «ولمرت» مبادرتها للتصنيع الأميركي في 2013 وبدأت عقد مؤتمرات قمة يتزاحم فيها رواد الأعمال من أنحاء البلاد لتصل منتجاتهم إلى أرفف الشركة. وفي الأسبوع الماضي، احتشد ما يقرب من ألف من البائعين المحتملين في الصالات الضيقة ذات الغرف الصغيرة المتراصة في مقر الشركة الرئيسي ذي الارتفاع المنخفض، ليقدموا بضاعتهم: غسول لليد، مقادير للطهي، وقطعة إضافية للشواء تستخدم لطهي البيتزا، ولعبة بيسبول مصغرة للأطفال.
وفي واحدة منها، كانت تقف بومة بلاستيكية سوداء ذات ريش مطلي باللونين الأخضر والأصفر على طاولة أمام أحد المشترين من «ولمرت». وكانت واحدة من الشركات المتخصصة في منتجات الحدائق والمتنزهات وهي «دالين» قدمت خلال المعرض المفتوح الذي أقيم العام الماضي، بومة ذات رأس دوار – من النوع المستخدم لإخافة الحمَام - إلى جانب أوتاد خشبية كانت قد أنتجتها في الصين. وفي ظل وجود التزام من «ولمرت» بالشراء منها، تمكنت الشركة من جلب الإنتاج إلى مصنعها في نوكسفيل، بولاية تينيسي. وفي هذه المرة، كانت «دالين» تستهدف بالبومة التي تتوهج في الظلام، قطاعا مختلفا: الزينة الخاصة بالإجازات، وهو قطاع لا يصنع تقريبا أي شيء خاص به في أميركا.
ورغم هذا، فليس كل منتج هو من الأشياء التي كان يتم إنتاجها في الخارج، أو كان يتم إنتاجها في الولايات المتحدة منذ وقت طويل، ولكنها لم تحظ باهتمام «ولمرت»، فكثير من المنتجات المعروضة كانت تظهر في ممر منتجات البقالة بالمتاجر، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة بالفعل.
وهذا من بين الأسباب التي تثير استياء المنتقدين، إذ إن كثيرا مما تضعه «ولمرت» ضمن رقم الـ250 مليار دولار المستهدف لمنتجات «تمت صناعتها أو زراعتها أو تجميعها» في الولايات المتحدة، هي من المنتجات التي كان يمكن شراؤها بأي من الأحوال. والأكثر من هذا أن رقم الـ250 مليار دولار لا يمثل إلا 5 في المائة من صافي مبيعات «ولمرت» خلال العقد المنصرم، وكان من الممكن الوصول إليه من خلال النمو الطبيعي. وما زالت «ولمرت» إلى حد بعيد أكبر مستورد في البلاد، وهي تعد داعما قويا لاتفاق تجارة مع آسيا من شأنه أن يسمح لها باستيراد كميات أكبر حتى مما تستورده حاليا وبأسعار أقل.
وقال سكوت بول، مدير منظمة «تحالف المصنعين الأميركيين»: «كان إحساسي ليكون أفضل تجاه التزام (ولمرت) لو أنهم نظروا إلى المزيج» من المنتجات. وأضاف: «من الممكن تماما أن تفي (ولمرت) بالتزامها وألا تزيد هذه النسبة».
لا توضح «ولمرت» في الوقت الراهن كم عدد الشركات التي أعادت إنتاج منتجاتها في الولايات المتحدة (أحصت منظمة «ريشورينغ إنشياتيف»، وهي منظمة غير ربحية مستقلة تساعد الشركات على إنتاج منتجاتها داخل الولايات المتحدة، 40 مشروعا أثمروا عن 4,748 وظيفة). وقال سيندي مارسيليو، نائب رئيس «ولمرت» للتصنيع الأميركي: «لقد بدأنا بقوة ونسير وفق الخطة».
ولكنه حتى ولو لم يكن لدى الشركة حجم كبير من المبيعات الأميركية، فلديها وفرة من المشروعات التي تظهر نطاق ما هو ممكن. على سبيل المثال، تمكنت «إميليا بي سي»، وهي شركة مستحضرات تجميل، من شراء مصنع في ولاية ميسيسيبي كان على وشك الإغلاق وحصلت على قروض بنكية لشراء أنظمة لتعزيز الإنتاجية بمساعدة التزام من «ولمرت» بشراء منتجاتها على المدى الطويل.
وقد تتجاوز تكلفة المنتج الذي يحمل علامة «صُنع في أميركا» بشكل طفيف نظيرتها للمنتج المستورد. ولكن «ولمرت» في المعتاد تطلب من الشركات قدرا من المرونة وتقديم المنتجات بأسعار أقل.
وبالنسبة إلى بعض المنتجات ذات الإدارة الصغيرة، فإن الأسس الاقتصادية تدعم هذا المبدأ الآن. وتكلفة الطاقة في الولايات المتحدة تراجعت الآن لمستويات تاريخية. كما أنه في ظل خطر سرقة الملكية الفكرية بات ينظر الآن إلى سلاسل الإنتاج الممتدة على أنها عبء أكثر من كونها من الأصول الاقتصادية. وبمقدور الآلات الأصغر حجما والأكثر إنتاجية أن تؤدي إلى فاتورة هي أقرب إلى متناول المستهلك، بما يسمح بعائد سريع.
في الوقت الراهن، يبلغ متوسط الأجور في الصين – التي كانت تصل لـ17.5 في المائة من الأجور الأميركية في 2000 – 61 في المائة من الأجور الأميركية، وفقا لتحليل أجرته شركة «بوسطن كونسلتينغ غروب». وعلاوة على هذا، فإن التكنولوجيا الأكثر تقدما – التي استثمرت فيها «ولمرت» بقروض بقيمة 10 ملايين دولار - قادرة على خفض قدر كبير من العمالة التي جعلت الإنتاج الأميركي أكثر تكلفة في المقام الأول، مما يسد آخر شيء في هذه الفجوة.
ورغم مثل تلك الاتجاهات، فإنه ليس من السهولة إعادة بناء نظام معقد تم تفكيكه مع انتقال الإنتاج للخارج، ما يجعل من شبه المستحيل الحصول على مكونات المنتجات مثل كراسي التحميل ولوحات الدوائر الإلكترونية من مصادر محلية.
ولكن، وكما ساهمت «ولمرت» في خلق هذه المشكلة بالأساس، فإنه يمكنها أن تستخدم نطاقها الواسع لمحاولة إصلاحها، ففي حال وُجدت المصانع التي تنتج هذه المكونات الصغيرة، سيتمكن بائعو «ولمرت» من العثور عليها، مع حرية وصول إلى قاعدة بيانات توضح أين يوجد الموردون. كما تساعد «ولمرت» المصنعين على أن يطلبوا حوافز من الولايات يمكن أن تخفض تكلفة إعادة التصنيع في الولايات المتحدة. ولتصنيع الجزء الأكبر مما يريده الأميركيون من المنتجات أميركية الصنع، فإنه على «ولمرت» أن تضع كل شيء على قسم خاص بالمنتجات التي تحمل شعار «صُنع في الولايات المتحدة» على موقعها الإلكتروني حيث يمكن للمزودين أن ينشروا مقاطع فيديو عن كيفية إنتاج الأشياء.
وهذا يكفي لإعطاء التصنيع الأميركي فرصة، وكان هذا كافيا لإقناع هال سيركين، الذي شارك في إعداد دراسة لمجموعة «بوسطن كونسلتينغ» في 2011 تروج لعودة التصنيع إلى الولايات المتحدة.
استدعت «ولمرت» سيركين بعد نشر الدراسة لترى إن كان بمقدوره المساعدة. وبعد عدة اجتماعات لطمأنته بأن الأمر لا يتعلق فقط بصورة الشركة، انضم إليها للعمل كمستشار.
يقول سيركين إن النجاح لم يحالف سام والتون في القيام بذلك، ولكن هذا لا يجب أن يعد خصما على «ولمرت». وقال: «لم يتمكنوا من تغيير الظروف، لأن الظروف سارت بالفعل لمسافة بعيدة في الاتجاه الآخر، مع وصول تكاليف العمالة 71 سنتا في اليوم في الصين... لديهم (ولمرت) مزيد من القوة الآن، والظروف تسير في صالحهم بشكل أفضل إلى حد ما».
*خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.